عبد الإله بنكيران وهندسة الانبعاث السياسي: معركة ترسيخ الحضور وتجديد الثقة لحزب المصباح في مشهد 2026
عبد الإله بنكيران وهندسة الانبعاث السياسي: معركة ترسيخ الحضور وتجديد الثقة لحزب المصباح في مشهد 2026
عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم في ايطاليا ومتابع للشأن السياسي
مهتم بالشؤون العربية قضايا الهجرة والبحث في الفكر والإسلام.
يواجه المشهد السياسي المغربي المعاصر سؤال محوري لا يفتأ يفرض نفسه بقوة على طاولة التحليل السوسيولوجي والسياسي متعلقاً بمدى قدرة الزعامات التاريخية على إعادة هندسة حضورها وحضور أحزابها وسط تحولات مجتمعية ومؤسساتية بالغة التعقيد والتسارع. وفي قلب هذا المخاض الاستثنائي يبرز الأداء النضالي للأستاذ عبد الإله بنكيران خلال محطة تشريعيات ألفين وستة وعشرين كظاهرة سياسية وتاريخية تستوجب الوقوف المتأمل والعميق لا سيما وأنه نجح باقتدار في قيادة حزب العدالة والتنمية من رماد الإخفاق القاسي لسنة ألفين وواحد وعشرين إلى واجهة الفعل البرلماني والمؤسساتي محققاً الرتبة الرابعة بخمسة وخمسين مقعداً برلمانياً. إن هذا التحول الرقمي والرمزي الوازن لم يكن وليد صدفة انتخابية عابرة أو طفرة ظرفية ناجمة عن تقلبات مزاج الناخب بل كان ثمرة جولات مكوكية وجهد تواصلي وتعبوي استثنائي خاضه بنكيران بنفسه متجشماً عناء السفر والتنقل المستمر عبر مختلف ربوع الوطن ومستثمراً رصيده الرمزي التاريخي وحضوره السياسي المتميز لإعادة بعث الحياة والروح في تنظيم عانى طويلاً من صدمة الارتداد التنظيمي والتشتت الداخلي.
لقد أبان بنكيران عبر خطابه المباشر وقدرته العالية على ملامسة نبض الشارع وهموم الطبقات الشعبية عن براعة سياسية فائقة في حشد الأنصار وكسر جدار العزوف الذي طبع المشهد الانتخابي العام متجاوزاً بذلك حتى تلك الأصوات المناهضة لوجوده أو المعارضة لخياراته من داخل البيت الداخلي للحزب ذاته والتي كانت تراهن في كل محطة على انطفاء جذوته السياسية. فلم يكن رهانه السياسي منصباً فقط على حصد المقاعد واستعادة المواقع الحزبية البحتة بل كان منصباً بالأساس على ترميم شرعية الوجود وتأكيد أن حزب المصباح ما زال رقماً صعباً وفاعلاً رئيسياً لا يمكن تجاوز حضوره أو اختزاله في المعادلة الوطنية. وحين نتأمل طبيعة هذه الجولات المكوكية ندرك أن سر قوة بنكيران يكمن في قدرته الفريدة على استنهاض الهمم وإعادة صياغة الخطاب السياسي بلغة بسيطة قريبة من وجدان المواطن البسيط، مما خلق تفاعلاً جماهيرياً واسعاً أعاد الاعتبار للعمل السياسي الميداني في زمن طغت فيه النزاعات الرقمية والخطابات الباردة.
ومن خلال حصد هذه الحصيلة المعتبرة التي أثمرت وصول أربعة وخمسين برلمانياً إلى قبة المؤسسة التشريعية تمكن الحزب من فرض نفسه كقوة اقتراحية ومعارضة مؤسساتية قادرة على إسمع صوتها بقوة وفعالية ما يعكس بوضوح نجاعة استراتيجية بنكيران في إعادة بناء جسور الثقة المكسورة بين الحزب وقاعدته الواسعة. لم تكن هذه العودة مجرد رقم عابر في سجل الانتخابات بل كانت إعلاناً صريحاً بأن المشروع السياسي للحزب يمتلك مناعة ذاتية قادرة على مقاومة رياح الإقصاء والتهميش بفضل صلابة تياره البشري ووفاء قواعده الصلبة. وبتأكيد قيادته على التموقع في صف المعارضة الواعية والمسؤولة أثبت الحزب أنه يضع المصلحة العامة واستعادة المصداقية فوق أي حسابات حزبية ضيقة رافضاً الانخراط في هندسات حكومية لا تتقاطع مع خطه النضالي والسياسي.
بهذا المعنى فإن التجربة السياسية للأستاذ عبد الإله بنكيران في هذه المحطة الانتخابية تسائل بعمق أدبيات العمل الحزب بالمغرب وتطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة القيادة والكاريزما في العصر الحديث. ففي وقت تعاني فيه أغلب التنظيمات السياسية من أزمة زعامات وتآكل في مصداقية خطاباتها أثبت بنكيران أن القائد الحقيقي هو الذي يمتلك شجاعة مواجهة الأزمات والنزول إلى الميدان لمصارحة الناس والدفاع عن قضاياهم. لقد استطاع أن يعيد تشكيل خارطة التحالفات الشعبية لصالح حزبه مجرداً خصومه من ورقة نهاية الصلاحية التي طالما لوحوا بها. وهكذا يظل الأداء النضالي لبنكيران في استحقاقات ألفين وستة وعشرين محطة فارقة ومادة دسمة للباحثين والمحللين السياسيين لكونه يجسد نموذجاً حياً للزعامات التي تصنع الحدث ولا تكتفي بمراقبته وتثبت مجدداً أن السياسي المحنك يولد دائماً من رحم الأزمات الكبرى وأن الزعامة الفذة هي التي تستطيع إشعال شمعة الأمل وسط عتمة اليأس والانكفاء السياسي.
ولا شك أن هذا المسار النضالي المحتدم لم يكن بمعزل عن التجاذبات التنظيمية والسياسية إذ شهد البيت الداخلي لحزب العدالة والتنمية محطات فاحصة للاختلاف أبرزها النقاش الدائر حول تدبير محطات مفصلية كملف توقيع اتفاقية التطبيع وما رافق ذلك من نقاشات وتصريحات متبادلة بين الأستاذ عبد الإله بنكيران وسلفه الدكتور سعد الدين العثماني. وهي الخلافات التي حاول بعض الخصوم وبعض الدوائر الإعلامية استغلالها للنفخ في كير التصدع واستهداف وحدة الصف الحزبي غير أن المتتبع اللبيب يدرك أن الاختلاف في الاجتهاد السياسي بين رجلين خدم كل منهما من موقع مؤسسات الدولة لا يمس بجوهر التلاحم والأخوة النضالية بل يعكس حيوية تنظيمية داخل حزب لا يدار بمنطق الصوت الواحد. وفي ذات السياق يبرز المعدن الحقيقي لبنكيران كرجل دولة بامتياز طالما أبدى وفاءً راسخاً بثوابت الأمة المغربية ومقدساتها وعلى رأسها المؤسسة الملكية والدين الإسلامي والشعار الخالد الله الوطن الملك. ففي الوقت الذي يتربص فيه بعض المناوئين ببعض إطلالاته وتصريحاته العفوية لتحويرها وإلباسها لبوس العداء أو التجاوز يقف العقلاء وأصحاب البصيرة على حقيقة مواقفه الصلبة في مختلف المنابر الإعلامية الوطنية والدولية حيث كان دائماً الحصن المنيع المدافع بقوة عن الملكية وضوابط الاستقرار المؤسساتي للبلاد. ومن هنا فإن إضاءتنا لمسار بنكيران وحزب المصباح تنطلق حصراً من زاوية التحليل الموضوعي وقراءة الوقائع السياسية المجردة بعيداً عن أي انخراط حزبي أو ارتباط تنظيمي فالكاتب وإن تقاطع في بعض المواقف والتقديرات مع الرجل فإنه قد يختلف معه في تفاصيل أخرى قناعةً بأن الاختلاف في الرأي مظهر صحي لا يفسد للود قضية ولا ينقص من قيمة الإنصاف السياسي والمهني في شيء ليظل بنكيران في النهاية رمزاً للنزاهة والصدق وصوتاً جماهيرياً حياً يعيد للسياسة طعمها ولمغربيتها أصالتها.





