اجتماع الفصائل الفلسطينية في لبنان.. قراءة في المضمون والأهداف.

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

بقلم.. الدكتور حسن مرهج (*)

 

بادئ ذي بدئ، لابد من التنويه إلى إن توجه بعض الأنظمة العربية للتطبيع مع إسرائيل، لم يكن بسبب الانقسام الفلسطيني وشرذمة المواقف الوطنية تُجاه القضية الفلسطينية، بل لأنها تعاني في الأصل من أزمة شرعية، وأنها ترى أن معالجة هذه الأزمة يتمثل في تأمين الدعم الأمريكي، الذي تراه يتأتى عبر التطبيع مع إسرائيل، وعليه فإن المرحلة الدقيقة والحساسة التي تمر بها القضية الفلسطينية، تقتضي مقاربات استراتيجية ومنطقية، تُشكل جسر عبور من التفرقة والانقسام، إلى ضفة الوحدة الفلسطينية الجامعة للتيارات والأحزاب والفصائل كافة، وتوحيد الرؤى والأهداف، للتمكن من مواجهة تسونامي التطبيع الذي يرمي في مضامينه، إلى تحييد كامل للقضية الفلسطينية، وطي هذا الملف خدمة للأجندة الأمريكية.

لعل انقسام الفصائل الفلسطينية وتزايد أعدادها، واختلاف توجهاتها السياسية والإيديولوجية، إضافة إلى التدخلات الإقليمية في شؤون هذه الفصائل، ساهم بالتأكيد في انعدام إمكانية توحدها، أو على الأقل التنسيق بينها، مما أثر سلباً على القضية نفسها، لكن خيراً فعلت الفصائل الفلسطينية حين اجتمعت في لبنان، وحيّدت خلافاتها ولو بشكل مؤقت، بُغية توحيد الهدف لمواجهة التطبيع من جهة، ومن جهة ثانية بُغية إبقاء القضية الفلسطينية بكل ثوابتها ومرتكزاتها قضية مركزية للجميع.

لا يمكن إنكار أن الفصائل الفلسطينية، خلال خمسين عاماً مضت، لعبت أدواراً مهمة في النضال ضد اسرائيل، وقد أنجزت تجربة الفصائل بعض النجاحات، لكنها وقعت في الكثير من الأخطاء؛ ولولا الانتفاضة الفلسطينية الأولى، لما قبلت إسرائيل بفكرة سلطة فلسطينية؛ تلك الانتفاضة التي تبلورت خلالها فصائل فلسطينية جديدة، لتزيد رغم نجاحها ونجاح الانتفاضة من انقسامات الفصائل وتعددها.

رغم ذلك، فإن هذا لا يعني إلغاء المسار الطويل للنضال الفلسطيني، ودور الفصائل في هذا المسار النضالي. ففي هذه اللحظات المصيرية من تاريخ الشعب الفلسطيني، والتي تتعرض فيها القضية المركزية لمخاطر التآمر والتصفية، وتجريد الشعب من حقه في تقرير مصيره، وإقامة دولته المستقلة كاملة السيادة على حدود الرابع من حزيران/يونيو عام 1967، والقدس المحتلة عاصمتها، وحل قضية اللاجئين وحقهم في العودة إلى ديارهم الذين هجروا منها على أساس القرار 194، تأتي المؤامرات والمخططات التي تقوم بها اسرائيل والإدارة الأميركية الحالية، من خلال صفقة القرن ومخططات الضم، وتمرير التطبيع المجاني الذي رفضه شعبنا بأكمله.

يمكننا وصف اجتماع الفصائل الفلسطينية في لبنان بأنه اجتماع تاريخي، نظراً لدقة هذه المرحلة وتشعب خياراتها، إذ لا يُمكن مواجهة تسونامي التطبيع، دونما أن تكون الفصائل الفلسطينية على قلب رجل واحد، فالخيارات ضيقة جداً، وكذا التوجهات الإقليمية والدولية حيال القضية الفلسطينية واضحة جداً، وعليه لابد من موقف موحد للفصائل، للخروج من مآزق الانقسام، والوصول إلى توافقات تضع الجميع أمام المشهد المتمثل بمحاولات تغييب القضية الفلسطينية.

القيادات الفلسطينية وشددت في بيانها على رفضها المطلق لجميع المشاريع الهادفة إلى تصفية القضية الفلسطينية، وتجاوز حقوقهم المشروعة، كما أكدت رفضها لأي مساسٍ بالقدس ومقدساتها المسيحية والإسلامية. وأدانت كل مظاهر التطبيع مع اسرائيل، كما وناقش اجتماع الأمناء العامين قواعد الاشتباك مع اسرائيل، بما في ذلك تفعيل العاملين الإقليمي والدولي لمواجهة تلك المخططات، وتوافق المجتمعون على وسائل وآليات النضال لمواجهة اسرائيل، بما في ذلك ما كفلته المواثيق الدولية من حق الشعوب في مقاومة الاحتلال، وفي ذات السياق كان لافتاً تصريح الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي زياد النخالة، حين قال خلال الاجتماع إنّ الشعب الفلسطيني ينظر إلينا اليوم بالأمل كما بالإحباط وعلينا أن نختار ما الذي نقدمه له، الأمر الذي يعني بأن القادم سيحمل بلا ريب خطوات من شأنها إعادة القضية الفلسطينية إلى مسارها الصحيح، مع تقييمات سابقة، ومحاولات تصحيح هذا المسار ستُفضي إلى معادلة جديدة، قد تساعد بشكل أو بأخر على إجبار المطبعين التوقف، وحل جُملة الإشكاليات التي تُعرقل حل القضية الفلسطينية.

إعلامي وخبير في شؤون الشرق الأوسط (*)

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...