*الدكتور شنفار عبدالله
هل التنمية دائمًا في خدمة المواطن..!؟
يبدو السؤال منذ الوهلة الأولى مستفزًا، ويثير الدهشة والاستغراب!
كما أن السؤال؛ هل المشاريع التنموية الكبرى المنجزة في إطار السياسات العامة والعمومية والقطاعية؛ تكون دائمًا في صالح السكان؟ يثير نوعًا من القلق والذهول والإزعاج الفكري لدى القاريء الذي قد يبقى مشدوها أمام هذا النوع من الاسئلة..!!
لكن؛ -وهي الحرف الناسفة للقول دائمًا وأبدًا- لما نستحضر موقف الناس من بعض المشاريع الضخمة التي تم إنجازها؛ مثل رشق مستعملي الطريق السيارة بالحجارة؛ بسبب كساد وتراجع رزق الباعة والتجار على مستوى الطرق الوطنية! ورشق الألواح الشمسية بالحجارة بمشروع نور ورزازات؛ بسبب الفقر والهشاشة وانعدام الشغل؛ من قِبلِ الساكنة المجاورة للمشروع!
هنا تزول الألغام المزروعة من حقول البحث العلمي؛ ويطرح سؤال المسؤولية الاجتماعية للمشاريع الكبرى المنجزة أو المراد إنجازها؛ على السكان. وهي نظرية أخلاقية حديثة؛ تقترح أن أي كيان، سواء كان مؤسسة أو هيئة أو شركة أو مقاولة، منظّمةً أو فردًا، إلا ويقع على عاتقها العمل لمصلحة المجتمع في نظرتها الشموليه؛ من أجل تحديد وترتيب المسؤولية الاجتماعية عن النتائج السلبية للسياسات العامة والعمومية والقطاعية على الساكنة.
فالمسؤولية الاجتماعية هي أمرٌ يتعيّن على كل شركة أو منظمّةٍ أو فرد؛ أو جماعة أو مؤسسة؛ الالتزام بها للحفاظ على عملية التوازن والمفاضلة ما بين كل ما هو ربح في مجال الاقتصاد وبين ما هو مجال النُظم البيئية والاجتماعية.
وبالتالي فعملية صنع القرارات بناء على منطق أخلاقي من أجل تأمين أعمال المؤسسات والشركات والمقاولات والمنظمات؛ تُتيح تقليل العديد من المخاطر والخسائر مستقبلًا.
ولتسهيل الفهم وتجاوز هذا الجدل الفكري الاببستمولوجي؛ ندرج أمثلة تطبيقية في هذا الموضوع.
الكل يجمع على أن سياسة السدود في المغرب هي ناجحة بكل المقاييس؛ ولا يجادل أحد في متطلبات اقتصاد الماء؛ ومخاطر الحروب القادمة بسبب شح وندرة هذه المادة الحيوية؛ التي تلعب دورًا محوريًا وأساسيًا في إنتاج الطاقة الكهرمائية وحماية المناطق الموجودة بالسافلة من الفيضانات، والحد من انجراف التربة والتنمية المجالية والتزود بالماء الصالح للشرب وري آلاف الهكتارات.
لكن إذا كانت هذه السياسة العامة ناجحة في بعض المناطق من المغرب؛ فإنها قد تكون غير ذلك بالنسبة لمناطق تتميز بمناخ جاف (Aride) بالنسبة لساكنة بكاملها في مناطق أخرى. ونأخذ على سبيل المثال الساكنة على طول ضفاف وادي درعة السفلى بإقليم زاݣورة الممتدة حتى محاميد الغزلان وبحيرة إريقي نواحي منطقة فم زݣيد إلى المصب عند سواحل إقليم طنطان، بمختلف السواقي والروافد التي كانت تجري بالواحات، والتي كلها قد جفت وهاجر السكان هذه المناطق ولم يبق منهم سوى القليل. وذلك نتيجة بناء سد المنصور الذهبي بعالية حوض درعة العليا بإقليم ورزازات.
ومعروف أن وادي درعة هو أطول أنهار المغرب، حيث يبلغ طوله: 1200 كلم، وصبيبه 24.3 متر مكعب في الثانية. وينبع من جبال الأطلس الكبير في اتجاه الجنوبي الشرقي والغربي للمملكة، حيث يلتقي بوادي دادس ونهر إميني، ويقطع الصحراء إلى منطقة تاݣونيت وكتاوة، ومنها تصب أغلب مياهه في الناحية الغربية بالمحيط الأطلسي، شمال طانطان.
هذا؛ ومنذ بناء السد؛ وعلى الرغم من إنتاج كمية من الطاقة الكهرمائية؛ فإنه قد أصبح عبارة عن مستنقع تفوح منه رائحة مياه كريهة، خانز ومرُُّ مذاقها، ينضاف؛ إلى ذلك تحويل مجرى وقنوات الصرف الصحي والمياه العادمة إلى حقينة السد، في وقت كانت المياه تنساب عذبة عبر الوادي والسواقي، وينعش الفرشات المائية التحت أرضية.
وهنا نستحضر أبيات شعرية للإمام الشافعي رحمه الله:
إني رأيتُ وقوفَ الماء يفسدهُ••
إِنْ سَال طَابَ وَإنْ لَمْ يَجْرِ لَمْ يَطِبِ•
وحيث أن جدار السد بنيت على حجارة صلبة جدًا والتي لا تترك مجالًا لتسرب ولو قطرة ماء من تحت جوف الأرض؛ مما عرض واحات النخيل وغابات السفانا، الطلح والطرفاء الممتدة عروقها أمتارًا عديدة تحت الأرض؛ لأضرار كبيرة رغم قدرتها على تحمل الجفاف وارتفاع نسبة الحرارة. كما كان من نتائج ذلك أن أدت إلى هجرة طائر الحباري والهدهد والغزلان والأرانب وغيرها من قطيع الوحيش.
وقس على ذلك ما خلفه السد المقام على وادي زيز الذي ينبع من جبال الأطلس المتوسط على طول: 450 كلم والذي يصب في الصحراء الكبرى؛ كذلك على واحات النخيل لمدن الرشيدية وارفود والريصاني وكرندو وأوفوس؛ حيث جفاف الخطارات والبحيرات والجداول المائية وما ترتب عن ذلك من عوامل التصحر وجفاف التربة وانقراض الحيوانات والطيور وغابات الطرفاء وتضرر واحات النخيل؛ وغيرها من الآثار السلبية على الحياة والإنسان والتراجع الايكولوجي والبيئي.
ونستحضر مثالًا آخر في هذا الاتجاه؛ وهو المشروع الكبير المحوري للطريق السيارة محور المغرب الكبير؛ خاصة المحور الرابط بين مراكش والدار البيضاء حتى مدينة أݣادير؛ حيث أنه على الرغم من تخفيف العبء على السائق وتقليص المسافات وحوادث السير وربح الوقت وغيرها من وسائل السلامة والمحافظة على الآليات والشاحنات والسيارات وغيرها؛ إلا أنه مع مع ذلك فإن حرمان ساكنة كبيرة وجحافل عديدة من اليد العاملة والتجار والمهنيين المستفيدين على طول الطريق الوطنية؛ على مستوى مدن؛ برشيد؛ سطات؛ صخور الرحامنة؛ بن جرير؛ سيدي بوعثمان. وعلى مستوى إقليم شيشاوة وامسكرود وغيرها… التي كانت تستفيد على هامش مرور حوالي 200 ألف سيارة وشاحنة وحافلة يوميًا وليل نهار؛ عبر الطريق الوطنية رقم: 9 الرابطة بين محاميد الغزلان والمحمدية. وكذا عبر الطريق الرئيسية الرابطة بين مراكش وأكادير؛ من خلال خدمات: الشواية وتقديم مختلف الأكلات والخدمات الأخرى من تجارة وسلع وغيرها؛ وما توفره من دخل لفائدة هؤلاء في تحقيق وسائل العيش المستدام.
كما يمكن استحضار العديد من الأمثلة التي تهم المشاريع السكنية الضخمة التي تم إنجازها في إطار السكن الاقتصادي، من أجل امتصاص السكن العشوائي وإعادة إيواء ساكنة وقاطني دور الصفيح؛ والتي تمت ضواحي المدن الكبرى؛ كالدار البيضاء وفاس والرباط ومراكش وسلا وطنجة وأݣادير والقنيطرة وبوقنادل ومكناس وغيرها من المدن؛ حيث تمَّ ذلك على حساب الوعاء العقاري الذي قمنا بخصمه من رصيد وعاء الأراضي الفلاحية الخصبة.
ومن ذلك كان حريًا التفكير في بناء سدود تلية على طول الوادي وتشييد انحرافات سواقي الري؛ أو سد للتزود بالماء الصالح للشرب؛ كما هو الشأن بالنسبة لبناء سد (تيوين) بإقليم ورزازات بكلفة: 600 مليون درهم؛ مشروع له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قوية وسيؤمن التزود بالماء الشروب وتحسين ظروف عيش السكان بإقليمي ورزازات وزاݣورة؛ والذي أعطى انطلاقة أشغاله جلالة الملك محمد السادس؛ عوض اعتماد حقينة سد المنصور الذهبي والطلقات الموسمية التي تبلغ حوالي 40 مليون متر مكعب حسب فصول السنة؛ والأخذ بعين الاعتبار سنوات الجفاف وتفادي إكراه الطلقة وضمان الحفاظ على المنشآت الفنية للسد من جهة؛ وتفادي خطورة الطمي والطحالب والأتربة وتراكم الطين في قعر حقينة السد الذي تكون من نتائجه الوخيمة توقف التوربينات المولدة للطاقة الكهرمائية؛ كما حصل في سد زيز وما تطلب ذلك من ملايير السنتيمات لتنقيته وإعادة اشتغال المحركات ودفّات ودِفاف غلق وفتح فوهات السد من قبل إحدى الشركات الأجنبية؛ بعد توقف إطلاق السد مخافة تصدع المنشآت الفنية؛ مما أدى إلى ركود المياه والأتربة والحصى والرمال في القعر.
هذا، ومكن إرجاع السبب إلى نهج أسلوب العشوائية والارتجالية، وإلى غياب رؤية استشرافية؛ وغياب دراسة الجدوى من المشروع والتفكير والدراسة واستشعار مخاطر المستقبل؛ وفي مدى التأثير المستقبلي على السكان، ودراسة المشاريع البديلة في حال إنجاز هذه المشاريع التنموية الكبرى.
إن مسلسل ومسار القرار يخضع لنظام: مدخلات، وعمليات، ومخرجات، ونظام ضبط وتحكم. وتتولد عنه ردود فعل تتراوح بين: موقف مؤيد، وآخر معارض، وطرف غير مبالٍ به. ثم تغذية راجعة من أجل التصحيح والتحيين.
ومن هنا جاء القول واستنتاج أن المشاريع التنموية أحيانًا ليست دائمًا في صالح الطموحات والتطلعات والآمال والجوانب الاجتماعية والاقتصادية للسكان.
*كاتب ومحلل ومفكر استراتيجي مغربي.





