نبيل التويول – إيطاليا تلغراف / قراءة تحليلية وتوثيقية شاملة للكاتب والباحث الجيوسياسي عبد الهادي مزراري

الرباط – خاص: في منعطف دستوري ومؤسساتي بالغ الأهمية، استقبل جلالة الملك محمّد السّادس نصره الله، اليوم الأربعاء 14 أكتوبر 2026 بالقصر الملكي بالرباط، السيدة فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة المكلفة، والتي أطلعت جلالته على مختلف المراحل التي قطعها مسار تشكيل الحكومة الجديدة.
هذا الاستقبال الملكي، الذي يندرج في إطار الصلاحيات الدستورية وحرص جلالته على حسن سير المؤسسات، يضع الختم الرسمي على نهاية حقبة حزب التجمع الوطني للأحرار (يمين وسط) بقيادة رئيس الحكومة المنتهية ولايته عزيز أخنوش، وإبعاده رسميا نحو مقاعد المعارضة.
بمجرد طرح سؤال إبعاد حزب “الحمامة” في المشهد السياسي، توالت تعليقات وإجابات المواطنين؛ كل يفسر الأمر من الزاوية التي يتابع منها المشهد الوطني. وإذا كان بعض هذه التعليقات يتضمن جزءا من الحقيقة، فإن فهم الأحداث السياسية في المغرب لا يحتاج إلى تحليل سياسي بقدر ما يحتاج إلى معلومات صحيحة، تظل نسبة كبيرة منها محفوظة داخل العلبة السوداء ولا تخرج إلى العلن.
إن ما حدث لحزب التجمع الوطني للأحرار يتجاوز مسألة الاستغناء أو الإبعاد؛ إنها قضية عقاب سياسي نزل بالحزب. فكيف حصل ذلك؟ ومن هي الجهة التي عاقبته؟ وما الهدف من طرده خارج مربع السلطة؟
شهادة من العلبة السوداء: نبوءة أحمد عصمان عام 2004
لفهم جذور الأزمة، يكشف الكاتب والباحث الجيوسياسي المغربي عبد الهادي مزراري عن لقاء تاريخي جمعه بمؤسس حزب التجمع الوطني للأحرار، الوزير الأول الأسبق وصهر الملك الراحل، السيد أحمد عصمان، بمقر إقامته بالرباط عام 2004. كان اللقاء لإجراء حوار حول التحولات السياسية بالتزامن مع العهد الجديد آنذاك.
تميز عصمان باللباقة والذكاء؛ كان يجيب على الأسئلة ويحدد بدقة: “يمكنك نشر هذا” أو “هذا ليس للنشر، فقط لإحاطتك علما”. ومن بين الأسرار التي احتفظ بها مزراري لوقتها، جوابه على سؤال: “هل أنتم مطمئنون على مستقبل حزب التجمع الوطني للأحرار؟”.
حينها طلب عصمان عدم النشر وقال محذرا: “حزبنا يجب أن يظل حزب الوسط بامتياز، ولكن ما أخشاه عليه وأنا في هذا العمر أن يأتي غرباء من أقصى المدينة وينقضوا عليه كما تفعل الجوارح من الطيور، لا يفقهون شيئا في السياسة ويندفعون بقوة لجعله في ميدان الرماية”. وعندما استفسره مزراري عن معنى “ميدان الرماية”، أجاب عصمان: “أن يكون في المقدمة، ويقوده أشخاص بلا حس سياسي”.
من الوسط إلى الهجوم: المسافة القاتلة
مر على ذلك اللقاء 22 عاما (2004 – 2026)، وتعاقبت على رئاسة الحزب ثلاث شخصيات رئيسية: مصطفى المنصوري، ثم صلاح الدين مزوار، وصولا إلى عزيز أخنوش (مع تجاوز ذكر محمد الشوكي كحالة عابرة). وكلما جاء رئيس جديد، أبعد الحزب عن مركزه بمسافة تكبر عن مسافة سالفه، حتى وصلت القيادة إلى يد أخنوش، الذي نقل “الحمامة” من نقطة الوسط والاتزان إلى مربع الهجوم والصدام المباشر.
ومع إعلان نتائج انتخابات 8 شتنبر 2021 وتعيين أخنوش رئيسا للحكومة، وجه إليه مزراري رسالة مفتوحة تضمنت تحذيرا مبكرا جاء فيه: “لم تعد الأيديولوجيا عمودا فقريا في جسم السياسة، ولم تعد الجماهير تعير مسامعها للخطباء… أصبحت السياسة معادلة رقمية. والوعد دين… إنك سلكت طريق الرقمنة، وأنت اليوم أمام مجتمع لا يتوقف عن تفقد الحسابات في هاتفه، في البنك، في العمل، في البيت، وحتى على منصات التواصل. إن نهاية الحساب تبدأ من أول رقم في العملية، ومن البداية تصنع النهاية”.
الوعود الفاخرة والدعائم الأربع المفقودة
قدم الأحرار وعودا فاخرة للمغاربة، مؤكدا أن أيامهم المقبلة ستكون أفضل بكثير من العقد الذي قضوه مع حكومة حزب العدالة والتنمية. وفي سياق مقارنة تبرز حجم الفرص الضائعة:
* في زمن سابق، تحدث الوزير الأول الأسبق عبد الرحمن اليوسفي (1998-2002) عن وجود عراقيل وصفها بـ “جيوب المقاومة”.
* تذرع من بعده عبد الإله بنكيران (2011-2016) بوجود من أسماهم “العفاريت والتماسيح” كسبب لعدم تغيير الأوضاع المعيشية.
* أما عزيز أخنوش، فلم يرد على لسانه مواجهة أي مشكلة؛ بل أفرط في القول إن حزبه حقق السعادة للمغاربة، وذهب وزراء وبرلمانيو فريقه إلى التأكيد على أن الأوراش المنجزة في عهدهم لم يشهد المغرب مثيلا لها من قبل.
لم يكن منطقيا أن يتحدث أخنوش عن العفاريت لأنه لم يأت من المعارضة، بل كان يحظى بـ أربع دعائم أساسية لم تتوفر لأي حكومة قبله:
1. الدعم الملكي القوي: بتكليف الحكومة بتنفيذ مبادرات “الدولة الاجتماعية” والاستفادة من كافة صناديق الدعم، وهو ما كان كفيلا بمنح الحزب شعبية كبرى لو استغل بالشكل الصحيح.
2. السيطرة الترابية المطلقة: قيادة المجالس البلدية والإقليمية والجهوية عبر المملكة بالشراكة مع تحالفه، مما منح الحكومة سلطة مطلقة لتكريس التنمية المجالية.
3. غياب المعارضة الحقيقية: تمتع الحزب بمنطقة رفاهية مريحة وغير مسبوقة داخل البرلمان.
4. طبقة رجال المال والأعمال: شكلت بنية الحزب الأوفر حظا لإيجاد حلول ذكية بين الشغيلة وأرباب العمل وتوفير مناخ الاستثمار.
لكن الحزب اعتبر هذه الدعائم لتعزيز نفوذه الذكي وتقوية مركزه عوض بناء الثقة مع المواطنين.
صدمة الصناديق وعجلات “الجرار”
بلغت ثقة قياديي الحزب أن حسموا نتائج الانتخابات المقبلة قبل حلولها، مطلقين على أنفسهم وصف “حكومة المونديال”. وظنوا أن الجولات المكوكية، والزرابي المبثوثة، وموائد الطعام تحت الخيام، والرقصات الشعبية، والتصريحات النارية، ستشفع لهم لمحو ذنوب بحجم الجبال في ذاكرة المغاربة، وأبرزها حرمناهم من أضاحي العيد نتيجة موجة التضخم والغلاء.
جاء العقاب عبر صناديق الاقتراع في 23 سبتمبر 2026 بفقدان الحزب 36 مقعدا مقارنة بـ 2021. لكن العقاب الأقصى كان الرفض التام لدخوله الحكومة الجديدة برئاسة حزب الأصالة والمعاصرة (البام)، رغم تأكيد الأحرار رغبتهم في المشاركة دون شروط مسبقة .
عبر برلمان حزب “الجرار” عن رفض التحالف مجددا مع “الحمامة”، وأبلغ رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري بذلك. ولم يكن السبب مجرد جفاء، بل ثمة سبب رئيسي تداولته الكواليس تزامن مع التحاق الخبير المالي فوزي لقجع بحزب الأصالة والمعاصرة في الدقائق الأخيرة من عمر الحكومة السابقة.
هذا الالتحاق كان كـ “تيار بارد قادم من القطب الشمالي” خفض حرارة أجساد قياديي الجرار قبل أن ينعكس على المشهد السياسي كزوبعة مصحوبة بالبرق والرعد. كال لقجع وقلة من قيادات الجرار اتهامات ثقيلة لحزب الحمامة وقيادييه، وصلت إلى حد رفع الورقة الحمراء، لدرجة جعلت الرأي العام يعتقد أن النيابة العامة على أهبة فتح تحقيقات في اختلالات الحكومة المنتهية ولايتها. ورغم أن حزبي “البام” و”الميزان” كانا شريكين في تلك الحكومة ويتحملان المسؤولية، إلا أن مصلحة “البام” اليوم تفرض فتح صفحة جديدة؛ وحسب قاعدة “لا صداقة دائمة ولا عداوة دائمة في السياسة”، كان إلقاء حزب الحمامة على قارعة الطريق أفضل وسيلة للجرار لإثبات جدارته وفتح صفحة نقية مع الشارع الشعبي.
العبرة السياسية
بمنطق مباريات التصفية وإقصاء الخصم، جُرّ حزب الحمامة إلى “ميدان الرماية” تماما كما توقع مؤسسه أحمد عصمان قبل 22 عاما؛ لأن الأشخاص الذين تولوا قيادته أفرطوا في السرعة بدون حس سياسي يمنعهم من ارتكاب الأخطاء القاتلة، وكادوا يعرضون استقرار البلد للخطر في أوقات مباغتة خارجة عن السيطرة.
واليوم، ومع تولي السيدة فاطمة الزهراء المنصوري مقاليد تشكيل الحكومة بتوجيهات ملكية صارمة تؤكد على “الأداء الجاد والمسؤول استحضارا لحجم الانتظارات التنموية”، يبقى السؤال مفتوحا للمستقبل: هل يأخذ حزب الأصالة والمعاصرة العبرة من مصير حليفه السابق أم أنه سيقع في الأخطاء نفسها؟ ذلك ما سنعرفه في القادم من الأيام.





