صوتٌ يتوهجُ خارجَ أسوارِ الخذلان: قراءة في نص (هروب) للشاعر وليد سرنان
عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم في ايطاليا ومتابع للشأن السياسي
مهتم بالشؤون العربية قضايا الهجرة والبحث في الفكر والإسلام.
حين يتأمل القارئ المشهد الشعري العربي المعاصر يسترعيه الحضور اللافت لأصوات شابة لا تكتفي بتلقي الجمال بل تصنع ملامحه بوعي ناضج وأدوات تعبيرية تتجاوز طقوس العمر الزمني. ومن بين هذه الأسماء الواعدة التي تحفر ناموسها الإبداعي في صخر الكلمة يبرز الشاعر والقاص المغربي وليد سرنان ابن مدينة آسفي العريقة بذاكرتها وثقافتها كصوت صاعد يمتلك لغة تنبض بالفرادة والعمق.
في نصه الجديد الموسوم – هُرُوبٌ – لا يقدم لنا الشاعر الشاب مجرد خاطرة عابرة في الخصام أو الفراق بل ينجز بياناً شعرياً متكاملاً للتحرر والانعتاق. يتخذ النص من البحر رمزاً مركباً ومتناقضاً فهو الفضاء الواسع الذي يحتضن الأسرار لكنه في الوقت ذاته يمثل قناعاً للغدر والخذلان والخبايا المظلمة: -أصبحْتَ معي خائناً.. تُخفي الغدر تحت موجك البريءْ-.
إن جمالية النص تكمن في تلك النقلة النفسية والفنية من حالة الانكسار الصامت إلى ملحمة الانبعاث واستعادة البريق. فالشاعر وليد لا يهرب هزمًا بل يهرب وعياً واختياراً رافضاً أن يبقى أسيراً للوعود الميتة وسراب الحنين. تتجلى نضالية الذات الشاعرة في مقطع الإصرار على إعادة البناء: -أُعيد بناء جدار اشتعالي، وأرسم في الأفق صبحا بديلا- لتتحول التجربة الشعرية هنا إلى طقس تطهيري يمازج فيه المبدع بين رقة الندى وصلابة القلب العنيف.
بأسلوب يمزج بين سلاسة التعبير وبلاغة التصوير وبثقافة واعية بأسئلة الذات والوجود يثبت وليد سرنان من خلال هذا النص أن العمر الإبداعي لا يقاس بسنوات السن بل بعمق الرؤيا وصدق الإحساس. إننا أمام قلم شاب يخطو بثبات نحو عتبات الإبداع الرصين مبشراً بمشروع شعري يستحق القراءة والاحتفاء.
نص القصيدة:
هُرُوبٌ
رَحَلْتُ وَلَمْ أَعُدْ إِلَيْكَ أَيُّهَا البَحْرْ..
هَرَبْتُ وَلَمْ أَعُدْ إِلَيْكَ يَوْمَا.
أَصْبَحْتَ مَعِي خَائِناً..
تُخْفِي الغَدْرَ تَحْتَ مَوْجِكَ البَرِيءْ،
وَتَبْنِي لِي مِنَ الوَهْمِ رُسُومَا.
فَمَا عَادَ صَمْتُكَ يَعْنِينِي،
وَلَا عُنْفُوانُ أَمْوَاجِكَ يُشْقِينِي.
تَرَكْتُكَ لِلرِّيَاحِ تَعْبَثُ بِك،
وَاخْتَرْتُ بَعِيداً عَنْكَ طَرِيقِي..
حيث لَا غَدْرَ يَبْكِينِي،
ولَا وَهْمَ يُشْقِينِي،
ولَا مَوْجَ يُؤْذِينِي،
ولَا خَوْفَ يُشْجِينِي،
ولَا دَمْعَ يُضْنِينِي،
روحي تَسْتَعِيدُ بَرِيقَهَا،
بَعِيداً عَنْ مِيَاهٍ خَاذِلَةٍ..
وَبَعِيداً عَنْ عُهُودٍ تَمُوتُ بَيْنَ يَدَيْكَ !
وَخَلْفِي تَرَكْتُ سَرَابَ الحنِينِ،
أُفَتِّشُ عَنْ بَرِّ أَمَانٍ جَدِيدْ.
فَلَا المَوْجُ يُغْرِينِي بِالاسْتِكَانَةِ،
وَلَا طَيْفُ ظُلْمِكَ يَأْسِرُ قَلْبِي العَنِيدْ.
أُعِيدُ بِنَاءَ جِدَار اشْتِعَالِي،
وَأَرْسُمُ في الأفقِ صُبْحا بَدِيلَا.
أَمُدُّ يَدِي لِلنَّدَى كَي أُنَاجِي،
غَدًا طَاهِراً.. لَمْ يَصِرْ مُسْتَحِيلَا.
مَضَيْتُ أُدَاوِي جِرَاحَ المَسَافَاتِ،
أُعَانِقُ بَدْءاً بَدِيلًا نَقِيَّا.
وَلَا نَدَمٌ فِي فُؤَادِي يَثُورُ،
فَقَدْ صِرْتُ حُرّاً..
وَمَا عَادَ بَحْرُكَ يَعْنِي شَيْئاً لي!





