*ذ. أحمد براو
إن ما يسمى حوار الأديان بغض النظر عن المصطلح يعتبر مفهموما قيما لنشر مبادئ التعايش والتفاهم والتعاون بين أتباع الأديان ووسيلةً فعَّالة من أجل بناء السلام وتحقيق الأمن وإقامة العلاقات السليمة بين الشعوب، واحترام حقوق الإنسان؛ والحريات الأساسية المنصوص عليها في العهود والمواثيق الدولية.
ومن خلال جهود الأفراد والقيادات والمؤسسات الدينية يمكن العمل من أجل تحقيق نتائج عملية لبرامج ومبادرات متنوعة تسهم في تقديم صورة عقلانية مشرقة عن تراث الإسلام. وهذا أحوج ما نكون إليه اليوم خصوصا في أوروبا بعد أن شوّهت صورة ديننا وتراثنا في المحافل الدولية من جراء بعض الأعمال الإجرامية والتفجيرات الإرهابية العمياء أدت إلى تدهور العلاقة بين الإسلام والغرب وخصوصا المسيحي نظرا للصراع التاريخي والموروثات السلبية والأفكار المسبقة التي استفحلت أواخر القرن والماضي وبداية هذا القرن.
إن تفهّم كل طرف للآخر يتطلب شرطا أوليا مسبقا، يحترم كلاهما ويتقبله حسب فهمه لذاته. هذا يعني للمسلم أن يتقبل المسيحيين كما هم، غيرَ واصمٍ لهم بأنهم مشركون كفرة، حتى وإن كانوا من وجهة النظر الإسلامية، يدينون بوحدانية متميّعة، وبالمقابل على الجانب المسيحي وهيئاته أن تعترف بأن الإسلام دين يهدي للخلاص يجب معاملتهم بالإحترام الكامل واحترام نبيهم وكتابهم.
في الحقيقة لابد أن نعترف أن الجانب المسيحي بذل جهدا محمودا يشهد له الجميع في سبيل الحوار بين الأديان باستثناء المرحلة الوجيزة التي تقلد فيها البابا بينيديكت السادس عشر، كرسي البابوية في الفاتيكان.
فقد أشرفت الكنيسة منذ الثمانينات على عقد المؤتمرات والندوات في مجال التقريب والحوار، وأصدرت منشورات ورسائل جادة وقيّمة تدعو أتباعها إلى تبني نهج التلاقي وتبادل التهاني في مناسبات الأعياد متمنيين للمسلمين الخير والأمن والسلام، كما أهابت الكنيسة لأتباعها وممثلي مختلف الأديان لأداء صلوات جماعية في مدينة أسِّيزي بإيطاليا منذ 1986 وحرصت عليها في السابع والعشرين أكتوبر من كل سنة كما تشكلت بعض الجمعيات والمنظمات بحيث كان غرضها العمل على نشر ثقافة السلام والحوار والتعددية الدينية مثل الفوكولاري وسكرتارية الأنشطة المسكونية وغيرها.
صحيح، قد يحدث هذا التوافق في جانب التعايش والتلاقي على الإحترام المتبادل ولنشر مبادئ السلم والأمن ولكن يبقى التقارب جد محدود من الجانب العقائدي لأن كل دين يصطدم بنقاط جوهرية معقدة وصلبة يتحاشى كل طرف التطرق إليها لأنه لا مجال فيها للمساومة والتنازل وهي فيما يخص العلاقة بين الإسلام والمسيحية: كون المسيح ابن الله لدى المسيحيين، وكون القرآن وحي من عند الله منزل على خاتم النبيين لدى المسلمين.
فلذلك تعتبر الكلمة محور التناقض فإذا كانت الكلمة تجسدت عند المسيحيين لحما (عيسى) فهذه الكلمة تجسدت كتابا في الإسلام (القرآن). كما أشارت لذلك المستشرقة الألمانية الصوفية آن ماري شيمل:
“إن القرآن في اعتقاد المسلم كلمة الله المجسدة في كتاب، كما أن عيسى في اعتقاد المسيحيين كلمة الله المجسدة لحما ،أي أن محمدا هو الوعاء الذي احتوى كلمة الله فتدفقت منه إلى العالم ،وكما أن القرآن ظل قرونا غير مفهوم ،بحيث أسيء فهمه، كذلك ظلت صورة النبي محمد غير مفهومة بحيث أسيء تصوير شخصيته، إذ هو لكل مسلم أسوة حسنة وقدوة مثلى في كافة أفعاله وأقواله، فترى المسلمين حريصين على اتباع سنته، والإقتداء به، بصفته المثل الأعلى.”
فإذا استطاع الإخوة المسيحيون استيعاب هذه المفاهيم فهناك الكثير من القواسم المشتركة كفيلة بإحداث التوافق والتفاهم.
ولهذا فإن المصالحة “riconciliazione” بين الأديان تبقى واردة بخلاف ما يتوهمه البعض من أنها عديمة الجدوى، وصرخة في واد كما يعتقد أغلب الأتباع، وفي نفس الوقت تتفق الأطراف على التفاهم والحوار بدون أن يأمل الجميع من اتخاذ دينا واحدا موحدا كما يروج له حاليا بما يصطلح عليه بالديانة الإبراهيمية.
ولهذا فمن الممكن جدا إحداث ذلك التقارب ولكن فقط إذا حسُنت النية وانتفت النوازع والعواطف الخفية التي تستهدف الإستقطاب والدعوة والتبشير، وبدون تبخيس وتهميش أو استهزاء بالتعاليم والمقدسات التي يؤمن بها الطرف المقابل، لأنه ليس لنا سبيل إلا تفهّم بعضنا البعض.
لقد عمل قداسة البابا فرانسيس مند توليه كرسي البابوية في مارس 2013 على إحداث تغيير جذري في موضوع الحوار والأخوة الإنسانية بعدما عرف جمودا إبان البابا المستقيل بينيديكت السادس عشر، فقد عمل على إعادة الأنشطة التواصلية والحوارية خصوصا مع العالم الإسلامي وقام بزيارات تاريخية لكل من تركيا ومصر والمغرب والإمارات والعراق وأمضى على وثائق واتفاقات ومعاهدات تاريخية في مصر والمغرب والإمارات أهمها “وثيقة الإخوة الإنسانية” Fratellanza Umana الموقعة مع الإمام الأكبر للأزهر الشيخ أحمد الطيب، ومباشرة بعد عودته وجّه وثيقة رسولية إلى الأساقفة والمؤمنين في العالم بأسره وإلى أولئك الأقليات الذين يعيشون جنبا إلى جنب مع باقي أتباع الديانات الأخرى، حول مواضيع تتعلق بالعقيدة الكاثوليكية “إنشيكليكا Enciclica” تحت إسم “إخوة جميعا” تحتوي على المواقف الدينية والسياسية والإجتماعية الخاصة، تتكلم بالتفاصيل عن موضوع الحوار بين الأديان وضرورة العمل على الرفع من مستوى اللقاءات والحوارات والمبادرات للتعاون والتكامل ونشر تلك الثقافة بين المؤمنين وحتى اللادينيين.
إن المسلمين اليوم مطالبون بحسم مواقفهم والعمل بكل شفافية ووضوح ليلتحقوا بالركب الداعي إلى نشر ثقافة السلام والوئام والمحبة بين جميع البشر ودعوة أتباع الدين الإسلامي للتشبع بهذه الثقافة التي لها حيز كبير في التعاليم الإسلامية وكل المسلمين يؤمنون بأن دينهم دين سلام، ولا أدَلّ على ذلك من الآية الكريمة المشهورة “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا” وقوله تعالي “قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء”.
ففي جميع أرجاء العالم المتحضر هيئات ومبادرات مختصة تدعم التوعية حول قيم التسامح والعيش المشترك والمآخاة في الإنسانية وقبول الآخر ورفض التعصب الديني والنظر بدونية للأشخاص من غير معتقد، والإنفتاح على أفكار الآخرين وعلى التنوع في نسيج المجتمعات والإحترام ورفض العنصرية والكراهية بأشكالها والدفاع عن حرية الأديان ورفض الاضطهاد الديني والأحكام المسبقة ومحاربة الإسلام-فوبيا ومعادات السامية والإستهزاء بالمقدسات والرموز الدينية.
*باحث مغربي بإيطاليا في مجال التربية والثقافة والمجتمع وناشط جمعوي إسلامي





