أغلبية بـ207 مقاعد ومعارضة تتوزع على 188 نائبا.. هل تنجح حكومة المنصوري في تدبير تناقضات التحالف وتجاوز اختبار التماسك البرلماني؟
اتضحت ملامح الأغلبية الحكومية المقبلة، عقب الإعلان الرسمي، أمس الاثنين 12 أكتوبر، عن توافق أحزاب الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية على تشكيل التحالف الذي سيقود الحكومة المرتقبة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، في خطوة ترسم ملامح مرحلة سياسية جديدة، وتضع الائتلاف الرباعي أمام اختبار القدرة على الجمع بين أغلبية برلمانية متماسكة ومرجعيات حزبية مختلفة، في سياق تتزايد فيه انتظارات المواطنين بشأن التشغيل والتعليم والصحة والعدالة الاجتماعية.
وأعلن البيان الصادر بشأن تشكيل الأغلبية أن الأحزاب الأربعة تتجه نحو إقامة أغلبية سياسية وصفتها بالمنسجمة، تقوم على رؤية إصلاحية مشتركة، وتستهدف تقوية الحكامة الجيدة والعدالة الاجتماعية والإنصاف المجالي والقدرات الإنتاجية للاقتصاد الوطني.
كما أكد البيان أن مكونات التحالف ستعمل على اقتراح أسماء الوزراء والوزيرات الذين سيشكلون الحكومة الجديدة، على أن يجري إعداد البرنامج الحكومي في أقرب الآجال، حيث يأتي هذا الإعلان عقب المشاورات التي قادتها المنصوري، بعد تعيينها رئيسة للحكومة المكلفة بتشكيلها، وفقا لمقتضيات الفصل 47 من الدستور.
وبحسب النتائج النهائية للانتخابات التشريعية التي أعلنتها وزارة الداخلية، يتوفر التحالف الجديد على 207 مقاعد من أصل 395 بمجلس النواب، موزعة بين حزب الأصالة والمعاصرة الذي تصدر النتائج بـ97 مقعدا، وحزب الاستقلال بـ65 مقعدا، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بـ26 مقعدا، وحزب التقدم والاشتراكية بـ19 مقعدا.
وبذلك تتجاوز الأغلبية الحكومية العتبة المطلوبة دستوريا لتنصيب الحكومة، والمحددة في 198 نائبا، بتسعة مقاعد إضافية، وهو ما يمنحها قاعدة برلمانية كافية لتأمين الثقة في برنامجها الحكومي، دون أن يجعلها بمنأى عن التحديات المرتبطة بتدبير التوازنات الداخلية للتحالف.
ويصل مجموع المقاعد التي حصلت عليها باقي الأحزاب والهيئات السياسية إلى 188 مقعدا، وهو رقم لا يعني بالضرورة تشكل معارضة موحدة، بالنظر إلى تعدد مكوناتها واختلاف مواقفها السياسية والتنظيمية، حيث سيكون المشهد البرلماني المقبل مفتوحا على تنافس سياسي بين مكونات تمتلك تجارب حكومية سابقة، وأخرى تراهن على استعادة حضورها داخل المؤسسات، فضلا عن أحزاب تختلف في قراءتها للسياسات العمومية والخيارات الاقتصادية والاجتماعية.
وتكمن أهمية هذا التوزيع في أن نجاح الحكومة المقبلة لن يرتبط فقط بقدرتها على تأمين الأصوات اللازمة داخل مجلس النواب، بل أيضا بمدى قدرتها على الحفاظ على وحدة مكوناتها عند الانتقال من مرحلة التفاوض على الحقائب الوزارية إلى مرحلة اتخاذ القرارات وتنفيذ الالتزامات الحكومية، إذ أن الأغلبية التي تبدو متماسكة على مستوى الإعلان السياسي تحتاج إلى آليات تنسيق واضحة، وإلى تفاهم مستمر بشأن الأولويات، حتى لا تتحول الاختلافات الحزبية إلى مصدر للتعطيل أو إلى تنافس على تسجيل النقاط داخل الائتلاف نفسه.
وتكتسي هذه المسألة أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة الأحزاب الأربعة التي اختارت المنصوري جمعها تحت سقف حكومي واحد، فحزب الاستقلال يستند إلى مرجعية وطنية محافظة ذات امتداد تاريخي، فيما يحمل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية إرثا يساريا وديمقراطيا ارتبط بقضايا الإصلاح المؤسساتي والعدالة الاجتماعية، ويحتفظ حزب التقدم والاشتراكية بمرجعيته التقدمية ذات الامتداد اليساري، أما حزب الأصالة والمعاصرة، الذي يتصدر الأغلبية الجديدة، فيقدم نفسه باعتباره حزبا حداثيا يسعى إلى تحديث الممارسة السياسية وتطوير السياسات العمومية.
ولا يعني اختلاف هذه المرجعيات بالضرورة استحالة التوافق بينها، لكنه يضع البرنامج الحكومي المرتقب أمام مهمة دقيقة تتمثل في تحويل التباينات الفكرية والسياسية إلى أرضية مشتركة قابلة للتنفيذ، حيث أن التقارب الذي تحدث عنه البلاغ الرسمي يحتاج إلى ترجمة عملية في الملفات الاقتصادية والاجتماعية، وفي ترتيب الأولويات المتعلقة بالاستثمار والتشغيل والحماية الاجتماعية وإصلاح الخدمات العمومية، فضلا عن تحديد المسؤوليات الحكومية بما يضمن وضوح القرار وتناسق الأداء بين القطاعات الوزارية.
كما أن دخول الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية إلى التحالف الذي يقوده الأصالة والمعاصرة دلالة سياسية تتجاوز مجرد جمع المقاعد البرلمانية، فالأحزاب الثلاثة ترتبط، بدرجات متفاوتة، بالتجربة التاريخية للكتلة الديمقراطية، التي شكلت إحدى المحطات البارزة في تطور الحياة الحزبية المغربية، وإن كان هذا التحالف الحكومي الجديد لا يمثل استعادة حرفية لتلك الكتلة.
ويتيح هذا التقاطع قراءة سياسية مفادها أن الأصالة والمعاصرة يسعى إلى توسيع قاعدة تحالفه عبر الاستناد إلى أحزاب تمتلك تاريخا تنظيميا وسياسيا طويلا، بما قد يمنح الأغلبية الجديدة امتدادا يتجاوز نتائج الانتخابات وحدها، كما أن القيمة السياسية لهذا التقارب ستظل مرتبطة بمدى قدرة الأحزاب على تحويل رصيدها التاريخي إلى سياسات ملموسة تستجيب لتطلعات الناخبين.
وفي هذا السياق، ستكون العلاقة بين مكونات الأغلبية عاملا حاسما في تحديد قدرة المنصوري على قيادة الحكومة، فالأحزاب المشاركة لا تدخل التجربة الجديدة بالوزن الانتخابي نفسه، كما أن لكل منها حساباته التنظيمية ومطالبه المرتبطة بالتمثيل الحكومي وتدبير القطاعات الوزارية، ومن ثم، فإن توزيع الحقائب وتحديد المسؤوليات سيشكلان أول اختبار عملي لقدرة رئيسة الحكومة المعينة على بناء توازن داخلي يضمن مشاركة المكونات الأربعة دون أن يضعف مركز القرار الحكومي أو يخلق بؤرا للتنافس داخل الأغلبية.
ويبرز اختبار آخر في طبيعة العلاقة التي ستنشأ بين الحكومة والمعارضة، فوجود 188 مقعدا خارج التحالف لا يسمح بالحديث عن توازن عددي متساو بين الطرفين، لكنه يتيح، من حيث المبدأ، تشكل معارضة ذات حضور برلماني معتبر إذا نجحت مكوناتها في تنسيق مواقفها بشأن القضايا الكبرى.
ويظل هذا الاحتمال رهينا بطبيعة الاصطفافات التي ستتبلور داخل المجلس، وبمدى قدرة الأحزاب غير المشاركة في الحكومة على تجاوز اختلافاتها، وتحديد أولويات مشتركة في مراقبة العمل الحكومي ومساءلة الوزراء بشأن الالتزامات المعلنة، علما أن أحزابا غير مشاركة في الأغلبية كالاتحاد الدستوري أعلن تخندقه ضمن المساندة النقدية للحكومة فيما بدأت معالم التقاطع تنكشف بين تحالف اليسار والعدالة والتنمية قبل حتى اعلان التحالف الحكومي الجديد.
المصدر: الصحيفة





