حكومة مغربية على مقاس التوافق

 

 

 

 

نور الهدى سعودي
كاتبة وباحثة مغربية، ماجستير في الفلسفة.

 

 

فرزت الانتخابات التشريعية المغربية حكومة من 32 عضوا، برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في تاريخ البلاد، تتوزع حقائبها بين الوزراء و11 وزيرا منتدبا. وقد تبدو هذه البنية استجابة لاتساع اختصاصات الدولة، غير أن النظر إليها من زاوية التوازنات التي أفضت إلى تشكيلها يثير سؤالا يتجاوز عدد المناصب إلى التصور السياسي الذي انتظمت وفقه. فمشروعية التشكيل يحدّدها المساران، الدستوري والبرلماني، فيما تختبر ممارسة الحكم قدرة الائتلاف على تحويل تفويضه إلى قرارات واضحة ومسؤوليات قابلة للمساءلة.

تقوم الأغلبية الجديدة على ائتلاف يجمع أحزاب الأصالة والمعاصرة، والاستقلال، والاتحاد الاشتراكي، والتقدّم والاشتراكية، بما مجموعه 207 مقاعد، متجاوزا عتبة الأغلبية المطلقة بتسعة مقاعد. ويعكس هذا التكوين مقتضيات التفاوض في نظام حزبي متعدّد، حيث يصبح التوافق شرطا للاستقرار البرلماني. تتحدّد قيمته السياسية بقدرة أحزابٍ تختلف في تاريخها ومرجعياتها على اتخاذ قرارات مشتركة وتحمل تبعاتها أمام قواعدها الانتخابية؛ فالبرنامج الحكومي سيختبر مدى تحول هذا التقارب العددي إلى سياسة يمكن إسنادها إلى الأغلبية مجتمعة.

وراء هذا التماسك البرلماني معطى آخر يتعلق بحدود المشاركة في الاقتراع؛ فقد صوت 38.08% من الناخبين المسجلين في الشهر الماضي (سبتمبر/ أيلول)، مقابل 50.86% سنة 2021، وفق وزارة الداخلية. ولا يجوز اختزال الامتناع في موقف سياسي واحد، لكن تراجع المشاركة يثير سؤال صلة الأحزاب بقطاعات من الهيئة الناخبة. فالحصول على العدد الضروري للحكم لا يمنح، من تلقاء نفسه، القدرة على توسيع الثقة به؛ تلك قدرة تتكون من قرارات يفهم المواطن أسبابها ويعرف الجهة المسؤولة عنها. وفي المسافة بين الأغلبية الحسابية والقبول الاجتماعي يقع امتحان التمثيل الذي لا تحسمه المقاعد وحدها.

أما وضوح المسؤولية الذي تتطلبه الثقة السياسية فيبدأ اختباره من توزيع المناصب واختصاصاتها داخل الحكومة نفسها. ففي التربية الوطنية، يتولى وزير القطاع إلى جانب وزيرين منتدبين، بما يضيف مستويين للإشراف على مجال يحتاج إلى استقرار الإصلاح وتحديد جهة القرار. وضمت التشكيلة السابقة خمسة وزراء منتدبين وستة كتاب دولة، مقابل 11 وزيرا منتدبا في الحكومة الجديدة من دون كتّاب دولة، مع زيادة عضو واحد في العدد الإجمالي. ويستدعي هذا التغيير فحص ما يرتبط برتب المناصب من أجهزة واعتمادات، إذ تظل الكلفة الفعلية رهينة بما تكشفه تفاصيل الميزانية. وفي بلد تتنافس فيه حاجات المدرسة والمستشفى على الموارد، فهل تدخل كلفة تنظيم السلطة التنفيذية نفسها ضمن النقاش الحكومي بشأن النجاعة وترشيد الإنفاق؟

تبدأ مساءلة المناصب من ضرورتها، وتمتد إلى معايير اختيار من يشغلونها. فقد عاد نبيل بنعبد الله إلى الحكومة وزيراً للتربية الوطنية، بعد إعفائه سنة 2017 من حقيبة إعداد التراب الوطني والإسكان على خلفية تقرير متعلق بتعثر مشاريع “الحسيمة منارة المتوسط”. وعادت شرفات أفيلال وزيرة للطاقة والمعادن والتنمية المستدامة، بعدما انتهت مهامها سنة 2018 إثر حذف كتابة الدولة المكلفة بالماء. وتختلف الواقعتان في طبيعتهما المؤسّسية، غير أن عودة الاسمين تستدعي سؤالا عن موقع القرارات السابقة في معايير التعيين الجديدة. ويكتسب السؤال ثقله مع استمرار وجوه من الحكومة الماضية: ما الذي تغير في أساليب التسيير، وأي سجل للأداء استند إليه الاختيار؟

تقتضي ممارسة الحكم وحدة في المسؤولية عن القرارات التي تصدر باسم الحكومة مجتمعة، مهما اختلفت حسابات الشركاء داخلها

في مستوى آخر من التعيينات، تحمل رئاسة المنصوري سابقة في مسار المشاركة النسائية، فيما أصبح عدد النساء في الحكومة ستا، بمن فيهن رئيسة الحكومة، عقب إعفاء إحدى الوزيرات المنتدبات. وتتولى اثنتان منهن وزارتين كاملتين. وهذه النسبة تنقل النظر من رمزية الموقع الأول إلى آليات الأحزاب في إعداد النساء للمسؤوليات التنفيذية وتوزيع الحقائب.

على جهة الرقابة البرلمانية، نجد حزب التجمّع الوطني للأحرار، الذي قاد الحكومة السابقة، ينتقل إلى المعارضة بكتلة من 66 نائبا، إلى جانب العدالة والتنمية والحركة الشعبية، مع اختلاف مواقعها السياسية. وهذا التحول يضع الحزب الذي تولى التدبير أمام سؤال الاتساق مع حصيلته، ويضع بقية المعارضة أمام مسؤولية تقديم بدائل محددة. فالتناوب بين الحكومة والمعارضة يستمد معناه من إمكان تحديد المسؤولية عن السياسات، بما يحول الرقابة إلى نقاش في مضمون القرار وتبعاته.

خارج البرلمان، يتخذ سؤال المسؤولية معنى ملموسا في معيشة الأسر المغربية؛ فقد أفادت 95.9% من الأسر المستجوبة في بحث المندوبية السامية للتخطيط للفصل الثالث من 2026، الصادر في 15 أكتوبر، بأنها لاحظت ارتفاع أسعار المواد الغذائية خلال السنة السابقة، فيما صرحت 39% بأنها تستعمل مدخراتها أو تقترض لتغطية النفقات. وقد أعلنت المنصوري، لدى تقديم برنامج حكومتها أمام البرلمان في 19 أكتوبر، استهداف نمو سنوي متوسط قدره 5% بين 2027 و2031، مع إبقاء عجز الميزانية دون 3% من الناتج المحلي. وهنا يكتسب توافق الأغلبية مضمونه من الخيارات التي ستعتمدها لتوزيع الموارد وثمار النمو، على خلفية غلاء يستمر أثره في المعيشة اليومية.

وضوح المسؤولية الذي تتطلبه الثقة السياسية يبدأ اختباره من توزيع المناصب واختصاصاتها داخل الحكومة نفسها

على هذه الموارد نفسها تتزاحم استثمارات مونديال 2030 مع تحدّيات الخدمات العمومية، خصوصاً في المناطق الأقل استفادة من النمو. وقد أظهرت احتجاجات “جيل زد” حضور الصحة والتعليم وفرص العمل في المطالب الاجتماعية، فيما أعادت محاولات الهجرة نحو سبتة في يوليو/ تموز 2026 سؤال المستقبل الذي يراه بعض الشباب ممكناً خارج البلاد. وتتباين دوافع الاحتجاج والعبور، إلا أن الوقائع تضع أمام الأحزاب مسألة ترجمة المطالب التي تظهر خارج صناديق الاقتراع إلى أولويات فعلية في السياسة العامة، بما يصل سؤال التمثيل بقرارات الإنفاق والتشغيل.

ويطرح ملف الصحراء بعداً آخر لمسألة الاختصاصات والمسؤوليات، بعد دعوة قرار مجلس الأمن 2797 إلى التفاوض على أساس المقترح المغربي للحكم الذاتي. وفي حال التوصل إلى حل سياسي نهائي، ستبرز مسألة توزيع الاختصاصات والموارد على المستوى الجهوي، في نطاق الصلاحيات الدستورية. ويتعلق جانب من الرهان بمدى ترجمة أي ترتيبات متفق عليها إلى مسؤوليات معلومة وأثر محسوس في حياة السكان.

تضع هذه الاستحقاقات التوافق الحكومي أمام اختبار يتجاوز قدرته على ضمان الاستقرار البرلماني، فكل مفاضلة بين الأولويات تنطوي على اختيار سياسي يحدّد ما يستحق أن يتقدم في حياة المغاربة، وما يمكن تأجيله، ومن يتحمل كلفة ذلك التأجيل. وإذا أتاح التفاوض للأحزاب توزيع مواقع السلطة وفق أوزانها، فإن ممارسة الحكم تقتضي وحدة في المسؤولية عن القرارات التي تصدر باسم الحكومة مجتمعة، مهما اختلفت حسابات الشركاء داخلها. وتكمن المسألة في قدرة الأغلبية على الاحتفاظ بهذا المعنى الجماعي للمسؤولية عندما تصبح القرارات موضع خلاف أو مساءلة، فبأي معنى يمكن الحديث عن مسؤولية سياسية مشتركة إذا اتسعت دائرة المشاركين في السلطة إلى الحد الذي يصعب معه تحديد من يتحمل تبعات ممارستها؟

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا

شاهد أيضا