تناقضات ما بعد دولة الرفاه في أوروبا

 

 

 

 

إبراهيم سيف
إبراهيم سيف وزير الطاقة والثروة المعدنية الأردني السابق (2015-2017).

 

في الثلاثين من إبريل/نيسان الماضي، تناولت في مقالتي في «العربي الجديد»، تحت عنوان «تبدد الحلم الأميركي ونهاية دولة الرفاه في أوروبا»، فكرة أن العقد الاجتماعي الذي بنته أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية عام 1945 لم يعد قادرًا على الوفاء بوعوده؛ تعليم جيد، وصحة عامة متاحة، وتقاعد مريح، مقابل ضرائب مرتفعة يدفعها المواطن عن رضا.

وفي تلك المقالة، أشرت إلى أن أسباب هذا التآكل مرتبطة بكلفة دفاعية متصاعدة مع استمرار الحرب الأوكرانية وتزاحم الإنفاق الاجتماعي، وفاتورة شيخوخة تتضخم مع تراجع نسبة الشباب في الهرم السكاني، وديون سيادية متراكمة تضيق الهامش المالي، وثلاثة عقود من خفض الضرائب على الأثرياء تلتها جولات تقشف تقتطع من الرواتب الثابتة والصحة والتعليم.

واستشهدت في تلك المقالة ببيانات حول العجوزات في التأمينات وارتفاع المديونية، وخلصت إلى أن هذا التآكل يغذي صعود اليمين المتطرف الذي يقدم إجابات سهلة. ودخلت بعد ذلك في نقاشات مع عدد من الزملاء بشأن المبالغة في قراءة المشهد، ولكن يبدو، بعد أقل من ستة أشهر، أن طلاب فرنسا والعاطلين عن العمل في إسبانيا والباحثين عن مسكن يخطون الجزء الثاني من تلك المقالة.

بدأت شرارة الأحداث في فرنسا عندما تحولت احتجاجات في المدارس الثانوية بضواحي باريس الشمالية، اعتراضًا على نقص المعلمين وتردي المرافق واكتظاظ الصفوف، إلى إحدى أسوأ موجات الشغب منذ سنوات. ولم تعد المطالب تقتصر على المدارس، بل اتسعت لتشمل غلاء المعيشة وارتفاع أسعار الوقود وتراجع الخدمات العامة واللامساواة. وردت الحكومة الفرنسية بخطاب أمني بالدرجة الأولى، إذ توعد الرئيس إيمانويل ماكرون بمحاسبة من سعوا إلى إثارة الشغب والخروج على القانون.

إلا أن الحقائق التي لا تخفى على المراقبين تشير إلى أن هناك أزمة مالية متصاعدة، إذ إن جهود خفض الدين العام الفرنسي لم تطمئن المستثمرين، وارتفعت كلفة اقتراض الحكومة الفرنسية إلى أعلى مستوى منذ أكثر من عقدين. وفي الأشهر الأخيرة من ولاية ماكرون، يبرز كذلك سؤال كيف سيتذكره الفرنسيون، وما التركة التي سيخلفها. وفي بلجيكا، اشتبك محتجون مع الشرطة في مدينتي بروكسل ولييج، واستخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه.

ووصف وزير الداخلية برنار كينتان ما يجري بأنه لم يعد مجرد احتجاج، بل تحول إلى أعمال غير قانونية. لكن الواقع أن الاحتجاجات موجهة بشكل خاص ضد تقليص إنفاق الموازنة والإصلاحات المقترحة وارتفاع تكاليف المعيشة والتعليم. أما في إسبانيا، فقد خرج عشرات الآلاف إلى الشوارع بعد إخلاء امرأة في السابعة والثمانين من عمرها بيتها في مدريد، إثر شراء صندوق استثماري المبنى وزيادة الإيجار بأكثر من 200%.

ثم أسقط البرلمان مرسومين حكوميين لحماية المستأجرين ووقف الإخلاءات، بأصوات الحزب الشعبي وحزب فوكس اليميني. وتشير البيانات إلى أن متوسط الإيجار في إسبانيا تضاعف تقريبًا خلال العقد المنصرم، في بلد استقبل 97 مليون سائح العام الماضي، ما شكل ضغطًا على السكان الذين يعانون بشدة من هذا التدفق من دون الاستفادة منه، وهو ما دفع الحكومة التي يقودها بيدرو سانشيز إلى التفكير في انتخابات مبكرة تحد من خسائر حزبه.

وتكرر مشهد الاحتجاجات على غلاء المعيشة في دول أوروبية أخرى، منها إيطاليا والبرتغال وبلجيكا وألبانيا واليونان، إلى جانب فرنسا وإسبانيا. وتكشف هذه الاحتجاجات أن أوروبا وصلت إلى نقطة يصعب فيها التوفيق بين ثلاثة أهداف: خفض الديون الحكومية لطمأنة الأسواق، وزيادة الإنفاق الدفاعي استجابة للتهديد الروسي والضغط الأميركي، والحفاظ على مستوى الخدمات العامة. وكلما ارتفعت كلفة الاقتراض، كما في فرنسا، ضاق هامش الخيار، وكان الإنفاق الاجتماعي هو الحلقة الأضعف. تضاف إلى ذلك صدمة الطاقة والغذاء التي سببتها الحرب في منطقة الشرق الأوسط والخليج والبحر الأسود، والتي أثرت مباشرة في الطبقة الوسطى.

ولم تعد هذه المعادلة سياسية فقط؛ فالأسواق التي تقرض الحكومات الأوروبية باتت شريكًا في رسم السياسات الاجتماعية؛ وكل وعد بزيادة الإنفاق تستجيب له أسواق السندات قبل مصادقة البرلمانات. وهنا يجد السياسي الأوروبي نفسه بين ناخب يطالب بالخدمات، بل وتحسينها، ومستثمر يطالب بالانضباط المالي، وحليف أطلسي يطالب برفع الإنفاق العسكري. وهنا يكمن جوهر أزمة دولة الرفاه التي لم تعد قادرة على تحديد أولوياتها بنفسها، ولا تمتلك الموارد الكافية. سياسيًا، يبدو المشهد مهيأ لصعود اليمين المتطرف، فهذا التيار يملك رواية سطحية وجاهزة عن عجز الدولة والنخب المنفصلة عن الناس، وعن المهاجرين الذين يزاحمون المواطنين على السكن والوظائف.

وفي فرنسا، يدخل التجمع الوطني اليميني السنة الأخيرة قبل الانتخابات الرئاسية وهو في موقع قوي، فيما يجد فوكس الإسباني في أزمة السكن مادة خصبة، ويستفيد اليمين المتشدد في بلجيكا من ردات الفعل السلبية على التقشف.

وفي ظل هذه المفارقات، لا توجد وصفة سحرية، لكن هناك أولويات يمكن التركيز عليها في الخطاب السياسي للأحزاب الوسطية، كي لا تبقى هذه القضايا أوراقًا بيد الأحزاب الشعبوية اليمينية فقط.

أولاها معالجة موضوع السكن بوصفه قضية أمن اجتماعي، فما يجري في إسبانيا يثبت أن ترك السكن لمنطق صناديق الاستثمار والسياحة يحول حقًا أساسيًا إلى سلعة مضاربة. أما الأولوية الثانية فتتمثل في إعادة توزيع عبء التقشف المالي، فليس من الإنصاف تمويل خفض العجز المالي من رواتب المعلمين والخدمات الصحية، فيما تبقى الثروات الكبيرة والأرباح الاستثنائية للشركات بمنأى عن المساهمة.

وفرض ضريبة عادلة على الثروة والأرباح الاستثنائية ليس شعارًا يساريًا، بل شرط لاستعادة ثقة من يدفعون الضرائب من عامة الناس. وثالثًا، لا بد من حلول أوروبية تخص قطاعي الطاقة والدفاع، بما يحرر الموازنات الوطنية للإنفاق الاجتماعي.

واضح أن دولة الرفاه الأوروبية تقترب من نهاية صيغتها التي عرفناها، وما يجري اليوم في شوارع باريس والعواصم والمدن الأوروبية يؤكد ذلك، ويطرح سؤالًا: ما الذي سيحل محلها؟ فإما عقد اجتماعي جديد يعيد توزيع الأعباء والفرص بشكل أعدل، وإما فراغ يملؤه من يعد بالحماية عبر الإقصاء. أوروبا تقف عند مفترق طرق، والطريق الذي ستختاره لن يحدد مستقبلها وحدها، بل مستقبل جوارها الذي يعيش على إيقاع أزماتها.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا

شاهد أيضا