جدل تسليم السلط قبل التنصيب البرلماني مستمر من حكومة بنكيران إلى تجربة المنصوري.. هل يتغير “فهم” القانون بتغير الموقع السياسي؟

إيطاليا تلغراف متابعة

أثار شروع وزراء الحكومة المغربية الجديدة في إجراءات تسليم السلط قبل حصولها على ثقة مجلس النواب نقاشا دستوريا وسياسيا أعاد إلى الواجهة إشكالية العلاقة بين التعيين الملكي والتنصيب البرلماني، وحدود الصلاحيات التي يمكن للحكومة مباشرتها خلال الفترة الفاصلة بين تشكيلها واستكمال المسطرة الدستورية لتنصيبها. 

وبين من يرى في هذه الخطوة مساسا باختصاص المؤسسة التشريعية المنصوص عليه في الفصل 88 من الدستور، ومن يعتبرها إجراء يندرج ضمن التدابير الضرورية لضمان استمرارية المرافق العمومية، يتجاوز النقاش مسألة تسليم المسؤوليات الإدارية إلى سؤال أعمق يتعلق بمدى احترام القواعد الدستورية في تدبير الانتقال بين حكومتين، وبمدى انسجام المواقف السياسية الحالية مع النقاشات التي رافقت تشكيل حكومات سابقة.

ويستند المعترضون على شروع الوزراء في تسلم مهامهم قبل التصويت على البرنامج الحكومي إلى الفصل 88 من الدستور، الذي ينص على أن الحكومة تعتبر منصبة بعد حصولها على ثقة مجلس النواب، المعبر عنها بتصويت الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم المجلس لصالح البرنامج الحكومي. 

ويعطي هذا المقتضى للتنصيب البرلماني مكانة أساسية في المسار الدستوري لتشكيل الحكومة، إذ لا يكتمل هذا المسار بمجرد تعيين أعضائها، بل يتطلب أيضا عرض البرنامج الحكومي ومناقشته والحصول على موافقة مجلس النواب وفق الشروط المحددة دستوريا. 

بيد أن قراءة الفصل 88 بمعزل عن باقي النصوص المؤطرة لعمل الحكومة لا تكفي وحدها للحسم في مشروعية إجراءات تسليم السلط، فالفصل 47 من الدستور ينظم تعيين رئيس الحكومة وأعضائها، بينما يحدد الفصل 88 شروط التنصيب البرلماني، في حين يضع القانون التنظيمي رقم 065.13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها قواعد خاصة للمرحلة التي تلي تعيين الحكومة الجديدة وتسبق حصولها على ثقة مجلس النواب. 

وتنص المادة 38 من القانون التنظيمي المذكور صراحة على أن الحكومة الجديدة، التي عينت وفق الفصل 47 من الدستور ولم تنصب بعد من طرف مجلس النواب، تتولى إعداد البرنامج الحكومي الذي سيعرضه رئيسها أمام البرلمان، وإصدار قرارات تفويض الاختصاص أو الإمضاء اللازمة لضمان استمرارية المرافق العمومية، فضلا عن ممارسة الصلاحيات المشار إليها في الفقرة الأولى من المادة 37 إلى حين تنصيبها برلمانيا.

وتحيل هذه المادة على المقتضيات التي تحدد التدابير الإدارية الضرورية والقرارات المستعجلة اللازمة لضمان استمرار عمل مصالح الدولة ومؤسساتها وانتظام سير المرافق العمومية، حيث لا يترك القانون هذه المرحلة من دون تنظيم، ولا يجعل الحكومة المعينة في وضعية انعدام كامل للصلاحيات إلى حين التصويت على برنامجها، لكنه يقيد تدخلاتها بطبيعة المهام والتدابير المسموح بها قانونا. 

وتضع المادة 37 حدودا واضحة لمفهوم تصريف الأمور الجارية، إذ تستبعد منه التدابير التي من شأنها إلزام الحكومة المقبلة بصفة دائمة ومستمرة، وتذكر على وجه الخصوص المصادقة على مشاريع القوانين والمراسيم التنظيمية والتعيين في المناصب العليا. 

وكانت سنة 2012 قد شهدت جدلا مشابها عقب تعيين حكومة عبد الإله بن كيران، حين شرع عدد من الوزراء في تسلم مهامهم، بالتزامن مع التحضير لأول اجتماع لمجلس الحكومة قبل التصويت على البرنامج الحكومي، وهو أمر أثار حفيظة سياسيين من المعارضة، خصوصا من حزبي الأصالة والمعاصرة والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الموجودين اليوم في الأغلبية.

آنذاك، رفعت شعارات الاعتراض على ما اعتبره منتقدو الحكومة خرقا للفصل 88 من الدستور، الذي يربط تنصيب الحكومة بالحصول على الثقة البرلمانية، حيث وصل الجدل إلى حد التشكيك في مشروعية مباشرة الوزراء الجدد لمهامهم قبل التصويت على البرنامج الحكومي، في سجال شاركت فيه مكونات المعارضة حينها، داخل مجلس النواب.

وبعد أزيد أربعة عشر عاما، تعود المسألة نفسها إلى الواجهة، لكن في سياق سياسي مختلف، إذ أصبح الاتحاد الاشتراكي والأصالة والمعاصرة ضمن مكونات الأغلبية التي تشارك في تشكيل الحكومة الجديدة، بينما يثير شروع الوزراء في تسلم مهامهم قبل استكمال التنصيب البرلماني أسئلة بشأن مدى استحضار هذه الأحزاب للمواقف التي دافعت عنها عندما كانت في مواقع مختلفة.

المصدر: الصحيفة


شاهد أيضا

شاهد أيضا