دعوة اسماعيل عزّام للمناظرة : هل تفتح القناة الثانية (2M) أبوابها لضحايا ” جلاد ” درب مولاي علي الشّريف ؟
نبيل التويول – إيطاليا تلغراف
تخيّل أن تكون الغرفة معتمة إلى الحد الذي لا ترى فيه يدك، لكنك تسمع ليل نهار صوت أنين مكتوم لجسد نهشت طراوته على كرسيّ حديديّ بارد. في السبعينيات والثمانينيات، لم يكن “درب مولاي علي الشريف” مجرد عنوان في أزقة الدار البيضاء، بل كان ثقبا أسود يبتلع الأحلام اليافعة للشباب، ويقذف بها في جوف النسيان. هناك، حيث كان الكوميسير محمود عرشان يدير أوركسترا الألم، كان هناك في المقابل شبان بعمر الورد، فإذا بالوطن يتحول إلى سوط يجلد ظهورهم العارية، وقيد يدمي معاصمهم الغضة. كم من أم ماتت على عتبات ذلك المعتقل وهي تنتظر رائحة ابنها؟ كم من زوجة شاب شعرها وهي تطحن سنوات عمرها في ترقب قادم لن يعود؟ إنها دماء غسلت بالماء والملح، لكن روعتها وظلمها ظلا ينبضان تحت البلاط القديم.
مرت العقود، و جاءت هيئة الإنصاف و المصالحة بالمال لتنثر فوق المقابر جبرا للضرر، وظنت أن الأوراق النقدية قادرة على شراء صمت التاريخ، أو مسح دموع اليتامى الذين كبروا دون أن يعرفوا دفء عناق الأب. لكن، في مكان ما تحت سماء ألمانيا، كان هناك قلم يافع لا يعرف البيع ولا الشراء، إنه الصحافي الشاب إسماعيل عزام، ابن عام 1986، الذي لم يولد إلا والكوميسير قد غادر سلك الأمن مستمتعا بعفى الله عمّا سلف.
عزام لم يعش تلك الفظائع، لكنه حمل في قلبه لوعة الضحايا؛ جفّف دموع المعتقل السابق أحمد المرزوقي بحبر حواراته المعمقة، وأصغى لنبضات قلب فؤاد عبد المومني وهو يروي كيف تسرق الأعمار خلف الجدران. صرخ عزام بكلماته التي تقطر وجعا وعدالة، معلنا أن الحصانة قد تحمي الجسد العجوز من السجن، لكنها لن تحمي السيرة العفنة من لعنة الأجيال.
وفي الحادي والعشرين من أكتوبر 2026، بلغت المأساة ذروتها وسقط قناع الحياء. وقف الكوميسير العجوز، محمود عرشان، تحت قبة البرلمان الباذخة، لم يبك، ولم يطلب الصفح، ولم تنحن هامته خجلا من أرواح الذين ماتوا تحت سياطه. بل وقف بكبرياء شاهرا بطاقته، واصفا أنين الضحايا وغضب الشرفاء بـ”الطابور الخامس”!
وبنبرة تملؤها السخرية والتهديد، التفت نحو رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري — التي رفعت في وجه عائلته “فيتو” الأخلاق — ليغني لها بنبرة تراثية مستفزة: “نوصيك.. ردي بالك”. يا للمهزلة الإنسانية! الجلاد لا يريد أن يموت في صمت، بل يريد أن يورث سياطه وحزبه الديمقراطي الاجتماعي لابنه، يريد أن يمسح دموع ضحاياه بمعطف السلطة الجديد، بينما المعتقلون السابقون يجلسون خلف الشاشات، واضعين أيديهم على قلوبهم المتعبة، تنزف جراحهم من جديد وهم يرون جلادهم القديم يوزع صكوك الوطنية في التلفزيون الرسمي.
إنها اللحظة التي تجعل الصخر يبكي تعاطفا؛ تلك الدعوة المدوية التي أطلقها إسماعيل عزام: “افتحوا شاشة القناة الثانية (2M)!”. دعوا هذا الشيخ الثمانيني يقف وجها لوجه أمام الأعين الذابلة التي أطفأ نورها يوما ما، دعوا الأمهات اللواتي ابيضت أعينهن من الحزن يقفن أمامه، ليرى كيف تحولت سياطه القديمة إلى تجاعيد من القهر على وجوههن.
مادام محمود عرشان يطلب الحديث والمناظرة، فلتكن حلبة الحقيقة عارية؛ ليس بغرض الانتقام، بل ليعلم هذا الجيل الذي يعيش خلف شاشات تيكتوك و الهواتف البراقة، أن حرية اليوم لم تأت بالمجان، بل عجنت بدموع الثكالى وعظام ورجال قبروا أحياء في درب مولاي علي الشريف و تازمامارت. إن لم تبك الذاكرة اليوم، فمتى تبكي؟ وإن لم تستيقظ العدالة الأخلاقية أمام هذه الوقاحة السياسية، فإننا ندفن شهداءنا مرتين: مرة في عتمة الزنزانة، ومرة تحت أقدام الجلادين وهم يتفاخرون بماضيهم الأسود من على منابر المؤسسات التشريعية.





