العراق: التمثيل السياسي أداة للاستثمار المالي!

 

 

 

 

يحيى الكبيسي
 كاتب عراقي

 

 

في سياق الاعداد لاحتلال العراق، لم يجد الأمريكيون غير «المال» أداة لدعم، أو صناعة، المعارضة العراقية! فقد تضمن «قانون تحرير العراق» الذي أصدره الكونغرس الأمريكي في العام 1998 نصا يتحدث عن «مساعدة الساعين لإزالة النظام الذي يرأسه صدام حسين»، وتخويل الإدارة الأمريكية تقديم مساعدات لها. وبالفعل أصدرت إدارة الرئيس بيل كلينتون في العام 1998 أمرا تنفيذيا بتمويل سبعة أحزاب/ منظمات عراقية هي: المؤتمر الوطني العراقي، والوفاق الوطني العراقي، والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية، والحزب الديمقراطي الكردستاني، والاتحاد الوطني الكردستاني، والحركة الإسلامية في كردستان العراق، والحركة الملكية الدستورية.
وكما هو واضح، لم يجد الأمريكيون حرجا في تمويل «المجلس الأعلى للثورة الإسلامية» الذي أنشأه الخميني بنفسه في العام 1982، وكان ذراعه العسكري، منظمة بدر، جزءا من تشكيلات الحرس الثوري الإيراني! أو في تمويل «الحركة الإسلامية في كردستان العراق» التي كانت تضم الملا كريكار، الذي تحالف لاحقا مع تنظيم جند الإسلام، وشكلوا تنظيم أنصار الإسلام السلفي الجهادي الذي أعلن الولاء لتنظيم القاعدة!
بعد احتلال العراق، كانت المناصب وريوعها، فضلا عن الأموال المباشرة، أداة الأمريكيين الرئيسية لصناعة الطبقة السياسية الجديدة التي يراد لها إدارة الدولة. لهذا وجدناهم يتبنون آلية «المكافآت» المجانية التي كانت تمنح لهذه الطبقة المستحدثة، فضلا عن «الرواتب» المبالغ بها التي كانت تمنح لهم، والتي لا تتسق مع نظام الرواتب المعمول به في الدولة. وارتبط هذا باعتماد البنى القرابية والحزبية والجهوية في التعيينات في المناصب العليا، من دون أي التفات إلى الكفاءة أو الخبرة أو المهنية!
بعد خروج الأمريكيين الأول من العراق في العام 2004، أصبح هذا «الفساد المشرعن» الذي بدأه الأمريكيون، نظاما متواطئا عليه لإدامة البنية الكلبتوقراطية/ اللصوصية التي تشكل المستوى الأفقي لإدارة الدولة، ولترسيخ البنية الزبائنية التي تحكم المستوى العمودي للدولة، ليصبح الفساد نفسه جزءا جوهريا من بنية النظام السياسي نفسه!
هذا «الفساد المشرعن» حول مؤسسات الدولة نفسها إلى إقطاعيات بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، يديرها الزعماء السياسيون بأنفسهم، عبر وكلاء/ تابعين يختارونهم بأنفسهم لتولي المناصب العليا (وزراء، ورؤساء هيئات، ووكلاء وزراء، ومدراء عامون)، لتتحول تلك المؤسسات إلى مصادر للريوع، عبر الاستثمار في المال العام المحصن من أي مساءلة!
بعد العام 2016، وشرعنة الميليشيات الشيعية المسلحة بشكل رسمي، دخلت هذه الميليشيات على خط هذا «الفساد المشرعن»، فأصبح لزعمائها ريوعهم الخاصة، ليس عبر السرقات (سرقة مصفى بيجي مثالا) والابتزاز والأتاوات فقط، بل عبر الحصول على «مناصب» في الدولة نفسها، تؤمن لهم حصتهم من المال العام. ليتحولوا، بعد السماح لهذه الميليشيات المسلحة بالدخول بشكل رسمي إلى الانتخابات في العام 2018 (بخلاف القانون الذي يحظر على الأحزاب المشاركة في الانتخابات امتلاك أذرع مسلحة)، إلى لاعب أساسي بدأ يزاحم زعماء الأحزاب الشيعية، فقد حصلت هذه الميليشيات على مقاعد عديدة في انتخابات مجالس المحافظات في العام 2023 ومجلس النواب في العام 2021، لينتهي الأمر بحصولها على أكثر من 90 مقعدا في انتخابات مجلس النواب في انتخابات العام 2025!

هكذا تحولت المناصب الرسمية في الدولة العراقية، بداية من منصب رئيس الجمهورية، وانتهاء بمنصب رئيس قسم في أي دائرة حكومية، إلى أن تكون «تعيينات» ارتجالية يفرضها زعماء الأحزاب والميليشيات على الدولة، معيارها الوحيد «التزام» الموظف المعين بتعليمات زعيمه، وقدرته على استحصال «الريع» المطلوب منه لزعيمه مقابل نسبة متفق عليها له، و»شطارته» في استخدام إقطاعيته في «إدامة» الجمهور الزبائنيين المطلوب منه لأغراض الانتخابات، و»تصنيع» جمهور جديد عبر التعيينات والعقود التي يستطيع تمريرها!
فعند إقرار الموازنة العامة الاتحادية الثلاثية للأعوام (2023 ـ 2025)، تم زيادة عدد القوى العاملة على الملاك في القطاع العام ب (833) آلاف موظف دفعة واحدة، أي بزيادة تزيد عن 13% من حجم القوى العاملة، وقد سوغ هذا القرار يومها بأنه جاء لإنهاء موضوع الموظفين بعقود مؤقتة، أو بأجور يومية. ولم تتضمن الموازنات الثلاث سوى تخصيصات لتعيينات محددة، في قطاعات محددة. ولكننا فوجئنا بتسريبات تتحدث عن عقود جديدة تصل إلى حدود المليون خلال هذه السنوات الثلاثة، يراد تعيينهم على الملاك بشكل رسمي في الموازنة المقترحة لعام 2027، وهذا يعني أن هذه الأحزاب والميليشيات قد «استغلت» إقطاعياتها، التي هي مؤسسات الدولة، لتنظيم مليون عقد زبائني جديد من دون أي إطار قانوني، وعلى الأغلب كانت هذه العقود رشاوى صريحة تحضيرا لانتخابات العام 2025!
لهذا يجب ان يفهم استحداث وزارات جديدة في الحكومة العراقية القائمة، واستعادة مناصب نواب رئيس مجلس الوزراء، وزيادتها من ثلاثة إلى أربعة، في سياق مفهوم الإقطاعيات الذي تحدثنا عنه، وفي سياق ريوع المناصب التي تحدثنا عنها، بعيدا عن أي لغو أو تسويغ! فانتخابات العام 2025 أنتجت قوى سياسية شيعية كثيرة، ولا بد لكل واحد منها أن تكون له إقطاعيته الخاصة، وريعه الخاص، وهذا يتطلب استحداث هذه المناصب!
ومن أجل هذا ليس هناك أي أشكالية في انتهاك الدستور الذي قرر في المادة 139، وضمن الاحكام الانتقالية، أن «يكون لرئيس مجلس الوزراء نائبان في الدورة الانتخابية الأولى» حصرا، خاصة وأن هذا الانتهاك ليس جديدا، فقد تشكلت بعد الدورة الانتخابية الثانية في العام 2010 وزارة ضمت ثلاثة نواب رئيس وزراء (حسين الشهرستاني وروز نوري شاويس وصالح المطلك)، وليس اثنين. وتكرر الأمر في العام 2014 أيضا، قبل أن يتم الغاؤها في سياق الإصلاحات الذي اعتمدها حيدر العبادي في آب/ أغسطس 2015. ومن دون أي التفاتة للزيادة الحاصلة في فقدان التوازن التي سيحدث في التمثيل النسبي في مجلس الوزراء، حيث ستكون هناك زيادة واضحة في نسبة التمثيل الشيعي في الوزارة، على حساب الآخرين!
بينما كان ينتظر الجميع من الحكومة العراقية سياسات تقشفية، لمواجهة الوضع الاقتصادي الصعب، والذي تسبب في عجز الدولة حرفيا عن توفير الرواتب لجيوش موظفيها، واضطرها إلى استنزاف احتياطي البنك المركزي العراق، يفاجأ الجميع بموازنة عامة ذات إنفاق عام مفرط، وزيادة في الموظفين بطريقة عبثية، وتعيينات مجانية يسوق لها بطريقة بائسة (صدر كتاب رسمي عن رئيس مجلس الوزراء بأن نوابه الأربعة لن يتقاضوا «رواتب ولا تخصيصات مالية ولا تعيينات جديدة امكاتبهم»، مع أنه يعلم تماما أن هؤلاء لا يعنيهم الراتب أو التخصيصات بل ريوع مناصبهم)!

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا

شاهد أيضا