*بقلم… الدكتور حسن مرهج
مع مغادرة دونالد ترامب البيت الأبيض بطريقة دراماتيكية، يتابع جو بايدن عمليات تنظيف مركزة لارث ترامب، ويبدو ذلك واضحاً مع القرارات الجديدة التي أصدرها بايدن، والتي جاءت في إطار الأوامر التنفيذية أيّ التنفيذ الفوري، والالتفاف بسرعة على سياسات ترامب، ومحاولة ترميم ما أحدثه من فوضى قبيل مغادرته، ضمن ذلك، يبدو لافتاً الانتقادات التي وجهها بايدن لترامب واداراته لجهة الانسحاب الأحادي من الاتفاق النووي مع إيران، ففي الأيام التي أعقبت بدء الحكومة الامريكية الجديدة لأعمالها ينتظر المجتمع الدولي والأطراف المتبقية في الاتفاق النووي الإعلان عن سياسة رسمية وواضحة للبيت الأبيض بشأن الاتفاق النووي.
في خضم ذلك، وتحديداً في 28 كانون الثاني الفائت، تم الإعلان عن جزء من السياسة الرسمية للإدارة الجديدة، إذ قال وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكين في مؤتمر صحفي، “بايدن شفاف جداً، ففي حال أوفت إيران بالتزاماتها بموجب الاتفاق النووي، فستعود امريكا للاتفاق، إذا عادت إيران إلى الاتفاق النووي والتزمت به، فسنشكل فريقا متخصصا لمناقشة العودة إلى هذا الاتفاق. وبعد ذلك سنستخدم مع حلفائنا الاتفاق النووي كمنصة لحل القضايا الأخرى. ولكن هناك طريق طويل لنقطعه في هذا الصدد.”
ما سبق من تصريحات لوزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، يمكن وضعها صراحة في إطار الجهود الأمريكية الرامية للعودة الى الاتفاق النووي مع إيران، لكن لا بد بدايةً من رفع سقف التصريحات كمرحلة أولى ونافذة تؤسس لطاولة مفاوضات جديدة، وفي جانب أخر محاولة بائسة لجذب ايران بطريقة غير مباشرة، وكذا إيصال رسالة للسعودية وإسرائيل أن للإدارة الأمريكية مطالب جديدة يجب على إيران تنفيذها قبل الدخول في إتفاق جديد مع إيران. وعليه ما يُمكن فهمه من خلال ذلك، أن الإدارة الأمريكية الجديدة تحاول إيصال عدة رسائل لجميع القوى في الاتفاق النووي، مع نظم معادلة جديدة تتعلق بجس نبض إيران قبل حلفاء واشنطن، الأمر الذي قرأته إسرائيل وفق منظورها، إذ كشفت وسائل الإعلام الإسرائيلية، أن رئيس الاستخبارات الاسرائيلي يوسي كوهين، سيكون أول مسؤول “إسرائيلي” كبير، سيلتقي بالرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن وسيعرض على إدارة بايدن معلومات استخبارية لثنيها عن العودة للاتفاق النووي الايراني.
في المقابل، يمكن وضع الشرط المسبق للحكومة الأمريكية للعودة إلى الاتفاق النووي، ضمن إطار الحرص الأمريكي المزعوم لجهة العودة إلى المناقشات مع إيران، بالإضافة لتقديم صورة مُحسنة بخلاف الصور والمشاهد التي قدمها ترامب.
نتيجة لذلك يمكن استقراء أسباب ثلاث، ضمن سياق التصريحات الأمريكية:
أولاً- من الواضح أن الادعاءات الأمريكية حيال إيران وانتهاكها للاتفاق النووي، ما هي إلا وسيلة لذر الرماد في العيون، خاصة أن واشنطن وبأمر من ترامب وتحديدا في 8 حزيران 2018 قد انسحبت من الاتفاق النووي، الأمر الذي لاقى استهجان المجتمع الدولي، وكل التصريحات الأوروبية التي أعقبت انسحاب واشنطن تؤكد أن إيران كانت ملتزمة ببنود الاتفاق؛ وعلى نطاق أوسع، انتهكت امريكا قرار مجلس الأمن رقم 2231. والواقع أن العقوبات الأمريكية أحادية الجانب وعدم قدرة الأطراف المتبقية على الوفاء بالتزاماتها لعبت الدور الأهم في محاولة طهران اتخاذ خطوات متوازنة لتقليص مستوى التزاماتها. لذلك، لا بد من القول إن امريكا هي الطرف الوحيد الذي يجب عليه أولاً أن يمهد الطريق للعودة إلى الاتفاق من خلال الوفاء بالتزاماتها برفع جميع العقوبات والتعويض عن الأضرار التي لحقت بإيران أثناء العقوبات. وبالتالي وكبادرة حُسنّ نية لابد من رفع العقوبات عن طهران، إيذانا ببدء العودة للإتفاق النووي.
ثانياً- يمكن اعتبار تصريحات بلينكين جزءًا من جهود إدارة بايدن لاستغلال إرث ترامب وإرضاء حلفاء واشنطن وتحديداً اسرائيل، فقد كان الرأي السائد للمراقبين السياسيين هو أنهم، على عكس مزاعم المقربين من بايدن والرئيس الأمريكي الجديد نفسه، سيحاولون بالتأكيد استخدام العقوبات التي فُرضت خلال عهد ترامب كوسيلة للتفاوض والضغط على إيران. كما تؤكد تصريحات بلينكين الأخيرة أن وزارة الخارجية الأمريكية تحاول استخدام عقوبات ترامب كورقة ضغط على طهران.
ثالثاً- من الضروري الانتباه إلى حقيقة أن مزاعم وزير الخارجية الأمريكية تتم في وضع حيث ان الجمهورية الإسلامية الايرانية، على عكس تصورات المتطرفين وشركاء ترامب، لم تستسلم قط للعقوبات الامريكية غير القانونية بل قد هزمت العقوبات في هذه الحرب الاقتصادية اللاإنسانية والان لا يوجد حاجة لتقديم تنازلات لواشنطن التي لم تعد تملك الوسائل لممارسة الضغط.
في المحصلة، تشير التصريحات الأمريكية والإدارة الأمريكية الجديدة، وتحديدا تصريحات وزير الخارجية الأمريكية أنتوني بلينكن، إلى نوع من الاستعداد لمواصلة سياسة الضغط الأقصى لإدارة ترامب ضد إيران. كان بايدن أحد الشخصيات البارزة في إدارة أوباما التي وقعت الاتفاق النووي. وفي ذلك الوقت، لم يتردد البيت الأبيض في القول إن امريكا يمكن أن تتنازل عن التزاماتها متى شاءت.
*إعلامي خبير في شؤون الشرق الأوسط





