رئيس النيابة العامة بالمغرب محمد عبد النبوي: لولا استعمال تقنية المحاكمة عن بعد لما تمكنت المحاكم من البت في قضايا أكثر من مائة ألف معتقل
أوضح السيد محمد عبد النبوي، رئيس النيابة العامة الوكيل العام للملك (المدعي العام) في المغرب، أنه لولا استعمال تقنية المحاكمة عن بعد، لما تمكنت المحاكم من البت في قضايا أكثر من مائة ألف معتقل، بسبب استحالة نقلهم إلى المحاكم امتثالاً لتدابير الوقاية والحماية التي قررتها السلطات العمومية، حفاظاً على الصحة العامة لعموم الأشخاص في الوطن، ومن بينهم الأشخاص المعتقلون.
وخلال افتتاح السنة القضائية، أمس الجمعة، في محكمة النقض في الرباط عن طريق المناظرة المرئية عن بُعد، أوضح المسؤول القضائي المذكور أن قطاع العدالة في المغرب لم يسلم من التأثيرات السلبية لجائحة كوفيد المستجد خلال السنة المنصرمة، حيث حُرِم المواطنون لعدة أشهر من العديد من الخدمات القضائية التي لم يتَيَسَّر قضاؤُها عن بعد؛ قبل أن تعود المحاكم إلى فتح أبوابها بشكل تدريجي ابتداء من شهر سبتمبر، في إطار صارم من التمسك بالقواعد الحمائية المقررة.
وذكر أنه إذا كانت الإحصائيات أبانت عن وجود انخفاض في عدد القضايا وتأخّرٍ في آجال البت بالنسبة لبعضها، فإن المحاكم قد بذلت جهودًا جبارة للقيام بمهامها، متحدية ظروف الجائحة وإكراهاتها المختلفة، مما أدى إلى تحقيق نتائج لا بأس بها في الظاهر، ولكنها جيدة في العمق، إذا تَم الأخذ بعين الاعتبار توقف المحاكم شبه الكلي عن العمل خلال أربعة أشهر على الأقل بسبب الحجر الصحي، والإكراهات الواقعية التي صاحبت استئنافها لمهامها في الربع الأخير من السنة، المرتبطة بالتدابير الاحترازية التي تفرض التقليص من عدد القضايا المدرجة، بما يلائم إمكانيات استقبال أطرافها في ظروف تتناسب مع التدابير الوقائية المقررة من طرف السلطات العمومية.
وأفاد أن المحاكم المغربية سجّلت خلال السنة المنصرمة 2.738.107 قضية جديدة، بانخفاض يوازي 10.83% عن سنة 2019. كما تمكنت من إصدار أحكام في 2.600.240 قضية. وهو رقم يقل عن سنة 2019 بـ 16%. ورغم ذلك، فإن نسبة المحكوم بالنسبة للقضايا المسجلة ناهزت 95%، أي ناقص 6 نقط فقط عن سنة 2019 التي عرفت نسبة أحكام تجاوزت 101% من المسجل.
وأضاف أن غُرف محكمة النقض استطاعت البتّ في 40.561 قضية، متجاوزة العدد المسجل في القضايا بها، حيث زاد المحكوم عن المسجل بـ 22%، وهو رقم يسجل لأول مرة بالنسبة لإنتاج محكمة النقض؛ حيث إن ظروف الجائحة أدت إلى انخفاض عدد القضايا المسجلة من 51.591 في سنة 2019 إلى فقط 31.448، أي بنسبة انخفاض توازي 38%. بينما بلغ عدد القضايا المحكومة 40.561 قضية أي ناقص 6.000 حكم عن السنة الماضية، أي بنسبة انخفاض 12%.
وأكد محمد عبد النبوي في الكلمة التي تلقت «القدس العربي» نسخة منها، أن جائحة كوفيد 19 شكلت امتحانًا صعبًا لمؤسسات العدالة في المغرب، على غرار الكثير من القطاعات الأخرى التي تأثرت بها سلبًا في المغرب وفي أغلب دول العالم. وتابع قوله: إن سنة 2020 كادت تكون سنة بيضاء بالنسبة للمحاكم التي اضطرت في فترة الحجر الصحي إلى توقيف أغلب أنشطتها حماية للمتقاضين ولمهنيي العدالة، حيث اقتضت التدابير الوقائية التزام البيوت خلال فترة الحجر الصحي منذ أواخرمارس إلى غاية يوليو، بشكل شبه كلي؛ وهو ما استدعى اللجوء إلى وسائل استثنائية لتصريف القضايا الضرورية، ولاسيما عقد جلسات المعتقلين عن طريق المناظرة المرئية عن بُعْد. وأوضح أن هذا الإجراء مكّن قاعات المحاكم من التوفر على التجهيزات المناسبة في بضعة أسابيع، مع الاستمرار في تحسين جودتها لضمان شروط المحاكمة العادلة التي تتيح الوجاهية والحضورية بين الأطراف الموجودة في قاعة الجلسات بالمحكمة وفرعها الموجود في المؤسسة السجنية.
وأشار إلى أن المحاكم المغربية بتّت خلال الفترة ما بين ما بين تاريخ 27 نيسان/ أبريل 2020 تاريخ أول جلسة عن بعد ونهاية السنة المنصرمة، في ما مجموعه 88.079 قضية تهم معتقلين، مثلوا أمام المحكمة عن بعد حوالي 267.200 مرة، مشيراً إلى أنه جرى الإفراج عن حوالي 8.000 معتقل مباشرة بعد الجلسات (7.785) لأسباب مختلفة، كانوا سيظلون رهن الاعتقال لو لم تعقد جلساتهم بهذه الطريقة.
ولفت الانتباه إلى أن هذه المحاكمات التي تجري بموافقة من الأطراف ودفاعهم، تحترم كل شروط المحاكمة العادلة المنصوص عليها في المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، ولاسيما الحضورية والوجاهية بين الأطراف. وهو ما سمح ـ يقول رئيس النيابة العامّة ـ بتوقف نسبة المعتقلين الاحتياطيين على نسبة 45% من مجموع الساكنة السجنية.
العنف ضد النساء
وأضاف قائلاً إن رئاسة النيابة العامة قد عملت، منذ الأيام الأولى لإقرار الحجر الصحي، على وضع برمجيات معلوماتية لتلقي شكايات المواطنين دون ضرورة التنقل للمحاكم. وقد انصبّ الاهتمام بصفة خاصة على شكايات العنف ضد النساء التي لوحظ ارتفاعها على المستوى العالمي خلال فترات الحجر الصحي. وبالفعل، فقد تمكنت النساء من التبليغ عن هذه الأفعال بواسطة عدة منصات رقمية وهاتفية جرى وضعها خصيصاً لهذه الغاية.
ولاحظ أنه إذا كان الشهر الأول من الحجر الصحي في المغرب قد سجل فقط 148 متابعة من أجل العنف ضد النساء، فإن عدد المتابعات التي أقيمت خلال فترة الحجر الصحي المتراوحة بين 20 مارس و30 يونيو، ناهز 1.568 متابعة بسبب العنف ضد النساء، أي بمعدل 466 متابعة كل شهر؛ وهو رقم يظل أقل من الأرقام المسجلة في الفترات العادية التي توازي حوالي 1.500 متابعة شهرياً؛ يوضح رئيس النيابة العامة.
وأكد أن معالجة القضايا خلال فترة الحجر الصحي قد عرف مستوى لا يستهان به من النجاح، بفضل التنسيق بين السلطات والمؤسسات العدلية، ولاسيما المجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة ووزارة العدل وجمعية هيئات المحامين، وكذلك بفضل انخراط موظفي المحاكم وضباط الشرطة القضائية والمفوضين القضائيين والهيئات المهنية الأخرى، التي لم يَدَّخر المنتسبون إليها أي جهد لتقديم خدماتهم بالشكل الملائم للمرحلة، وفي احترام تام للتدابير الحمائية التي أقرتها السلطات العمومية المختصة.
المعتقلون احتياطياً
وتابع أنه نظراً لتوقف الجلسات في محكمة النقض خلال فترة الحجر الصحي، فإن عدد قضايا المعتقلين الاحتياطيين قد ارتفع من 1.156 مخلفة عن سنة 2019 إلى 1.381 قضية لم يبت فيها خلال سنة 2020، أي بزيادة 19%، رغم أن المحكمة استطاعت أن تبت في 2.577 قضية، وهو رقم يقترب من العدد المسجل الذي ناهز 2.650 قضية تخص معتقلين احتياطيين. وقد كان لانخفاض القضايا المسجلة واستقرار نسبة البت نسبياً، تأثير إيجابي على الرصيد المتخلف من القضايا بالمحكمة، الذي انخفض من 50.985 ملفاً إلى 41.872، أي بنسبة انخفاض توازي 17%.
وعلى العموم ـ يقول محمد عبد النبوي ـ فإن جهود قضاة محكمة النقض لم تتأثر كثيراً بإكراهات الجائحة، مما جعل المردود الإنتاجي للمحكمة في مستوى سنة قضائية عادية.
وقد تبين أن 24% من القرارات التي أصدرتها محكمة النقض لم يتم قبولها شكلاً، وهو ما يطرح مرة أخرى موضوع التخصص في قضايا النقض من قبل قضاة النيابة العامة وأعضاء الدفاع.
ولاحظ من جهة أخرى، أن عدد القضايا المنقوضة استقر في حدود 23.66% (9.597 قرارًا) وهي النسبة نفسها المسجلة في السنة السابقة. واستنتج من ذلك أن ما يزيد عن 76% من القضايا قد استعمل فيها الطعن بالنقض هدرًا للزمن القضائي، أي أن ثلاثة أرباع القضايا المحكومة لم يقبل فيها النقض، مما يطرح التساؤلات حول جدية تلك الطعون، والهدف من استعمالها، ولاسيما ما إذا كانت تستعمل بشكل غير متزن لتأخير الحسم النهائي في بعض القضايا.
وأفاد أنه لئن كانت محكمة النقض قد أصدرت 40.561 قراراً خلال السنة، فإن النيابة العامة لديها قد أسهمت في هذا الإنجاز المحمود عن طريق تقديمها لمستنتجات كتابية في جميع هذه القضايا، وبذلك ارتفع معدل المذكرات التي حررها كل واحد من المحامين العامين إلى 1.229 مذكرة، وهو رقم مرتفع جداً لا يسمح بالتعمق في دراسة الملفات وإجادة المذكرات والمستنتجات؛ يلاحظ رئيس النيابة العامة.





