ميثاقها دعا إلى الإصلاح الدستوري وشهد “الظهور الأخير” لعبد الله إبراهيم.. ماذا بقي من “الكتلة” التي أكملت أحزابها أغلبية “البام” في الذكرى الـ34 لتأسيسها؟

إيطاليا تلغراف متابعة

لا يزال الموقع الرسمي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، محتفظا بنص وثيقة تاريخية تعود لسنة 1992، ويتعلق الأمر بميثاق تأسيس الكتلة الوطنية، هذه الكتلة التي عادت إلى الحياة مجددا مع الإعلان عن تشكيل الأغلبية المكونة لحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، لكن مع تساؤلات كبرى حول أدوارها، وما إذا كان الأمر يتعلق بالفعل بعودة إلى المسار الذي من أجله أنشئت، أم بهيكل بلا روح الهدف منه إعطاء الطبيعة “السياسية” لحكومة يقودها حزب الأصالة والمعاصرة.

في بيان تشكيل الأغلبية الحكومية، بين أحزاب الأصالة والمعاصرة، والاستقلال، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والتقدم والاشتراكية، لم يتم ذكر “الكتلة” ولو مرة واحدة، مكتفيا بالحديث عن “تشكيل أغلبية سياسية منسجمة، تُفرز حكومة سياسية قوية، تتشكل من مكونات سياسية تتميز بالتقارب الفكري والسياسي”، لكن خلال المشاورات جرى استحضار هذا التحالف السياسي الذي يعود لبداية التسعينات كثيرا.

تأسيس الكتلة الديمقراطية، التي أضحت تسمى أيضا بـ”الكتلة التاريخية”، جاء في لحظة سياسية حاسمة، حيث كان الملك الراحل الحسن الثاني يستعد لفتح أبواب الحكومة للمعارضة للمرور إلى مرحلة “التناوب” بعد اعتماد دستور جديد للمملكة، هذه المعارضة التي سيجتمع قادتها في الرباط في 12 أكتوبر 1992 للتوقيع على ميثاق جرى ترويسه بعبارة “الخروج بالبلاد من أزماتها المتفاقمة يستوجب تكتيل صفوف كل القوى الديمقراطية”، وتشاء الأقدار أنه في مثل ذلك اليوم بعد 34 عاما بالضبط، تعود لإعطاء “الشرعية السياسية” لأول حكومة ستقودها سيدة في تاريخ المغرب.

غير أن اليوم لا يشبه البارحة، ولا الأحزاب بقيت على حالها، شكلا وعددا، فجميع من وقعوا على الميثاق غادروا إلى دار البقاء، ويتعلق الأمر بقادة مرجعيين للأحزاب الوطنية الديمقراطية، ويتعلق الأمر بمحمد بوستة، الأمين العام لحزب الاستقلال وعبد الرحمن اليوسفي، الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وعلي يعتة، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية ومحمد بنسعيد آيت يدر، الأمين العام لمنظمة العمل الديمقراطي الشعبي، ثم عبد الله إبراهيم الأمين العام للاتحاد الوطني للقوات الشعبية، الذي كان ذلك، عمليا، ظهوره السياسي الأخير إلى حين وفاته سنة 2005.

العودة لنص الميثاق، يكشف أن الأمر حينها كان يتعلق بمطالب استراتيجية، متجاوزة للزمن الانتخابي، لعل أبرزها الإصلاح الدستوري، والانتقال الديمقراطي، وتحقيق الإقلاع الاقتصادي، والإفراج عن المعتقلين السياسيين، في سياق سلسلة من الأهداف التي لم يعد معلنا عنها، من طرف الثلاثي المنضم للأغلبية الحكومية حاليا، سوى تلك المتعلقة بما هو اجتماعي، كالصحة والتعليم والتشغيل.

الميثاق يتحدث عن أن الخطوة أتت من طرف الأحزاب الخمسة “إدراكا منها لجسامة التحديات التي تواجهها البلاد على جميع المستويات، سواء تعلق الامر بتثبيت الوحدة الترابية واستكمالها، أو بإقرار الديمقراطية الحق في كل مضامينها، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وما يتطلبه ذلك من تعبئة شعبية شاملة لكسب الرهانات الكبرى التي لن يستطيع المغرب بدونها تخطي عتبة القرن المقبل، وهو ملح بمقومات المناعة والقوة والحماس والقدرة على المبادرة”.

وتضيف، وفق ميثاق 1992، أن الدافع كان هو الوعي بأن “البلاد أمام منعطف تاريخي فاصل، لا يمكن اجتيازه إلا بالمعالجة الجدية والجذرية للقضايا الكبرى التي تراكمت اختلالاتها وزادت حدتها عبر ما يناهز الثلاثين سنة بعد الاستقلال السياسي، والتي تتجلى على الخصوص في حتمية اقتحام عهد جديد تتحقق فيه التغيرات الجوهرية والديمقراطية الحقيقية في إطار الملكية الدستورية الديمقراطية والاجتماعية”.

واعتبر الموقعون على الوثيقة، أن “منطلق تجاوز الوضعية الراهنة والإعداد لمستقبل يفتح أبواب الأمل على مصراعيها، يكمن قبل كل شيء في إقرار الديمقراطية كإطار عام، باعتباره الغاية والوسيلة، من أجل تصحيح وإعادة هيكلة المؤسسات والبنيات السائدة، وخاصة منها ما يتعلق بتوازن السلط وتحديد مسؤولياتها، وضمان خضوعها دوما لمراقبة الشعب، وتوظيفها بالفعل لخدمة المصالح العليا للبلاد ولتلبية الحاجيات الاساسية لعموم المواطنين، في مناخ يطبعه الحوار وسيادة الحق والقانون واحترام كرامة وحقوق كل المواطنين”.

الأحزاب استندت أيضا إلى “ما راكمه الشعب المغربي من نضالات وما عاشه من انتكاسات خلال العقود الثلاثة الاخيرة، بأن الخروج بالبلاد من أزماتها المتفاقمة يستوجب حشد وتكتيل صفوف كل القوى الديمقراطية وتعبئة الشعب المغربي حولها لخوض نضالات واسعة، مرتبطة بتوجهات واضحة ومناهج مضبوطة لمعالجة المعضلات التي عانت وتعاني منها البلاد، في أفق بناء مغرب موحد وقوي ومتقدم، تسوده الحرية والديمقراطية ويتحقق فيه العدل والتقدم، ويعمل على توطيد بناء المغرب العربي الكبير كاختيار استراتيجي لشعوبه”.

وفي الأهداف، سطرت أحزاب الكتلة، “تثبيت استرجاع المغرب لأقاليم الساقية الحمراء ووادي الذهب والنضال بكل الوسائل من أجل استكمال الوحدة الترابية للبلاد”، وذلك في سياق متسم بالتوجه إلى “الاستفتاء” ضمن “خطة التسوية”، إثر اتفاق وقف إطلاق النار، بين المغرب و”البوليساريو”، الموقع مع الأمم المتحدة سنة 1991.

لكن الميثاق نص أيضا على إقرار إصلاح دستوري عميق يضمن ترسيخ دولة المؤسسات وتعزيز سلطة القانون، ودمقرطة وتحديث أجهزة الدولة على كافة مستوياتها، ويكرس فصل السلطات، ويحدد مسؤولية كل سلطة، ويكفل قيام حكومة تكون ممثلة لأغلبية الشعب ومتحملة لمسؤولياتها الكاملة أمام مجلس النواب، ويحقق استقلال القضاء، ويصون حقوق الانسان، ويحمي الحريات العامة والخاصة، ويكون إطارا ناجعا لتلبية طموحات الشعب وتطلعاته المشروعة في تحقيق التنمية والتقدم والرفاه في كنف تكافؤ الفرص والتكافل والعدالة الاجتماعية، ولبناء مجتمع عصري يعتمد الاسلام ويستند الى كل المقومات الثقافية والحضارية للشعب المغربي.

الوثيقة تحدثت كذلك عن إرساء مؤسسات ديمقراطية، سواء على المستوى المحلي أو الاقليمي أو المهني أو الوطني، تكون منبثقة من الشعب ومتمتعة بثقته، الامر الذي يستوجب إحاطة الانتخابات العامة، الجماعية والمهنية والتشريعية وكل الاستشارات الشعبية بجميع الضمانات السياسية والقانونية والادارية والعملية الكفيلة باحترام إرادة المواطنين والمواطنات في التعبير عن اختياراتهم، في ظل مناخ يبعث الثقة في حريتها ونزاهتها ويؤمن المصداقية الكاملة للمؤسسات التمثيلية، وفق نص الميثاق.

وأكد قادة الكتلة على إقرار “مشروع وطني للتنمية والتحرر والتقدم”، وإرساء سياسة بديلة للإقلاع الاقتصادي والتطور الاجتماعي والثقافي تستهدف بالأساس، تلبية الحاجيات الاساسية للمواطنين وضمان حقوقهم في الشغل والتعليم والتكوين والصحة والسكن والنقل والعيش الكريم، ووضع خطة متكاملة لمحاربة البطالة، وتشغيل الشباب، وتوظيف كل الطاقات البشرية في إطار توسيع مجالات الاستثمار والإنتاج والتجهيز، وتنشيط مختلف القطاعات الاقتصادية، وتعبئة إمكانات التعليم والتكوين والبحث العلمي والتكنولوجي لكي تكون في خدمة تطور المجتمع بكل فئاته وقطاعاته.

كما يستهدف المشروع، وفق الوثيقة، وضع استراتيجية للتضامن الوطني تجعل حدا للفوارق الاجتماعية والجهوية والقطاعية، وتحقق المساواة بين المواطنين والمواطنات في الحقوق والواجبات، ووضع ميثاق وطني للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعموم المواطنين، يضمن حقوق النساء والطفولة على وجه الخصوص، ويرسي دعائم سياسة وطنية لحماية البيئة، مع إقرار سياسة متكاملة وصارمة تحدث قطيعة جذرية مع “ما يسود المجتمع والإدارة من فساد، وارتشاء، واستغلال للنفوذ، وشطط في استعمال السلطة ونهب للثروات وتبذير للموارد الوطنية، وتسلط على المواطنين وإخضاعهم لضروب الاكراه والترهيب والتيئيس”.

الميثاق تحدث أيضا عن أن “العمل على بناء المغرب العربي الكبير باعتباره اختيارا استراتيجيا لا محيد عنه، ولا يمكن لأي من أقطاره النهوض والتقدم خارج إطاره، وعلى أساس أن يرتكز هذا البناء على المشاركة الديمقراطية الفعلية للشعوب المغاربية بمختلف مكوناتها وفعالياتها”·

ويضيف الميثاق “سيكون لهذا البناء، لا محالة، دور أساسي في تأكيد وتعميق التزاماتنا العربية والاسلامية، والدفع قدما بالأمة العربية نحو مزيد من رص الصفوف لمواجهة ما يتهدد مصيرها ومصالحها الحيوية من تحديات وأخطار، ولمساندة الكفاح المشروع للشعب الفلسطيني من أجل إقرار حقوقه الكاملة في إقامة دولته المستقلة فوق ترابه الوطني وعاصمتها القدس الشريف بقيادة ممثله الشرعي والوحيد منظمة التحرير الفلسطينية”.

ويفرض كل ذلك على المغرب، انسجاما مع تقاليده واعتبارا لما يحظى به من موقع متميز، وفق منطوق الوثيقة، أن يكون منفتحا على جيرانه ومحيطه، شمالا وجنوبا وغربا وشرقا، وأن يقوم بدوره كاملا في العمل من أجل استتباب الأمن والسلام القائمين على العدل والانصاف في كل أرجاء العالم، وخاصة في منطقة البحر الابيض المتوسط التي ينبغي ان تتحول الى بحيرة سلام يعم ضفتيها الاستقرار والتعاون في كل المجالات وعلى جميع المستويات.

وأكدت “الأحزاب الوطنية الديمقراطية” أن التوجهات والإصلاحات المذكورة، “بقدر ما هي ضرورية وأساسية في ذاتها، فإنها تشكل السبيل الأقوم لإنقاذ البلاد من الاخطار المحدقة بها، ولتجاوز الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي حكمت على السواد الأعظم من الشعب بالتفقير والتهميش”.

وشدد الميثاق على أن مستلزمات الدخول في العهد الجديد الذي تتوق إليه البلاد، يستلزم استتباب جو عام من الانفراج السياسي والاجتماعي، وذلك بإطلاق سراح كل المعتقلين من أجل أفكارهم أو نضالهم السياسي والاجتماعي، والسماح بعودة المغتربين الى أرض الوطن، وإعادة المطرودين الى عملهم، وتوقيف مسلسل المتابعات والمضايقات، والدخول فورا في حوار جدي ومسؤول بهدف تلبية المطالب المادية والمعنوية للشغالين، والاستجابة لمطامح الشباب وعموم الكادحين في العيش الكريم.

وأوردت الأحزاب المعنية، أنها “انطلاقا من شعورها بمسؤولياتها التاريخية في هذا الظرف الدقيق والمصيري في تاريخ المغرب المعاصر، تعلن عن تأسيس “الكتلة الديمقراطية” إطارا عاما مفتوحا، من أجل تنسيق مواقفها وتوحيد جهودها في نضالها الموحد من أجل تحقيق أهدافها المشتركة”.

المصدر: الصحيفة


شاهد أيضا

شاهد أيضا