لماذا تقوم السلطة في الجزائر بشيطنة النقابات والإضرابات العمالية؟

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*ناصر جابي

 

عملية شيطنة سياسية وإعلامية واسعة تقوم بها السلطات العمومية للفعل النقابي المطلبي، هذه الأيام في الجزائر. رغم السلمية التي ميزت على الدوام النشاط النقابي في البلد، شاركت فيها لأول مرة المؤسسة العسكرية، من خلال مجلة الجيش، التي ربطت بشكل واضح بين موجة الإضرابات العمالية، ومشروع تعطيل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، تحت غطاء إضرابات عمالية، ظاهرها المطالبة بحقوق العمال. كما جاء في هذه الافتتاحية التي اقحمت المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية بشكل سافر. في حين تكلمت مصالح الوزارة الأولى عن مشروع زرع فتنة، تكون وراءه هذه الحركات الاحتجاجية، التي تقوم بها بعض الحركات المغرضة.

مجلس الوزراء نفسه كان في وقت سابق قد تكلم عن هذه الإضرابات العمالية، بالنبرة نفسها، حتى وهو يدعو إلى فتح حوار مع الشركاء الاجتماعيين، بعد أن وصله صدى هذه الاحتجاجات، وهو في حالة اجتماع يوم 2 مايو/أيار الحالي، حين تم منع مسيرة عمالية كانت متوجهة لرئاسة الجمهورية – مكان الاجتماع – قام بها رجال الحماية المدنية. تماما كما فعل ذلك رجال الشرطة في أكتوبر/تشرين الأول 2014. في زمن سياسي كانت فيه الجزائر تعيش غليانا سياسيا كبيرا، عبّر عن نفسه سنتين بعد ذلك في حراك فبراير/شباط 2019.

إضرابات ستستمر هذه الأيام، إذا عرفنا أن عددا كبيرا من النقابات المستقلة -13 نقابة – بما فيها نقابات جديدة، ظهرت إلى الوجود في الشهور القليلة الماضية، قد هددت بإضرابات واسعة في قطاع التربية، لمدة ثلاثة أيام بداية من يوم الأحد 9 مايو. تأكيدا للفرضية السائدة على مستوى الساحة السياسية التي تقول، إن الجزائر مقبلة على حالة غليان اجتماعي واسع، بنكهة سياسية واضحة، في وقت يرفض فيه النظام السياسي التعامل الإيجابي مع الحراك الشعبي، لن تشارك فيها الحركة النقابية فقط، بل ستمس فئات شعبية واسعة، غير مهيكلة تنظيميا بالضرورة، ما سيزيد حتما من صعوبة التحكم في تبعات هذه الحركات الاحتجاجية، التي لن تكتفي بالبقاء داخل مكان العمل كالمصنع، بل ستخرج إلى الشارع والفضاء العام. احتجاجا على تدهور الوضع الاقتصادي والاجتماعي، للكثير من الفئات الاجتماعية، التي ساءت حالتها الاجتماعية بشكل واضح في السنوات الأخيرة، زادته تبعات وباء كورونا استفحالا. إضرابات عمالية كانت حاضرة لدى الجزائريين على الدوام، تمت بغطاء نقابي أم من دونه، كما كان يحصل في الغالب، اتخذت منها السلطات موقفا معاديا في الغالب الأعم، مهما كانت مطالبها التي يغلب عليها الطابع المادي والاقتصادي حتى الآن، تزداد العداوة لها إذا حصلت في القطاع العام والوظيف العمومي، الذي تنشط فيه نقابات كثيرة ومتنوعة، عكس القطاع الخاص الذي تكاد تختفي داخله النقاباتن رغم أنه هو الذي يوظف أكثر من القطاع العام، عكس الصورة التي كانت شائعة وما زالت عن الجزائر. إضرابات تزداد العداوة الرسمية لها، إذا حصلت داخل الوظيف العمومي الذي يملك الدولة كرب عمل، وقامت بها بعض الفئات المهنية ذات الخصوصية المهنية، كما كان الحال في الأيام الأخيرة الماضية، عندما تعلق الأمر برجال ونساء الحماية المدنية، الذين زادوا في القيمة التعبيرية لإضرابهم بالتوجه نحو مقر رئاسة الجمهورية، ما عرضهم للغازات المسيلة للدموع التي استعملتها الشرطة ضدهم، لثنيهم عن التوجه الى هذا المكان السياسي الرمزي، بعد ان تيقنوا أن الاستماع لهم ولمطالبهم سيكون منعدما تقريبا، إذا اكتفوا بالاحتجاج داخل ثكناتهم المتناثرة داخل التراب الوطني الواسع، في مجتمع ابتُذل فيه الإضراب العمالي وهو يفقد عمقه الثوري الذي كان مرتبطا به تاريخيا.

الجزائر مقبلة على حالة غليان اجتماعي واسع، بنكهة سياسية واضحة، في وقت يرفض فيه النظام السياسي التعامل الإيجابي مع الحراك الشعبي

موضوع الموقف من النقابات العمالية وأشكال الاحتجاج، التي تلجأ لها دوريا كالإضراب، الذي يحيلنا إلى ما تريده السلطة في الجزائر كمشروع مجتمع. في هذه الجزائر التي تتحرك كثيرا، يمكن ان تذهب في كل الاتجاهات، بعد أن التحق الكثير من الفئات الاجتماعية، كما هو حال الفئات الوسطى بهذا التيار المطلبي الجارف، الذي سيطر على المجتمع الجزائري. في حضور نخبة سياسية رسمية تقول الكثير من المؤشرات إنها نخبة محافظة، بعيدة عن اهتمامات عالم الشغل الذي لا تعرف عنه الكثير، وتجهل أبجديات تسييره العقلاني، رغم أصولها الاجتماعية الشعبية. نخب لم تعد تملك مشروعا سياسيا عصريا، يمنح مكان الصدارة لعالم الشغل بمؤسساته وفئاته المهنية المتنوعة، بما يفرضه من إنتاج لمؤسسات الحوار والصراع والتمثيل، كما هو حال النقابات المهنية – بما فيها نقابات أرباب العمل -المختلفة المعبرة عن هذه القوى التي يفترض أن يزداد دورها داخل أي مشروع عصري، عكس ما هو حاصل ونحن نرى كيف ركزت هذه النخب السياسية الرسمية على فئات حديثي النعمة، من أصحاب المال مشبوه المصدر، الذي يعتمد على نشاطات غير منتجة، كما هو حال التجارة الدولية الأقرب لمنطق الترابندو، هدفها تحويل الجزائر إلى سوق مفتوحة لسلع الرأسمالية الدولية، والاكتفاء بدور المستهلك، كما عبر عنه فشل مشروع بناء صناعة السيارات، بدل المساهمة في الإنتاج الذي كان طموح الجزائر في وقت سابق..

مشروع سياسي -اقتصادي يفترض سيطرة لأصحاب المال الفاسد في المجال السياسي، الذي لم تعد النخب الرسمية قادرة على محاربته على أرض الواقع، رغم ما تدعيه من شعارات، كما هو حاصل هذه الأيام بمناسبة قرب الانتخابات التشريعية، التي ستعيد من دون أدني شك إلى الواجهة أصحاب «الشكارة» بأشكالهم وصيغهم المختلفة، بعد أن سيطروا على مواقع مهمة على مستوى الساحة السياسية داخل الحزب والجمعية والمجال الإعلامي، الذي يتحكمون فيه بشكل يكاد يكون تاما. وهو ما يفسر هذه الشيطنة التي تتعرض لها النقابات العمالية وأشكال الاحتجاج الجماعية، التي تلجأ لها، كالإضرابات التي لم تعد مقبولة بالنسبة لأصحاب هذا المشروع السياسي الذي لم يعد يؤمن بجزائر تتحرك وتدافع عن حقوقها، في العلن وهي تتوجه نحو المستقبل، لبناء مؤسسات قوية للحوار الاجتماعي، بعيدا عن ثقافة المؤامرة والخطاب التخويني، الذي يرى وراء كل جزائري عميلا لقوى أجنبية، يريد إدخال البلاد في فتنة. خطاب تخويني يعكس التخبط الفكري – السياسي الذي تعاني منه هذه النخب العاجزة عن اقتراح مشروع بناء عصري للجزائريين، يمكن أن يجندهم، وهم يبنون مؤسسات عصرية لحل صراعاتهم، والتفاوض السلمي حول مصالحهم المتنوعة والمختلفة بالضرورة، كأي مجتمع يتجه نحو بناء ذاته. لا يمكن تصور الانطلاق فيه إلا بالاستماع إلى صوت الحراك الشعبي، الذي يعبر عن أحسن ما هو موجود في هذا المجتمع الجزائري التواق إلى معانقة العصر.

*كاتب جزائري

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...