أبجدية الثورة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

*كتبه التجاني بولعوالي في فبراير 2011

 

الدرس التونسي والامتحان المصري (ج 3)

الثورات تختلف من حيث مقدماتها، آلياتها ومقاصدها، إلا أنها لا تختلف من حيث مواقيتها، فهي تشبه فيما تشبه العاصفة، التي لا تنذر بأوان وصولها أو وقوعها. يحكي ميشليه في كتابه (الثورة الفرنسية) عن بعض إرهاصات تلك الثورة: “كانت الساعة الخامسة والنصف، وارتفعت صيحة من ميدان الجريفGreve “الساحل”. ضجة كبرى تصاعدت: بدأت أولا بعيدة، ثم ارتفعت واقتربت بسرعة. بقعقعة العاصفة. صيحة مدوية تقول: الباستيل سقط!!”. (نقلا عن كتاب لويس عوض: الثورة الفرنسية، ص 10). والباستيل هذا كان بمثابة سجن أقيم في فرنسا خصيصا للمعارضين السياسيين للدولة، كما كان رمزا للجور والاستبداد، ويرى المؤرخون أن الشرارة الأولى للثورة الفرنسية انطلقت منه، وذلك في 14 يوليو 1789، وقد أصبح هذا التاريخ اليوم عيدا وطنيا يحتفل به الفرنسيون كل عام.

إن سجن الباستيل الذي كان أول ما استهدفته الثورة الفرنسية، لا يختلف كثيرا من حيث الدلالة الرمزية عن البنايات التي سعى الثوار، سواء في تونس أو في مصر، إلى الإطاحة بها، كمباني وزارات السيادة، ومقرات الحزب الحاكم، ومصالح الشرطة، والسجون. وقد رأى الجميع كيف تمكنت جموع المتظاهرين في مصر على سبيل المثال، من تدمير عشرات مصالح الشرطة الموزعة على مختلف المقاطعات والمدن، وإحراق مقر الحزب الوطني الحاكم الضخم في القاهرة، الذي كانت تعد فيه استراتيجيات الطغمة الحاكمة، قصد الاستحواذ الشرس على خيرات البلاد، وممارسة الإذلال للمواطنين الأباة والعزل، فكان يشكل أهم رمز للطاغوت، استطاع أن يصمد ثلاثين عاما كاملة، غير أنه بمجرد ما هبت رياح الثورة، انهارت أركانه أمام إرادة شباب الثورة، كما انهار سجن الباستيل قبل أكثر من قرنين، الذي كان يقبر فيه المناضلون والمعارضون للسلطة، كما هو الحال لسجون الجلاد المصري، التي كانت محطة العديد من الضحايا والأبرياء، ليس المصريين فحسب، وإنما الفلسطينيين كذلك، الذين لم يسلموا من بطش النظام، وقد تواطأ مع العدو الصهيوني على حساب المقاومة الفلسطينية الباسلة، وهكذا تمكنت الثورة المصرية في لحظاتها الأولى من تسريح الكثير من السجناء، كما تمكن ثوار فرنسا من تحرير معتقلي الباستيل، ليكرر التاريخ نفسه بقوة.

اعتاد احتجاج الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج أن يتخذ طابعا اجتماعيا واقتصاديا، وكثيرا ما كان يطلق عليها الإعلام أسماء تحيل على معاني الجوع والحاجة والفقر، كثورة الجياع مثلا. غير أن هذا الطابع التقليدي للاحتجاج العربي، استحال إلى طابع آخر ذي منحى سياسي بحت، يطرح مطلب التغيير الجذري لا غير، في تركيبة الأنظمة الحاكمة كلها، رئيسا وحزبا وحكومة. وهذا لعمري تحول جوهري في أبجدية الثورة لدى الشعوب العربية، التي كانت تكتفي بالمطالبة ببعض الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، وإن هي تعدتها، وقلما يحدث ذلك، استغاثت بالنظام ليغير وزيرا معينا أو يقيل الحكومة الفاسدة، أما الرئيس فهو الحكَم وإن كان مستبدا، وهو المقدس وإن كان مدنسا.

هذا إن عبر عن شيء، فإنه يعبر عن الكيفية التي تغير بها مفهوم الاحتجاج لدى الشعوب العربية، منذ أن تلقت الدرس التونسي، فاستطاعت أن تستوعبه بسرعة تامة، وها الآن نرى تداعياته تترجم على أرض الواقع العربي، في أكثر من صقع وحيز، غير أن المخاض المصري يمر هذه الأيام بامتحان عسير، تنشدّ إليه أنظار العالم بشيء من الإعجاب وكثير من التخوف؛ الإعجاب بشعب عرف كيف يدير زمام معركة حامية الوطيس بين الحق والباطل، بين التسامح والطغيان، بين الاعتدال والفرعنة. والتخوف اللامبرر من ثورة تحرق ما زرعه الطاغوت من سلام مزيف، وتطبيع خبيث، ومفاوضات فاسدة، وخرائط طريق ضالة!

ثم إن الدرس التونسي وجد التربة المصرية مهيأة أكثر لاستنبات نموذج ثوري مماثل، لاسيما وأن الشارع المصري كان قد شهد بوادر أولية للثورة، منذ نشوء حركة كفاية عام 2004، التي تزعمها عدد مهم من المثقفين والإعلاميين، ثم تلتها حركات شبيهة بها، كشباب من أجل التغيير، وعمال من أجل التغيير، ومصريون من أجل التغيير، وصولا إلى حركة شباب 6 أبريل، التي شكلت منعطفا رئيسا في تاريخ مصر الحديثة، عندما دعت إلى مظاهرة 25 يناير الأخيرة، دون أن يعلم الجميع أنها سوف تمتد رقعة شرارتها إلى الأيام الموالية، عبر جمعة الغضب، والمسيرة المليونية، والاشتباكات الميدانية للثوار مع “بلطجية الرئيس”.

د. التجاني بولعوالي
*باحث في قضايا الإسلام والغرب
جامعة لوفان في بلجيكا

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...