بَين يَدَيْ الجمعِ العَام الوَطني الثَّامن لحركة التّوحيد والإصْلاح

 

 

 

 

 

د. عبد العزيز الإدريسي

 

 

بعدَ الجمع العام الوطني السَّابع المنعقد أيام17 – 18 – 19 ربيع الأول 1444هـ الموافق 14 – 15 – 16 أكتوبر 2022م لحركة التوحيد والإصلاح، يأتي الجمْع العام الوطني الثَّامن الذي سينعقد بحول الله أيام 23-24-25 أكتوبر 2026 لتُحافظ الحركة على محطَّات انتخاب قيَادتها وتجدِيد هياكلها بشكل مُنتظم و راتبٍ منذ انطلاقتها سنة 1996م عَقِبَ الوحدة المباركة؛ ولا شك أنَّ هذا الجمع العام يُعتبر محطة فارقة في الكسب التنظيمي والإصلاحي للحركة:

أولا:على مُستوى الكَسب التنظيمي: فهو أول جمع عام ينعقد بعد ثلاثين سنة من التّوحيد والإصلاح، وبعد استكمال أوَّل مرحلة انتدابية من تنزيل المخطط الاستراتيجي 2022-2038م الذي أقره الجمع العام السابع سنة 2022، وبالتالي فالجمع الثامن هو خطوة مفصلية في استمرارية تنزيل هذ المخطط، بالإضافة إلى كونه محطّة جماعية شورية لتقييم مدى نجاعة وفعالية هذا التنزيل، وإلى أي حدٍّ ستكون مُخرجاته وقراراته مستوعبة لتحولات المرحلة المقبلة 2026-2030 م، ومستشرفة للتحديات الداخلية والخارجية.

ثانيا: على مستوى الكسْب الإصلاحي: الجمع الثامن ينعقد في سياق عالمي استثنائي عنوانه الأبرز هو طغيان منطق القوة وتواري منطق الحق، وهذا ما كشفت عليه تداعيات طوفان الأقصى 7أكتوبر 2023م،مع يقظة للضمير الإنساني عقب الإبادة الجماعية التي قام بها الكيان الصهيوني في حق الشعب الفلسطيني في غزة والضفة بدعم من قوى الاستكبار العالمي وخذلان من معظم الدول العربية والإسلامية؛ وينعقد أيضا في سياق وطني دقيق يتسم بأزمة فقدان الثقة من طرف فئات عريضة من المجتمع المغربي، ما يجعل شعار: “بالاستِقامة ينهضُ الوَطن وبالمقاومَة تعزّ الأمة” ليس مجرد شِعار لفظي ولحظي، بل هو إعلان وبيان واضح بأن الولاء للوطن والوفاء للأمة يجعل الحركة تسهم من موقعها في الإصلاح، إصلاح يستهدف الوطن عبر تفعيل وترسيخ منظومة الاستقامة في الأسرة والمدرسة والمسجد والمجتمع المدني والإدارة و..، وإصلاح يستهدف الأمَّة عبر تعزيز منظومة المقاومة الشّاملة للمشروع الصهيوني والاختراق التطبيعي الذي يَستهدف النسيج الاجتماعي للأمة، بل ويستهدف ذاكرتها، حاضرها ومستقبلها، وهذا التّلازم بين منظومة الاستقامة و منظومة المقاومة يشكل الملمح اللَّاحب للكسب الإصلاحي في هذا السياق.

إن انعقاد الجمع العام الثامن تتقاطع فيها أزمتان كبريان: أزمة داخلية عنوانها الأبرز تعثر مسار التنمية وتآكل رصيد الثقة وتبديد الإمكانيات، وأزمة خارجية عالمية عنوانها استمرار حرب الإبادة على غزة بعد طوفان الأقصى، تقاطع يُحمِّل حركتنا مسؤولية تاريخية مضاعفة في الاضطلاع بأدوارها المركزية في النهضة والمقاومة والإصلاح، هذا السياق يفتح الباب أمام التأمل في المحاور التالية:

المحور الأول: بين يدي الشعار: “بالاستِقامة ينهضُ الوَطن وبالمقاومَة تعزّ الأمة”

 هذا الشعار ليس مجرد جملة إنشائية للاستهلاك الإعلامي، بل هو تشخيصٌ دقيق لأصل الداء ووصفة مركزة للدواء، اشتغلت عليه قيادة الحركة نظرا وتقليبا، نقدا وتصويبا، إلى أن استقر على عوده بتوفيق من الله تعالى، ذلك أن الحركة التي تجعل من الكتاب والسنة مرجعيتها العليا ومصدرها الأول، لم تكن لتنزاح عن مفاهيم القرآن المجيد ومصدرية الوحي في مقولاتها وشعارتها، فالمتأمل في سنن القرآن العظيم يجد أن الله ربط النهضة بالاستقامة، فقال: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا﴾ سورة الجن الآية16، وقال في سورة الأعراف:﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية 96. وربط استفحال الفساد بغياب المدافعة والممانعة، فقال: ﴿وَلَوْلَا دفاعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ سورة البقرةالآية251، فالاستقامة هي قانون العمران الداخلي للفرد قال تعالى:﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ سورة الأحقاف13. وهذا ما يؤكده الكسب الدعوي للحركة حيث جعلت مدار منظومتها الدعوية “سبيل الاستقامة” مُسَدِّدة لعملها الإصلاحي في المجتمع.

 والمقاومة هي قانون الحفظ الخارجي، ولا قيام لحضارة بدونهما، وقد لخص النبي ﷺ نهج المقاومة في تحذيره: “إذَا ضَنَّ النَّاسُ بِالدِّينارِ والدِّرْهَمِ، وتَبايَعُوا بالعِينَةِ، وتَبِعُوا أذْنابَ البَقَرِ، وتَرَكُوا الجِهادَ في سَبِيلِ اللَّهِ؛ سَلَّطَ اللَّهُ عليهم ذُلًّا لا يَرْفَعُهُ حتَّى يُراجِعُوا دِينَهُمْ”. أخرجه أحمد، وصححه الألباني.

ونهج المقاومة ليس فعلا مسلحا ظرفيا فقط، بل هو اختيار استراتيجي ونسق قيمي متكامل، وهذا ما أكده الفيلسوف الثَّغري طه عبد الرحمن في كتابه “الفيلسوف ابن ساعته” بقوله:” “وهكذا، فإن الأمة الإسلامية لا حظّ لها في الخروج من تدهورها الأخلاقي إلا إذا قامت بمسؤوليات الإحياء أو التجديد الثلاث: «تجديدُ التوحيد»، و«تجديدُ العلاقة بالقيم الأسمائية»، و«تجديدُ تخليقِ الذات وتخليق العالم». والقول الجامع لما تقدم هو أن الأمة الإسلامية أخلّت بمسؤوليتها الائتمانية؛ فكان أن حلّت بها مُوبِقات عظيمة ثلاث: «الذلة في حياتها»، و«التنازع على التسلّط بين أبنائها» و«تدهور الأخلاق في مجتمعاتها»؛ ولا يمكن الخروج من هذه الموبقات إلا بتحولات ثلاثة: أحدها، تحوُّل العقول، وذلك باستعادة «روح المقاومة»؛ والثاني، تحوُّل الإرادات، وذلك باستعادة «روح الائتمان»؛ والثالث، تحوُّل الوضع الديني، لأن الإسلام يجب أن يكون هذا الوضع على قدر العطاء الذي تميّزت به خاتميته، ويكون هذا التحول باستعادة «روح التجديد»، توحيدا وتقويما وتخليقا.”

ولذلك فهذا الشعار يستبطن السؤالين التّاليين: 

  • كيف تكون الاستقامة سبيلاً لنهضة وطننا المغرب،في التعليم والإدارة والأسرة والاقتصاد والعدالة والإعلام و..؟.
  • وكيف تكون المقاومة بكل تجلياتها سبيلاً لعزة أمتناواستعادة كرامتها وشهادتها؟.

المحور الثاني: رسائل الجمع العام الثامن

إن هذا الجمع العام المبارك ليس مجرد تجمع تنظيمي لانتخاب القيادة فقط، بل هو محطة لتجديد العهد والروح، له رسائل كثيرة:

رسالته لأعضاء الحركة: تجديد النية، والثبات على نهج الإصلاح، والمرابطة على الثغور: كل في ثغره، فالمربي في محضنه، والطالب في جامعته، والمسؤول في مؤسسته، والداعية في مجتمعه…، مصداقا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ آل عمران الآية 200.

 رسالته للوطن: نحن شُركاء في نهضة الوطن بالاستقامة، نريد مغرباً قوياً بمؤسساته، عادلاً في توزيع ثرواته، محافظاً على هويته الإسلامية ووحدته الترابية وثوابته الوطنية، فحب الأوطان إيمان وبُرهان.

 رسالته للأمة: نحن جزء من نسيج هذه الأمة، لن نتخلى عن فلسطين، ولن نقبل بالتطبيع، وسنبقى صوتاً للمستضعفين، وهذا هو التوازن الذي ميز الحركة دائماً: الولاء للوطن والوفاء للأمة، قال الحبيب عليه الصلاة والسلام:”مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى” متفق عليه.

المحور الثالث: نحو ميثاق الاستقامة والمقاومة

إن شعار “بالاستقامة ينهض الوطن وبالمقاومة تعزّ الأمة” هو ميثاق عهد وعمل للمرحلة القادمة، هو دعوة لكل أعضاء الحركة ومتعاطفيها أن يكونوا قدوة في نهج الاستقامة في أحيائهم ومدارسهم وفضاءاتهم وعلاقاتهم، وأن يكونوا في نفس الوقت طليعة في المقاومة بمناهضة الصهيونية، ورفض التطبيع، ونشر الوعي بالقضية الفلسطينية، ودعم صمود إخواننا في غزة الطوفان.

فلا معنى للاستقامة مع التطبيع مع قاتل إخواننا وإبادة أهلنا، قال تعالى: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ سورة المجادلة الآية 22. ولا معنى للمقاومة مع الفساد والإفساد، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ سورة يونس الآية81، فغزة الطوفان علمتنا أن المقاومين هم أكثر الناس استقامة: يحفظون القرآن، يقومون الليل، يصدقون القول، يصلون الأرحام، يوفون بالعهود، يطعمون الطعام على حبه مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا، فالمقاومة الحقيقية لا يصنعها إلا إنسان مستقيم، فكأن الاستقامة والمقاومة وجهان لعملة واحدة، وكذلك التطبيع والفساد وجهان لعملة الصهيونية.

د. عبد العزيز الإدريسي

مكناس قدس المغرب المغرب الأقصى

عشاء الاثنين 30ربيع الآخر1448ه/ الموافق 12أكتوبر2026م

 


شاهد أيضا

شاهد أيضا