سلسلة حلقات تحليلية معمقة ترصد الحكامة في عهد محمد السادس (34)

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*دكتور محمد براو

 

 

المحور الرابع والأخير: الحكامة الإدارية

يتناول المحور الرابع والأخير من هذه السلسلة وسيرا على المنهج المتبع في جميع محاور البحث ، فحوى المنظور الملكي للحكامة الإدارية في مبحث أول (أولا)، وفي مبحث ثان محاولة من الباحث في بسط تأملاته واستنتاجاته (ثانيا).

أولا: المنظور الملكي للحكامة الإدارية
نستعرض في هذا المبحث كلا من المفهوم الجديد للسلطة (1) وربط المسؤولية بالمحاسبة (2) في سياق الحكامة الإدارية وفقا للمنظور الملكي.

2- مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة

تحديد دلالات المفهوم

المسؤولية ترتبط بالموارد وبالمراقبة الميدانية: لكي تقترن المسؤولية بتوفير الموارد اللازمة للنهوض بها، وتعزيزا للإمكانات المالية المرصودة في الميزانية العامة للدولة، ومساهمات الجماعات المحلية، وللدعم الذي يوفره صندوق الحسن الثاني للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، لتمويل برامج السكن الاجتماعي؛ فإنه ينبغي الاجتهاد في إيجاد مصادر تمويل جديدة وقارة وفعالة… وقد عبر الملك عن عزمه على رفع هذا التحدي الكبير، من خلال التفقد الميداني المتواصل، لكل أرجاء وفئات الوطن والوقوف في عين المكان، على مدى التزام المسؤولين بكسب هذا الرهان الحيوي.

النخبة المعينة والنخبة المنتخبة وربط المسؤولية بالمحاسبة: انطلاقا من كون الاختيار الحر الواعي للمواطن لمن سيتولى النيابة عنه في تدبير الشأن العام يعد بمثابة القاعدة الذهبية للديمقراطية فإن الانتخاب يعتبر محكا للمواطنة بما هي استشعار للمسؤولية وللمشاركة الفاعلة في الحياة السياسية التي تعد أساس الديمقراطية. وكما تعلم شعبي العزيز فإن النخبة التي تتولى تدبير شؤونك تأتي من التعيين أو من الانتخاب. وإذا كانت الأجهزة المعينة يتم اختيارها وفق ضوابط محددة ويمكن إعفاؤها في حالة إخلالها بمهامها فإن صفوة الانتخاب تتميز بصلاحياتها الواسعة بحكم توسيع اختصاصات المجالس التمثيلية وبضرورة انتظار انتهاء انتدابها الذي يمتد خلال سنوات لمجازاتها أو جزائها. وفي هذا الصدد ينتظر الملك من الناخبين مساعدة الملك على اختيار النخبة المسيرة كما يحرص هو على اختيار النخبة المعينة منوها بالدور الهام الذي ينهض به المجتمع المدني في ترسيخ قيم المواطنة الفاعلة ومهيبا بمختلف أجهزة الإعلام إلى تسخير كل وسائلها لهذا الهدف السامي.
النوعية الجيدة للمرشحين والمنافسة الشريفة لإفراز نخبة مؤهلة وبرامج ملموسة محددة الأهداف والوسائل، والمحاسبة على البرامج؛ : ولأن الإسهام في تأطير المواطن وتمثيله يعد من صميم المهام الدستورية للأحزاب السياسية ومع توافقها على نمط للاقتراع مبني على جعل التصويت اختيارا لبرامج وليس لأشخاص فإن الاستحقاقات الانتخابية تعد فرصة ذهبية أمام هذه الأحزاب لإعادة الاعتبار للعمل السياسي بمعناه النبيل بالتعبئة من أجل المشاركة المكثفة الواعية والنوعية الجيدة للمرشحين والمنافسة الشريفة لإفراز نخبة مؤهلة وبرامج ملموسة محددة الأهداف والوسائل.

تخليق العملية الانتخابية والتطبيق الصارم للقانون: أما السلطات العمومية القائمة بمسؤوليتها في السهر على نزاهة الاقتراع فإن الملك لا ينتظر منها مجرد الحياد سلبيا كان أو إيجابيا في هذا الشأن بل الالتزام الصارم بتطبيق القانون وتحصين نزاهة الانتخاب في إطار تخليق العملية الانتخابية من خلال الحرص على توفير كل الضمانات القانونية والقضائية والإدارية لها.
المراقبة والمحاسبة ومحاربة الفساد (استغلال النفوذ): بموازاة ما سبق، يؤكد الملك على وجوب تخليق الحياة العامة، بمحاربة كل أشكال الرشوة، ونهب ثروات البلاد والمال العام، معتبرا أي استغلال للنفوذ والسلطة، إجراما في حق الوطن، لا يقل شناعة عن المس بحرماته. وفي هذا الشأن، يجدد التأكيد على الالتزام بروح المسؤولية والشفافية، والمراقبة والمحاسبة والتقويم، في ظل سيادة القانون، وسلطة القضاء، بما هو جدير به من استقلال ونزاهة وفعالية.

دعوة الأحزاب لتجديد النخب والمحاسبة والمساءلة على حصيلة أعمالها: كما ينتظر من الأحزاب الوطنية، إبراز نخب مؤهلة لحسن تدبير الشأن العام، والمساءلة والمحاسبة على حصيلة أعمالها. فالمواطن “قد يتفهم أن غلاء المعيشة، رهين بارتفاع الأسعار، في السوق العالمية، لكنه لا يقبل أن يكون فريسة لجشع المضاربين، وشبكة الوسطاء، أو ضحية لعدم قيام السلطات المسؤولة، بواجبها كاملا، في الضبط والمراقبة والزجر”. والأمر كذلك لأن حرية السوق، لا تعنى الفوضى والنهب، لذا يتعين على الجميع، التحلي باليقظة والحزم، للضرب بقوة القانون، وسلطة القضاء المستقل، وآليات المراقبة والمحاسبة، على أيدي المتلاعبين والمفسدين. لاسيما عندما يتعلق الأمر بقوت الشعب، والمضاربات في الأسعار، واستغلال اقتصاد الريع، والامتيازات الزبونية، أو نهب المال العام، بالاختلاس والارتشاء، واستغلال النفوذ والغش الضريبي…

تخليق الحياة العامة من خلال تفعيل مجلس المنافسة والهيأة المركزية للوقاية من الرشوة: ومن هذا المنطلق، يعتبر الملك التخليق الشامل من مستلزمات توطيد دولة الحق في مجال الأعمال، وهو ما يقتضي تعزيز الآليات اللازمة لضمان التنافسية المفتوحة، وصيانة حرية السوق من كل أشكال الاحتكار المفروض ومراكز الريع، والوقاية من كل الممارسات الشائنة. وفي هذا السياق، يندرج الحرص الملكي على تفعيل مجلس المنافسة والهيئة المركزية للوقاية من الرشوة، وكذا توفير مجموعة من التشريعات والآليات لحماية حرية المبادرة، وضمان المنافسة النزيهة.

وفي مجال مكافحة الفساد، حث الملك مختلف الهيئات أن تمارس الصلاحيات المنوطة بها، على الوجه الأكمل، وبما يتطلبه الأمر من حزم وإقدام وغيرة على الصالح العام. منتظرا منها أن تشكل سلطة معنوية وقوة اقتراحية تساهم، بعزم كفاءاتها، في المجهود الوطني لمكافحة كل أشكال الفساد، وما سواه من الممارسات المخالفة للقانون وللقيم الأخلاقية. ومع إدراك الملك بأن الرشوة تعد معضلة لا يسلم منها أي مجتمع، فإنه لا يعتبرها قدرا محتوما. فقد آن الأوان للتصدي لأضرارها الوخيمة، المعرقلة للتنمية، والمنافية للقانون والمواطنة والتعاليم الدينية. من أجل ذلك، يتعين على الجميع، أفرادا وجماعات، سلطات وهيئات، مكافحتها بالإرادة الحازمة، والصرامة في تطبيق القانون؛ مراقبة ومساءلة ومحاسبة وعقوبات زجرية. ولن يتم ذلك إلا من خلال تخليق القضاء نفسه لتحصينه من الارتشاء واستغلال النفوذ، ليساهم بدوره في تخليق الحياة العامة، بالطرق القانونية.

(يتبع)

حصريا حقوق النشر محفوظة

*باحث ومحلل في الشؤون السياسية والاستراتيجية
خبير دولي في الحكامة ومكافحة الفساد
[email protected]

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...