محمد بحسي
في الحكومة المغربية المشكّلة في أكتوبر 2026، ظل اختصاص شؤون مغاربة العالم مدمجاً في وزارة الخارجية، ولم يضم التشكيل الحكومي المكوّن من 32 عضواً أي حقيبة وزارية مخصّصة تمثّل المغاربة المقيمين بالخارج أو تنحدر منهم. وفي الوقت نفسه، لم يتضمّن التصريح الحكومي الجديد أي التزامات سياسية جوهرية تجاه قضايا الهجرة. وهذا “الغياب المؤسسي” يتناقض تناقضاً صارخاً مع مساهمة مغاربة العالم التي تتجاوز تحويلاتهم 1200 مليار درهم سنوياً، ويكشف أن نظرة الدولة إلى هذه الفئة لا تزال محصورة في كونها “مصدراً للعملة الصعبة” بدل أن تُعامَل كمواطنين كاملي الحقوق.
أولاً: التشكيلة الحكومية: شؤون مغاربة العالم “مُدمجة” لا “مُمثَّلة”
في 16 أكتوبر 2026، عيّن الملك محمد السادس فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، وأعلن تشكيل حكومة من 32 عضواً. في القائمة الرسمية، تجلّت المسؤولية المتعلقة بمغاربة العالم في لقب واحد فقط: وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، التي ظل ناصر بوريطة على رأسها.
وهذا يعني أن شؤون أكثر من خمسة ملايين مغربي ومغربية مقيمين بالخارج يتولاها وزير متفرّغ في الوقت نفسه للشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي وملف الوحدة الترابية الذي يستحق وحده وزارة خاصة. فلا يوجد أي وزير أو وزير منتدب مكلّف حصرياً بشؤون المغاربة المقيمين بالخارج، ولا أي عضو في الحكومة من مغاربة العالم أو منتخب من طرف هذه الفئة. ويرى المنتقدون أن هذا الترتيب يضع قضية الهجرة على هامش الأجندة الدبلوماسية بدل التعامل معها كمجال مستقل للسياسة العامة الداخلية.
والأكثر دلالة أن الملك كان قد أكد في خطاب نوفمبر 2024 حول الأقاليم الجنوبية ضرورة إعادة هيكلة مجلس الجالية المغربية بالخارج وإنشاء المؤسسة المحمدية للمغاربة المقيمين بالخارج، غير أن التشكيل الحكومي الجديد لم ينص على أي آلية تنفيذية موازية أو وزير مختص. وهكذا لم تجد التوجيهات الملكية صدى مؤسسياً مكافئاً على مستوى بنية الحكومة.
ثانياً: التصريح الحكومي: خطاب اقتصادي بدل خطاب الحقوق
على مستوى التصريح الحكومي، يظل حضور مغاربة العالم خافتاً بالمثل. ففي مايو 2026، وصف رئيس الحكومة آنذاك عزيز أخنوش، في منتدى استثمار المغاربة المقيمين بالخارج بطنجة، هذه الفئة بأنها “قوة اقتصادية واجتماعية واستثمارية حقيقية”، مشيراً إلى أن تحويلاتها تجاوزت 1220 مليار درهم في 2025، وداعياً إلى تحويل هذه التحويلات إلى استثمارات منتجة. وكان هذا التصريح أكثر تعبيرات الحكومة السابقة تركيزاً على قضية الهجرة.
غير أن مردود هذا الخطاب ظل محصوراً في “الاستثمار” و”التحويلات”. فمغاربة العالم يُصاغون كموفّري موارد للتنمية الاقتصادية، لا كأصحاب حقوق. وفي مارس 2026، استخدم وزير الصناعة والتجارة رياض مزور في فعالية عامة عبارة “بزعط بلادك” (بمعنى “ارجع إلى بلدك واستثمر فيها أموالك ولا تتفاوض”) رداً على موضوع عودة أفراد الجالية للعمل في وطنهم الأم ، ما أثار ردود فعل غاضبة لدى المغاربة المقيمين بالخارج، واضطر إلى الاعتذار علناً. وتكشف هذه الحادثة ليس فقط زلة لسان وزير، بل تصوّراً أعمق لدى الفريق الحكومي لعلاقة المهاجر بوطنه: العودة تُفترض كواجب غير مشروط، لا كخيار يحتاج إلى ترتيبات مؤسسية وضمانات حقوقية.
وفي التصريح الحكومي لحكومة المنصوري، لم ترد حتى الآن التزامات منهجية بشأن الحقوق السياسية للمغاربة المقيمين بالخارج، وإصلاح الخدمات القنصلية، وحماية الهوية لدى الجيلين الثاني والثالث. وتؤكد أصوات ناقدة أن الحكومات المتعاقبة كانت تكتفي بـ”رشّ بعض الوعود المعسولة” استجابة للتوجيهات الملكية، أما تعامل الحكومة الحالية فيتمثل في “تجاهل تام”.
ثالثاً: كلفة الغياب: التحويلات حاضرة والحقوق غائبة
لا يحتاج الوزن الاقتصادي لمغاربة العالم إلى بيان. فتحويلات 2025 تجاوزت 1220 مليار درهم، ونحو 90% من استثماراتهم تتركز في العقار، بينما يتجه نحو 10% إلى 12% إلى مشاريع دعم أسري صغيرة. غير أن حجم المساهمة الاقتصادية لم يتحول إلى ثقل في التمثيل المؤسسي.
في الانتخابات البرلمانية لسنة 2021، انتخب المغاربة المقيمون بالخارج ممثلين لهم عبر دوائر مخصّصة، لكن تهميش شؤونهم في التشكيل الحكومي يُظهر أن القناة بين التمثيل الانتخابي والسلطة التنفيذية لم تُفتح. ففئة لها مقاعد في البرلمان (على قلتها وبسبب غياب المشاركةالمباشرة)، ووزن في الاقتصاد، وتُذكر مراراً في خطابات الملك، لا تجد في بنية القرار الحكومي اليومي وزيراً مختصاً يرفع صوتها. وهذا الغياب البنيوي يجعل مطالب المغاربة المقيمين بالخارج، سواء كفاءة الخدمات القنصلية، أو تبسيط المساطر الإدارية، أو العوائق التي يواجهها مزدوجو الجنسية في التشغيل والحماية الاجتماعية، يصعب عليها دخول دائرة الأجندة الحكومية.
باختصار، تعامل الحكومة المغربية مع مغاربة العالم يقوم على انفصام منهجي: اعتماد مرتفع في الاقتصاد، وتمثيل منخفض في المؤسسات، وخطاب تتخلله أحياناً نبرة تعالٍ. إن صمت حكومة المنصوري في تشكيلتها وتصريحها الحكومي تجاه قضايا الهجرة ليس سهواً، بل خيار. فحين تُحتسب تحويلات فئة ما في مقام الاقتصاد الوطني، ويُستبعد وجودها السياسي من بسط التشكيل الحكومي، يصبح من العسير على خطاب “مغاربة العالم ثروة الوطن٨” أن يحجب واقع “مغاربة العالم مواطنون غائبون”.





