*دكتور محمد براو
المحور الثاني: الحكامة الاقتصادية
سيرا على المنهج المتبع في هذه الأوراق التحليلية، بمحاورها الأربعة، يتناول المحور الثاني في مبحث أول فحوى المنظور الملكي للحكامة الاقتصادية (أولا) وفي مبحث ثان محاولة من الباحث في بسط تأملاته واستنتاجاته (ثانيا).
أولا: المنظور الملكي للحكامة الاقتصادية
الدور الاقتصادي للبنيات التحتية في المشروع الملكي التنموي : إدراكا من الملك محمد السادس بأن بناء اقتصاد عصري، رهين بإيجاد التجهيزات الأساسية، باعتبارها دعامة للتحديث الاقتصادي، والإقلاع التنموي ، فإن إنجاز المشروع الاستراتيجي الملكي للتنمية بالمغرب، يتطلب الإسراع باستكمال مختلف البنيات التحتية، ولا سيما منها الشبكات الطرقية، والهدف المنشود هو تمكين كل جهات المملكة، من الاستثمار الأمثل لمؤهلاتها الغنية، في مجال التنمية الجهوية، والاندماج في النسيج الاقتصادي الوطني، مما سيعمق انتماء المغرب لفضائه الأورو متوسطي، ولمحيطه المغاربي والإفريقي والعربي، حتى يصبح قطبا محوريا وشريكا فاعلا في المبادلات الدولية، مندمجا في الاقتصاد العالمي.
العمل من أجل التنمية القروية من خلال النهوض بالقطاع الفلاحي: لكون العالم القروي، هو الأكثر معاناة من العجز الاجتماعي، فإن التأهيل الشامل للاقتصاد الوطني، لن يتم –وفق المنظور الملكي- إلا باستراتيجية ناجعة للتنمية القروية، المبنية على تحويل القطاع الزراعي التقليدي، إلى فلاحة عصرية ومنتجة. لذلك ينبغي نهج سياسة فلاحية جديدة، توطد ما حققه المغرب من تجهيزات ومنجزات، وتعتمد الاستثمار الأمثل لخصوصيات تربة كل جهة، للرفع من الانتاجية في الزراعة، والصناعات الفلاحية الأنسب لمؤهلاتها وثرواتها الطبيعية، مع استشعار مدى إكراهات البيئة، وندرة الموارد المائية، وزحف التصحر.
الأوراش الكفيلة بتشجيع الاستثمار لرفع تحدي التنمية الاجتماعية: وفقا للمنظور الملكي لا يمكن توفير فرص الشغل، أو إيجاد منظومة اجتماعية عصرية ولائقة، إلا بإحداث نقلة نوعية في مجالات الاستثمار، ودعم القطاع الإنتاجي الوطني. يتعين، على الخصوص، العمل، على إنجاح ثلاثة أوراش أساسية:
أولها: إصدار ميثاق اللاتمركز الإداري، داخل أجل لا يتعدى نهاية شهر أكتوبر المقبل، بما يتيح للمسؤولين المحليين، اتخاذ القرارات، وتنفيذ برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية، في انسجام وتكامل مع الجهوية المتقدمة.
وثانيها: الإسراع بإخراج الميثاق الجديد للاستثمار، وبتفعيل إصلاح المراكز الجهوية للاستثمار، وتمكينها من الصلاحيات اللازمة للقيام بدورها، مثل الموافقة على القرارات بأغلبية الأعضاء الحاضرين، عوض الإجماع المعمول به حاليا، وتجميع كل اللجان المعنية والاستثمار في لجنة جهوية موحدة، وذلك لوضع حد للعراقيل والتبريرات التي تدفع بها بعض القطاعات الوزارية.
وثالثها: اعتماد نصوص قانونية وفق إدارة رشيدة للموارد الزمنية، تنص: من جهة، على تحديد أجل أقصاه شهر، لعدد من الإدارات، للرد على الطلبات المتعلقة بالاستثمار، مع التأكيد على أن عدم جوابها داخل هذا الأجل، يعد بمثابة موافقة من قبلها، ومن جهة ثانية: على ألا تطلب أي إدارة عمومية من المستثمر وثائق أو معلومات تتوفر لدى إدارة عمومية أخرى؛ إذ يرجع للمرافق العمومية التنسيق فيما بينها وتبادل المعلومات، بالاستفادة مما توفره المعلوميات والتكنولوجيات الحديثة. هذه الإجراءات الحاسمة التي تم تنفيذها تدريجيا وتم تعميمها وتقنينها رسميا في بداية سنة 2021 تشكل حافزا قويا وغير مسبوق للاستثمار، وخلق فرص الشغل، وتحسين جودة الخدمات، التي تقدمها للمواطن، والحد من التماطل، الذي ينتج عنه السقوط في الرشوة، كما يعرف ذلك جميع المغاربة.
الارتقاء بتنافسية المقاولة، وبقدرتها على التصدير، وخلق فرص الشغل، ولا سيما منها المقاولات الصغرى والمتوسطة، التي تستدعي اهتماما خاصا؛ لكونها تشكل 95 في المائة من النسيج الاقتصادي الوطني، والأمر كذلك لأن المقاولة المنتجة تحتاج اليوم، إلى مزيد من ثقة الدولة والمجتمع، لكي يستعيد الاستثمار مستواه المطلوب، ويتم الانتقال من حالة الانتظارية السلبية، إلى المبادرة الجادة والمشبعة بروح الابتكار. فاستعادة الحيوية الاقتصادية تظل مرتبطة بمدى انخراط المقاولة، وتجديد ثقافة الأعمال، واستثمار المؤهلات المتعددة، التي يتيحها المغرب، مع استحضار رهانات التنافسية الدولية، بل والحروب الاقتصادية أحيانا.
استراتيجية النهوض بالطاقة المائية: ، لقد تم وضع المخطط الوطني للماء ليعالج مختلف الإشكالات المرتبطة بالموارد المائية خلال الثلاثين سنة القادمة. كما أن الحكومة والمؤسسات المختصة، مطالبة باتخاذ تدابير استعجالية، وتعبئة كل الوسائل لمعالجة الحالات الطارئة، المتعلقة بالنقص في تزويد السكان بالماء الصالح للشرب، وتوفير مياه سقي المواشي، خاصة في فصل الصيف. ولهذه الغاية، ما فتئ الملك يؤكد على ضرورة مواصلة سياسة بناء السدود، التي يعد المغرب رائدا فيها. وقد حرص على السير على هذا النهج، حيث تم بناء ثلاثين سدا من مختلف الأحجام، خلال العقدين السابقين الماضية.
الارتكاز على التنمية المستدامة والطاقات المتجددة: ومن أهم الدعامات، التي تقوم عليها الاقتصادات الصاعدة، الارتكاز على التنمية المستدامة، والاستفادة من الفرص التي يتيحها الاقتصاد الأخضر. فقد عرف مجال الطاقات المتجددة، نقلة نوعية، نتيجة المشاريع الكبرى التي أطلقها الملك، بالإضافة إلى اعتماد استراتيجية النجاعة الطاقية، وسياسة طموحة لتعبئة الموارد المائية. ويعتبر المخطط المغربي للطاقة الشمسية والريحية، دليلا آخر على قدرة المغرب على رفع التحديات، وذلك بفضل الرؤية الواضحة والاستباقية، والتخطيط المحكم، للأسبقيات الملحة، بما يضمن تلبية الحاجيات الطاقية لبلادنا، وتقليص التبعية للخارج. وإذا كان المغرب يحتاج لبعض الجهود فقط، لمواصلة السير بخطى واثقة، للانضمام إلى الدول الصاعدة، فإن سياسة الانفتاح الاقتصادي قد عززت مكانته كمحور للمبادلات الدولية. فالاقتصاد المغربي إما أن يكون صاعدا، بفضل مؤهلاته، وتضافر جهود مكوناته. وإما أنه سيخلف موعده مع التاريخ.
إعادة النظر في النموذج التنموي اعتمادا على معايير الحكامة الرشيدة: في هذا الصدد، دعا الملك الحكومة والبرلمان، ومختلف المؤسسات والهيئات المعنية، كل في مجال اختصاصه، لإعادة النظر في النموذج التنموي لمواكبة التطورات التي تعرفها البلاد. وسيرا على المقاربة التشاركية، التي يعتمدها الملك في القضايا الكبرى، كمراجعة الدستور، والجهوية الموسعة، فإنه دعا إلى إشراك كل الكفاءات الوطنية، والفعاليات الجادة، وجميع القوى الحية للأمة. كما دعا للتحلي بالموضوعية، وتسمية الأمور بمسمياتها، دون مجاملة أو تنميق، واعتماد حلول مبتكرة وشجاعة، حتى وإن اقتضى الأمر الخروج عن الطرق المعتادة أو إحداث زلزال سياسي…..
انتهى المبحث الأول من المحور الثاني
في الحلقة المقبلة ننتقل للمبحث الثاني: تأملات واستنتاجات
حصريا حقوق النشر محفوظة
*باحث ومحلل في الشؤون السياسية والاستراتيجية
خبير دولي في الحكامة ومكافحة الفساد
[email protected]





