عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم في ايطاليا ومتابع للشأن السياسي
مهتم بالشؤون العربية قضايا الهجرة والبحث في الفكر والإسلام.
في مشهد يعج بالتحولات الجيوسياسية المأزومة والارتباك الداخلي الذي يعصف بأحزاب أقصى اليمين في أوروبا برزت مؤخراً زيارة استفزازية هندسها رئيس حزب التجمع الوطني الفرنسي جوردان بارديلا إلى مدينة سبتة المغربية المحتلة مرفوقاً بزعيم حزب فوكس الإسباني المتطرف سانتياغو أباسكال. هذه الخطوة الصبيانية التي تزامنت مع الحملات الانتخابية المبكرة في إسبانيا لم تكن مجرد جولة تفقدية عابرة للحدود بل شكلت انزلاقاً خطيروسقطة سياسية وفكرية فاضحة تؤكد عجز التيارات الشعبوية عن تقديم بدائل حقيقية لأزمات القارة الأوروبية العميقة فلجأت عوضاً عن ذلك إلى استعراض عضلاتها الوهمية فوق أراضٍ مغربية مستعمرة في محاولة بائسة لإنعاش شعبيتها المتهاوية.
إن اختيار شخصية مثل جوردان بارديلا المراهن الأكبر على قصر الإليزيه في انتخابات 2027 لسبتة المحتلة مسرحاً لخطاباته الشعبوية يكشف عن جهل مطبق بقواعد القانون الدولي وتاريخ المنطقة. فعندما يتجرأ سياسي فرنسي بتبرير زيارته بأنها دفاع عن الهوية الأوروبية في وجه تدفقات الهجرة فإنه يعكس أزمة بنيوية تعاني منها الطبقة السياسية التقليدية في فرنسا والتي باتت تستورد أزماتها الداخلية وتصدرها نحو الجوار المتوسطي هروباً من محاسبة مواطنيها على الفشل الاقتصادي والاجتماعي. إن محاولة تصوير الثغر المحتل كمدينة شهيدة وإطلاق أرقام مضخمة ومبالغ فيها حول تدفقات الهجرة دون أدلة ميدانية موثقة يعري خطاب التهويل الذي ينهجه أقصى اليمين لترويع الناخب الأوروبي واستغلال ورقة الخوف الأمني لتحقيق مكاسب انتخابية ضيقة على حساب الاستقرار الإقليمي.
وفي خضم هذا العبث الشعبوي تأتي التوجيهات الملكية السامية التي وجهها جلالة الملك محمد السادس حفظه الله مؤخراً بمناسبة افتتاح الدورة التشريعية للبرلمان لترسم حدوداً صارمة للتعامل مع الشركاء مؤكدةً بحزم أن الشراكات الاستراتيجية للمملكة تنبع من إرادة سيادية خالصة ولا يمكن تحت أي ذريعة أن تخضع لمنطق الابتزاز أو الضغط. إن هذا الترسيم الملكي الواضح يعري تماماً هشاشة هذه الخرجات الاستعراضية الصبيانية لبارديلا وأباسكال ويكشف أن محاولات اليمين المتطرف ركوب موجة المغالطات الميدانية لن تفلح في زعزعة ثوابت الدبلوماسية المغربية الحازمة التي تفرض احترام سيادتها بندية تامة وبصيرة استراتيجية لا تهتز أمام المزايدات الانتخابية الرخيصة.
والأكثر خطورة في هذا المشهد هو التعنت الإيديولوجي الذي تبناه الثنائي بارديلا وأباسكال تجاه الشراكة الاستراتيجية التي تجمع المغرب بأوروبا. فالمملكة المغربية التي أثبتت طيلة العقود الماضية أنها شريك موثوق ومسؤول في تدبير الملفات الأمنية الكبرى ومحاربة شبكات الهجرة غير النظامية تتعرض باستمرار لمزايدات رخيصة من طرف تيارات سياسية معزولة تفتقر إلى الحد الأدنى من البصيرة الدبلوماسية. إن الإصرار على تجاهل الوضع القانوني والجغرافي الحقيقي للمدينتين المحتلتين سبتة ومليلية والحديث بلغة استعمارية متجاوزة عن السيادة الإسبانية والأوروبية المطلقة يمثل استفزازاً صارخاً ليس فقط للمغرب بل لروح الدبلوماسية الرشيدة التي تقوم على حسن الجوار والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
إن قراءة متعمقة لهذا التخبط اليميني تظهر بالملموس أن التحالف بين التجمع الوطني الفرنسي وفوكس الإسباني ليس سوى تجمع للمفلسين سياسياً حيث يحاول زعيم فوكس سانتياغو أباسكال منح شرعية وهمية لضيفه الفرنسي عبر استغلال قضية وطنية مغربية حساسة في مقابل تلقي الدعم لمشروعه السياسي المأزوم محلياً. وتكشف هذه الترتيبات الانتخابية عن نية مبيتة لضرب مسار الاستقرار في حوض المتوسط ومحاولة نسف المقاربات العقلانية التي تبنتها عواصم أوروبية وازنة أدركت مبكراً أن أمن القارة العجوز لا يتحقق عبر إثارة النعرات والعنصرية بل عبر بناء شراكات متوازنة مع الشريك المغربي الذي يمسك بزمام المبادرة والثقل الاستراتيجي في المنطقة.
في المقابل يقابل المغرب هذه الاستفزازات البائسة بثبات سيادي راسخ وهدوء استراتيجي يعكس قوة الدولة ومؤسساتها. فالسيادة المغربية على كامل ترابها الوطني بما فيه الثغور المحتلة ليست محل مساومة أو نقاش في بازارات السياسويين الأوروبيين المتاجرين بالخوف. إن وعي الدولة المغربية مدعومة بيقظة أبنائها في الداخل وفي عمقهم العالمي من مغاربة العالم يدرك تماماً أن هذه السلوكات المتهورة لليمين المتطرف لا تعدو أن تكون زوبعة في فنجان تذروها الرياح أمام صلابة الحق التاريخي والجغرافي. وكلما زادت هذه الأصوات النشاز من استعراضاتها الوهمية كلما تكرس الاقتناع بأن المغرب يمضي بخطى ثابتة نحو تعزيز مكانته كقوة إقليمية صاعدة تفرض احترامها بندية وتترك لغيرها العبث في رمال السياسة المتحركة.





