أثارت القيود الجديدة على الزي المدرسي في أذربيجان أزمة تجاوزت أسوار المدارس، بعدما تحولت إلى احتجاجات واعتقالات وأشعلت جدلا بشأن حرية المعتقد والحق في التعليم، امتدت أصداؤه إلى تركيا.
ورصدت تقارير تركية فجوة بين القرارات الحكومية التي لا تنص صراحة على حظر الحجاب، وطريقة تطبيقها التي أدت إلى منع طالبات ومعلمات محجبات من دخول المدارس، مسلطة الضوء على مواقف المؤيدين للقيود والمعارضين لها، والخطاب الإعلامي الرسمي الأذربيجاني بشأن الأزمة.
وتكشف هذه التغطيات 3 أبعاد متداخلة للأزمة، تتعلق بالأساس القانوني للقيود، وتداعياتها داخل المدارس، والجدل السياسي والإعلامي المحيط بها.
حظر بلا نص
تجدد الجدل بشأن الحجاب في مدارس أذربيجان بعد تعديل لقانون التعليم العام في يوليو/تموز الماضي، يهدف لتأكيد الطابع العلماني للنظام التعليمي، قبل أن يقر مجلس الوزراء قواعد جديدة لملابس الطلاب في 21 سبتمبر/أيلول الماضي، وأخرى للمعلمين في 6 أكتوبر/تشرين الأول الجاري.
وبموجب القواعد الجديدة، يجب أن تتوافق ملابس الطلاب والمعلمين مع مبدأ علمانية التعليم، ويُحظر ارتداء أي قطع إضافية تخل بوحدة الزي المدرسي أو تتعارض مع هذا المبدأ، من دون أن ينص أي من القرارين صراحة على حظر الحجاب أو يشير إلى لباس ديني محدد، وفق تقرير نشرته بي بي سي باللغة التركية.
كما لا يوضح القراران كيفية تطبيق هذه القواعد، وما إذا كان سيسمح للطلاب غير الملتزمين بالزي المدرسي بحضور الدروس، أو ما قد يفرض عليهم من إجراءات تأديبية، أو إمكانية منح استثناءات.
ولا يعد الجدل بشأن الحجاب في المدارس الأذربيجانية جديدا، إذ شهدت البلاد احتجاجات بين عامي 2010 و2012 ضد قواعد الزي المدرسي التي سعت الحكومة إلى فرضها، قبل أن تتراجع عن موقفها آنذاك.
وفي تفسيره للسياق الاجتماعي للأزمة، يشير التقرير إلى أن أذربيجان دولة علمانية بموجب دستورها، في حين أن أكثر من 90% من سكانها مسلمون، غالبيتهم من الشيعة.
ويوضح الصحفي إلكين حسنوف من خدمة بي بي سي الأذربيجانية، أن المجتمع يضم شريحة متدينة، وأخرى واسعة لا تطبق التعاليم الدينية في حياتها اليومية، مشيرا إلى أن عقود الحكم السوفياتي أسهمت في تشكيل هذه الطبيعة الاجتماعية.
احتجاجات واعتقالات
وامتدت الاحتجاجات على القيود الجديدة إلى العاصمة الأذربيجانية باكو ومناطق أخرى، وسط تقارير عن منع طالبات ومعلمات محجبات من دخول المدارس، في حين قاطع بعض الطلاب الدروس تضامنا مع زميلاتهم المحجبات.
ونقلت منصة ميديا سكوب عن معلمة تحدثت لموقع أبزاس ميديا -مشترطة عدم الكشف عن هويتها- أن معلمات محجبات في مدارس بمنطقة بايل في باكو تلقين تعليمات، اعتبارا من 9 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، بخلع الحجاب أو عدم الحضور إلى العمل.
كما أورد التقرير شهادة المعلمة نرمينة إسماعيل، التي قالت إنها تعمل في المدرسة رقم 97 بباكو، وإن إدارة المدرسة حذرتها من عدم السماح لها بالدخول بالحجاب، مما دفعها إلى طلب وثيقة رسمية توضح الأساس القانوني لهذا المنع.
وفي شهادة أخرى نقلتها منصة غازيتي الإخبارية، قالت المعلمة زهرة حسنوفا إنها أُبلغت بعدم السماح لها بارتداء الحجاب في المدرسة، معربة عن حزنها إزاء القرار، ومؤكدة أن ارتداء الحجاب أو خلعه يجب أن يظل خيارا شخصيا.
وفي خضم هذه التطورات، أعلنت إدارة التعليم في باكو بدء عمليات تفتيش لمراقبة الالتزام بقواعد الزي في المدارس الحكومية، مؤكدة مسؤولية إدارات المدارس عن تطبيق معايير الزي المدرسي والملابس المهنية، على أن تتولى المجالس التربوية النظر في الخلافات الناشئة عنها، حسبما نقلت صحيفة يني شفق.
كما أعلنت وزارة الداخلية الأذربيجانية توقيف 37 شخصا، متهمة إياهم بإثارة مواجهات مع العاملين في قطاع التعليم والإضرار بمؤسسات تعليمية، دون تحديد المدارس المتضررة أو الأفعال المنسوبة إلى كل موقوف أو أعمارهم، في حين تداول مستخدمون لمواقع التواصل الاجتماعي ادعاءات بأن عدد الموقوفين قد يصل إلى 200 شخص.
جدل يتجاوز الحدود
ولم تقتصر تداعيات الأزمة على المدارس والاحتجاجات، بل أثارت جدلا داخل المجتمع الأذربيجاني بشأن حدود العلمانية والحريات الدينية.
فبحسب حسنوف، ينقسم المجتمع بين مؤيدين للقيود يرون أن المدارس الحكومية يجب أن تكون محايدة دينيا، وأن يُترك للأطفال اتخاذ خياراتهم الدينية عندما يكبرون، ومعارضين يعتبرون أن العلمانية تعني حياد الدولة تجاه جميع المعتقدات، ولا تبرر تقييد حق الأطفال في التعليم بسبب ملابسهم.
وفي هذا السياق، أثارت منشورات التلفزيون الأذربيجاني الحكومي “آز تي في” انتقادات واسعة، بعدما قارن بين بيئتين مدرسيتين تضم إحداهما طالبات محجبات والأخرى غير محجبات، متسائلا “في أي مدرسة تودون الدراسة؟ الخيار لكم”، ثم أتبع ذلك بعبارة “ثقافة اللباس تبدأ من المدرسة”، وفق يني شفق.
ويشير الصحفي إلى تداول اتهامات في أوساط موالية للحكومة الأذربيجانية بوقوف إيران وراء الاحتجاجات، إذ ينقل التقرير عن التلفزيون الحكومي اتهامه “أطرافا خارجية باستغلال الدين لإضعاف أذربيجان والترويج لنموذج حكم ديني يتعارض مع طبيعتها العلمانية”، مؤكدا أن السلطات ستتصدى لمحاولات إدخال “قيم عربية وفارسية” والتأثير دينيا في الأطفال.
وقوبلت القيود المفروضة في أذربيجان بغضب واستنكار في تركيا، حيث أعادت إلى الأذهان تشديد القيود على ارتداء الحجاب في المؤسسات التعليمية والوظائف العامة خلال مرحلة 28 فبراير/شباط 1997، وأثارت انتقادات مسؤولين وسياسيين من مختلف التيارات، إلى جانب منظمات مدنية.
ونظم محتجون وقفة أمام القنصلية الأذربيجانية في إسطنبول -في 3 أكتوبر/تشرين الأول الجاري- بدعوة من جمعية حرية الفكر وحقوق التعليم (أوزغور دَر)، احتجاجا ضد القيود المفروضة على ارتداء الحجاب في مدارس أذربيجان.
وفي المقابل، اعتبر حزب “أذربيجان الجديدة” الحاكم الانتقادات الصادرة عن مسؤولين وسياسيين أتراك تدخلا في الشؤون الداخلية للبلاد وتجاهلا لنظامها الدستوري القائم على العلمانية، محذرا من الإضرار بالعلاقات بين البلدين، وفق وكالة الأنباء الأذربيجانية.
المصدر: الجزيرة





