ذ. أحمد براو*
3- تحديات الوسط الإجتماعي الإيطالي :
أ- تحديات الإمام الشخصية:
تواجه الإمام صعوبات جمة في مواكبة التطورات المطردة و السريعة لتكوين مجتمع متعدد الأعراق و الثقافات و الأديان، فبالإضافة لأداء واجب القيام بإمامة المسلمين و هذا ما يتطلب تضلعـا فـي الديـن و في الثقافة العامة و تشبعا بالموروث العلمي للفكر و الفلسفة الإسلامية، بحيث لا يكفي التفقه في الدين و المسائـل الفقهيـة و طـرق تصحيـح العبـادات، بـل يجـب أن يتوفـر عـلى آلـيـة الـعـقـل و الـنـقـل مـعـا و ميكانيزمات الموافقات بين النصوص و التنزيل على أرض الواقع بمراعاة مقاصد الشريعة أو الأهداف التي تسعى الشريعة لتحقيقها و الذي لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
فالمقصد العام للشريعة هو تحقيق مصالح الخلق جميعا في الدنيا و الآخرة و المقاصد الخاصة هو ما تسعى هذه الشريعة لتحقيقه في مجال خاص من مجالات الحياة كالنظام الأسري و الاقتصادي و السياسي.
أما المصالح البشرية الكلية فقد اتفق أهل الأديان السماوية و عقلاء بني آدم على أن ما يصلح به حال البشر هو حفظهم لهذه الكليات الخمس و هي:
(الدين – النفس – العقل – النسل – المال).
إذن فالطريق الأمثل لتحقيق المقاصد الكلية هـو الإنهمـاك فـي علـوم القـرآن تفسيـرا و تدبـرا و تأويـلا و تـلاوة و رسما، و كذلك علم الحديث سندا و متنا باعتماده على الأكثر قوة و صحة و وقعا في القلوب وتأثيرها تنويرا، ثم العقيدة عامة مع إعطاء الأولوية للأصول و ليس للقشور، ولا ينسى أنه يعلم الناس المعلوم من الدين بالضرورة فيما يتعلق بأحكام العبادات المتعلقة بالأركان أو مختصر فقهيات المسائل الضرورية كالطهارة والصلاة والصيام، ثم التزكية و الذكر للإستقامة و الانبعاث الروحي.
بحيث يعمل الإمام في الجانب البيداغوحي على إيصال الخطاب لجموع المسلمين و غيرهم بطريقة سلسة رقراقة و مبشرة، على بصيرة و حسن نية بدون انفعال أو تصادم.
تلكم هي الآليات التي يحتاجها الإمام لتحقيق كليات الشريعة، تبقى الطريقة هي كيفية تعامله مع العراقيل و المشاكل التي تواجهه داخل منظومة الجماعة المسلمة التي تتبنى طرق الانتقادات و البحث عن العيوب فهنا يجب أن يحسن التعامل في هذه الظروف و ذلك بالتحلي بالصبر و الحكمة، و الإصغاء و قضاء الحوائج، و التواصل الدائم و الشاشة، و الإستشارة و حسن العشرة. و قد يكون كذلك بالإعراض عن الجاهلين و السفهاء و المثبطين و أن يدع أذى الماكرين و الأعداء و يصفح و يعفو و يخفض الجناح.
“خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ”.
“وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ”.
و مع سعيه لتحسين مستواه و تطوير إمكاناته بالعلم و التعلم و التكوين العالي و ملازمة العلماء الربانيين الذين يسدون له النصائح و الهدايات.
ب – تحديات الإمام الأسرية:
الإمام هو مثل باقي الناس بالإضافة لكونه مسؤول و أمين عن دينهم و خلقهم، فهو أب و زوج و له أهل و أقارب و جيران، و كذلك إخوة و أصدقاء يخالطهم في أغلب أوقاته و حياته اليومية.
فهو يعطي أهمية قصوى لبناء الأسرة الصغيرة التي هي اللبنة الأولى للمجتمع المسلم بحيث تكون قدوة لباقي الأسر المسلمة مبنية على التوازن و الالتزام و التربية و العلم ” كلكم راع و كلكم مسؤول عن رعيته”. فالإمام الزوج و الأب يجمع أكبر مسؤولية بحيث ينظر إليه كقيمة مجتمعية يقود الناس نحو النجاح و الفلاح الدنيوي و الأخروي.
فهو يسعى لتوفير الحاجيات لأهل بيته من مسكن و مأكل و ملبس و مركب و غير ذلك من المتطلبات لحياة عادية و بطريقـة وسطيـة لا إفـراط و لا تفريـط، و يحـرص عـلى تعليـم و دعـوة زوجتـه و أولاده و يربيهم على النشء الحسن داخل أسرة يسودها الإحترام و الرحمة و المسؤوليـة كمـا يسـودها الهـدوء و الطمأنينة و لا بد من الفسحة و الانضباط بحرصه على تنظيم الوقت و إعطاء كل ذي حق حقه، فلنفسك عليك حق و لأهلك عليك حق، و لا يشطط في استعمال السلطة و أداء الحقوق، و هنا يجب أن يأكل من عرق يده إقتداءا بالأنبياء، و يتحرى الحلال و يتورع عن الشبهات في الكسب و الإنفاق، و لا يجعل يده مغلولة إلى عنقه و لا يبسطها كل البسط. هذه تحديات قلما ينظر إليها الأئمة نظرة ذات أهمية لأنها تؤثر على مساره العملي و الدعوي و على سلوكه و نفسيته و بالتالي فلها عواقب وخيمة على وظيفته الأساسية و هي الإمامة.
ثم إن له أقارب و عشيـرة ينظـرون إليـه نظـرة إجـلال و تقديـر بصفتـه مختـار لحمـل هـذه الرسالـة و ينتظرون منه أن يعطيهم مما أعطاه الله من موهبة و ما حباه من قوة إيمان و علم و ورع و تقى.
و قد عبر رئيس المجلس الأوروبي للعلماء المغاربة عن ذلك في الملتقى الأوروبي للأئمة حول موضوع الإمامة في أوروبا تحديات الواقع و رهانات المستقبل بمشاركة حوالي 150 إماما مغربي في أوروبا يوم 25 نونبر 2017، حيث أكد السيد الطاهر التجكاني على ضرورة إعطاء الكلمة للإمام للتعبير عن آماله و إشكالياته و تطلعاته و التحديات التي تواجهه، و يقترح الحلول وفق رؤيته الخاصة باعتباره شريكا في صنع حاضره و مستقبله و تحقيق الأمن لمجتمعه مبرزا أن مهمة الإمام تتجاوز المحراب لمهام أخرى رمزية لأنه الخطيب المرشد و الأب المربي و المستشار الاجتماعي و الوسيط الثقافي و هو صورة الإسلام و مرآته في المجتمع الغربي.
ج – الجماعات الإسلامية المختلفة
هناك تحديات حول كيفية استيعابها و التعامل معها، ومن مبدأ “المؤمنون إخوة” و التعاون على الخير، و استشارتها في الأمور العامة التي تهم المسلمين و الإستفادة منها انطلاقا من تجاربها في الدعوة و التعليم و استفراغ الجهـد مـن أجـل الصالـح العـام للمسلميـن و إبداء الرأي و المشورة والتجارب الكامنة داخل هذه المنظومات الجمعوية، و ترك الجدال الفارغ و المراء العقيم الذي لا يورث نتيجة و لا يجدي نفعا بل ينفّر القلوب و يفرّق الجماعات فيما الإمام يحتاج لجمع القلـوب و تأليفها و تركيب الأفكار وتوحيدها.
فالإمام في أغلب الأحيان يُجمع عليه من طرف المسلمين و يعيّنونه باتفاق بينهم بحيث يكون أعلمهم دينا و أحسنهم خلقا و أحرصهم على هداية الناس و رحمة بالخلق جميعا فواجب هنا حسن الإختيار و التعاون معه على حمل هذه الأمانة و تأدية هذه الوظيفة الصعبة.
د – تحديات المجتمع الإيطالي:
الإمام في أوروبا و إيطاليا يعيش في مجتمع غير مسلم لكنه مسالم و قليل التدين لا يهتم كثيرا للجانب الروحي لكنه مجتمع فضولي بالنسبة للإسلام و يريد معرفة أكثر عن خبايا هذا الدين السماوي، و يحب الإطلاع على الجانب السيكولوجي للمسلمين و ذلك باعتبار أن الدستور الإيطالي يعتبر من أرقى الدساتير في أوروبا يكفل التعدد الديني و الثقافي و حرية الممارسة الدينية، فالإيطاليون يسعون لتحليل ديناميكيات علم الاجتماع عند المسلمين بين الشفهي و التطبيقي ليستنتجوا هل فعلا هؤلاء المسلمون غزاة دخلاء كمـا يـروج لـه بعض التبارات اليمينيـة المحافظـة أم أنهـم مستعـدون للتوافـق و الإندمـاج، و احتـرام القوانيـن و الدساتير، و التعايش مع باقي الأديان أم يسعى فقط للإنتشار و الغزو و إجبار الناس على اعتناق الإسلام أو اعتبار غير المسلمين كفارا يجب معاداتهم و فرض تعاليم الإسلام عليهم و شريعته و قوانينها السماوية فوق تشريعاتهم و قوانينهم الوضعية، و هو بذلك يهدد كيانهم و وجودهم، وأنه إذا لم يتمكن المسلمون من تحقيق ذلك آنيا نظرا لضعفهم و قلتهم، فهم يعملون عليه مستقبلا بفضل الهجرات المتتالية و النمو الديموغرافي للمسلمين، مستعينين و مستدلين على ذلك بحديث “لا تقوم الساعة حتى تفتح رومية!!!“
فالإسلام هو أولا وآخرا دين لأناس غرباء مهاجرين و فقراء تبعيون لا يجوز لهم و لا ينبغي لهم أن يهددوا هوية و الثقافة الأوروبية ذات جذور مسيحية مبنية عـلى علمانيـة منتقـاة تستطيـع أن تغربـل مـا يمكـن قبولـه و رفضه (Ambrosini).
لذلك فالمسلمون ينظر إليهم على أنهم أتباع ديانة ثيوقراطية و ثقافتهم تولي الجانـب الروحـي و الديني قدر و أهمية أكثر من الجانب السيسيولوجي، فالإمام هو الناطق الرسمي باسم المسلمين و لسانهم وهو المنظّر لأفكارهم و الموجه لهم، بالتالي فهو الطرف الذي يجب التعامل معه بحذر بل و حتى بقسوة، لذلك تم طرد أكثر من مائة إمام في العشرية الأخيرة من إيطاليا، أغلبهم مغاربة و تونسيون و مصريون و باكستانون بل منهم من أودِع السجون، فكلام الإمام و خطابه و طريقة تدينه التي تعبّر عن أفكاره و هواجسه، تكون في موضع بحث تحليلي سيسيولوجي، فالدين يعتبر نظام معقد لتنظيم بعض ضروريات البشر الأساسية الروحانية، فهو بالتالي إستراتيجية معرفية في نظرية العوامل الخمس المهمة، قيـد البحـث و الدراسـة ألا و هي:
(الإيمان – التجربة – الممارسة – الانتماء و المعرفة).
فلقد عرفت أوروبا في الخمسين سنة الأخيرة موجة هجرة جماعية طارئة لأناس ذوو أصول إسلامية في الأغلب لهم ثقافة دينية مختلفة، مما جعل هذه الكتلة الأوروبية تتبنى نظرية المجتمع المتعدد الأعراق و الثقافات و الأديان، و حسمت هذا الأمر خصوصا في النظم الدراسية و الثقافية و الوطنية العامة، لأن هذه هي الطريقة الوحيدة لتحقيق مبادئ و قيم الحضارة الغربية المبنية على حقوق الإنسان و الحرية و المساواة و العدالة الاجتماعية و نبذ الحروب و العنف و التمييز العنصري و لتحقيق الرفاهية و التعايش و العيش المشترك بين جميع مكونات المجتمع، هنا كان لا بد للمسلمين أن يوجههم الأئمة لاستيعاب هذا الانفتاح الإيجابي، نظرا لملائمته لقيم و مبادئ الإسلام، و كذلك لقدرة الإسلام على التكيف و التناغم مع المبادئ الأوروبية لكونـه لا يتعـارض مـع الديمقراطيـة و حقـوق الإنسـان و الحريـات و يقبـل التعـددية و الاختلاف و التنوع، مشكلين قيمة حضارية مضافة لمجتمعات الإقامة، كما يمكن لهذه التجربة الناجحة أن تساهم في تحقيق نقلة نوعية في العالم الإسلامي.
4 – تحديات الإمام كوسيط ثقافي:
من هنا يبرز دور الإمام كوسيط ثقافي و فاعل جمعوي و مستشار اجتماعي، هذا التحدي يجعل منه قنطرة تحظى بالقبول سواء من المجتمع المسلم أو بلد الإقامة لأنه يستطيع بكل بساطة أن يمد جسور التعاون و الإنسجام بين جموع المسلمين و المؤسسات الرسمية منها و الأهلية، و الحركـات الإجتماعيـة و الثقافية و النقابية و الدينية و هذه الأخيرة عبر بناء صرح ما يسمى “بالحوار بين أهل الديانات” و ليس حوار الأديان كما يروج له البعض – هذا البناء الحضاري الراقي الذي تعتبر إيطاليا كنموذج أوروبي نظرا لوجود دولة الفاتيكان و كذلك مؤسسات موازية نشيطة جدا في التقارب و التحاور مثل كنيسة القديس فرانشيسكو دي أسيزي (Assisi) و حركة الفوكولاري، و سكرتارية الأنشطة المسكونية (SAE)، هـذه المنظمـات و الحركـات لهـا دور كبيـر فـي خلـق لقـاءات و تنظيم مهرجانات من أجل السلام و الحوار بين باقي الأديان و الثقافات.
إذن فالإمام هو المحاور الأول و الممثل الرسمي للمسلمين داخل هذه الفعاليات رغم ذلك يبقى هناك عمل شاق و جاد للأئمة خصوصا داخل الجالية المسلمة و المهاجريـن مـن الـدول الإسلاميـة لإدماجهـم و توجيهم التوجيه السليم و لتحقيق حاجياتهم الروحية و الثقافية و الإجتماعية و للحصول معهم على الحقوق الدينية و الحريات التي يكفلها الدستور الإيطالي مثل باقي الأديان لأنه لا يعقل أنه لحد كتابة هذه السطور لازال المسلمون لوحدهم لم يستطيعون أن يحصلوا على الإتفاقية الإعتراف بالإسلام كدين رسمي، برغم إمضاء الوثيقة الأولى سنة 2005 مع وزراء الداخلية الإيطالي “بيزانو” ، وبعدها مذكرة التفاهم “ألفانو” 2010، حول الإسلام الإيطالي و بعدها مع “مينّيتي” حول ميثاق القيم للمواطنة و الإندماج، لكن لا يزال هناك صعوبات جمة مع صعود اليمين المتطرف و الشعبويين و كذلك ازدياد المعاداة للمهاجرين واستفحال ظاهرة الإسلاموفوبيا.
* فاعل جمعوي باحث في علوم التربية بجامعة كالابريا.





