الذكاء الإيجابي بمنظور قرأني

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*كمال المصري

 

 

عندما تضع يدك على سطح ساخن فلابد انك سوف تشعر بالحرارة وبالتالي ردة فعلك اللاإرادية ستكون ‏رفع يدك عن هذا السطح فورًا.

فالحرارة التي لمستها في هذا ‏المثال هي بمثابة المشاعر السلبية التي تتولد لدينا أحيانا نتيجة ‏لحدث ما أو لظرف معين أو من انتقاد تلقيناه من شخص آخر أو نتيجة لجلد الذات أحيانا أخرى. وهذه المشاعر السلبية طبيعية ولا بد منها فنحن بشر ولكن من غير الطبيعي أن تلازمك تلك المشاعر السلبية كما في مثال ملامسة السطح الساخن الذي ذكرناه سابقًا واستمرارك بنفس الوضعية دون محاولة التغيير فهذا بالتأكيد أمر غير طبيعي. وعدم القدرة على التخلي أو إضعاف تلك المشاعر السلبية ‏قد يسبب أمراض نفسية وعصبية وكذلك أمراض و مشاكل صحية إذا لم يتم إدراك هذا الأمر وعمل شي للتقليل أو التخلي عن تلك المشاعر.

والمشاعر السلبية مثل الغضب والخوف والشعور ‏بالخطر وغيرها تكون في الجانب الأيسر من الدماغ وهذا الجزء من الدماغ مسؤول عن إصدار الأحكام على الذات مثل أن تلوم نفسك على كل شيء أنت قمت به ويجعلك تشعر بالمشاعر السلبية أو أن تصدر أحكام مسبقة على الآخرين أو الظروف .

وفي جلسات التدريب (الكوتشنغ) ‏أدرب عملائي الذين يعانون من هذه المشاعر السلبية و أساعدهم على ‏استكشافها والتحدث عنها للحد من كبتها. وبهذا أكون قد ساعدت في زيادة وعيهم وإدراكهم عن المشاعر السلبية لديهم والتعرف عليها لكي يقوموا في التغلب عليها. والمفعول الذي يعطيه هذا النوع من التدريب إذا اقتصر على زيادة الوعي فقط ربما يساعد بنسبة معينة أقدرها ب 20%. ولكن إذا قام الشخص بعد زيادة الوعي باجراء تمارين معينة وممارسة مستمرة لأنشطة معينة فسوف يطرأ تغير ملموس ودائم يكون له آثار إيجابية على الصحة النفسية للشخص بشكل عام.

فحسب دراسات قام بها خبراء في مجال علوم الأعصاب فإن الخلايا العصبية في الدماغ تولد إشارات تنقل المعلومات عبر إشارات كهربائية إلى الجانب الأيسر أو الجانب الأيمن من الدماغ حيث يقوم الجانب الأيسر بمهام تتعلق بالمنطق والعلوم والرياضيات أما الجانب الأيمن فيقوم بالمهام التي لها علاقة في الإبداع والفنون والحكمة.

‏وحسب دراسة علمية ‏ أجريت على مئات من الأشخاص في مجال الذكاء الإيجابي (PQ) – وهي معادلة تقيس نسبة قوة الجانب الأيمن من الدماغ الذي يولد الحكمة مقارنة مع الجانب الأيسر والمسؤول عن المشاعر السلبية وأيضًا التحليل والذكاء العقلي (IQ)، بحيث تم عمل تصوير طبقي للدماغ قبل وبعد التجربة. فقد تبين أن الجزء الأيمن من الدماغ لمعظم الناس قبل التجربة كان مظلمًا، أي ضعيف بينما الجزء الأيسر مضيئ. و هذا يعني أن الخلايا العصبية هي أكثر انتشارًا‏ في هذا الجزء المسؤول عن المشاعر السلبية مقابل الجزء الأيمن. ولكن بعد إجراء الدراسة وخضوع المشاركين إلى تمارين معينة لتنشيط الجزء الأيمن، تم ‏التصوير الطبقي مرة أخرى وأثبتت الدراسة أن الجزء الأيمن أصبح أكثر نشاطًا. ومن هذه التمارين على سبيل المثال التركيز في التنفس لمدة عشر ثواني مع محاولة التخلص من أي أفكار تخطر على البال في هذة الأثناء مع إعادة هذا التمرين لعدة مرات خلال اليوم او أي وقت تستحضر هذة المشاعر. ‏ ‏وبعد الاستمرار على هذا النهج لمدة أسابيع أظهرت النتيجة أن الأفكار والمشاعر السلبية بدأت بالضعف و ‏بنفس الوقت ‏بدأ الجزء الأيمن والمسؤول عن الحكمة في القوة مما يعني ان الناقلات العصبية في هذا الجزء من الدماغ بدأت تعمل بشكل اكثر قوة.

وهذه الدراسة جعلتني أفكر في الصلاة التي نقوم بها خمس مرات على مدار اليوم مثل صلاة الظهر والعصر وهي الصلوات الموجودة في وسط النهار حين نكون في أشد الأوقات ازدحامًا لالتزامنا بالعمل وغيرها من التزامات ‏فكأن هذه الصلاة أتت لتفريغ عقولنا من مشاغل الحياة‏ ‏والتي تستوجب استخدام الجانب الأيسر من الدماغ لنتوقف قليلًا ونفرغ هذه المشاعر والطاقات السلبية ونعيد بعدها العمل من جديد وهذا بالتأكيد سوف ينشط الجانب الأيمن من الدماغ المسؤول عن الحكمة والرحمة والشفقة والعطف بشكل عام.

وتذكرت أيضا برنامج خواطر حيث قام مقدم البرنامج أحمد الشقيري بإجراء تجربة على نفسه بحيث تم عمل تصوير طبقي لدماغه قبل وبعد صلاة قام بها من غير خشوع وأخرى بخشوع و تبين في الصورة الطبقية نشاط الجزء الأيمن من الدماغ ‏بعد الصلاة بخشوع.

وهذا أيضًا جعلني أفكر في الآيات التي نزلت في قصة الحكيم لقمان عليه السلام الذي أتاه الله الحكمة: (وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا لُقْمَٰنَ ٱلْحِكْمَةَ أَنِ ٱشْكُرْ لِلَّهِ ۚ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِۦ‏)وفي هذه الآية يتبين أن الشكر لله والامتنان إليه على النعم من الأمور ‏التي تنشط الجزء الأيمن من الدماغ و تزيد الحكمة. ‏

وكذلك الآية التي بعدها (‏ وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ) حيث يتبين أن الشكر للوالدين والتعاطف ‏معهما هي أيضا من الأمور التي تجلب الحكمة.

وكذلك في الآية (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ). ‏ ‏وهنا تبيان على إقامة العدل في أدق الأمور وهي أيضًا من القيم التي تزيد الحكمة.

وأيضا الآية التي تليها (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) ‏وهذه ‏الآية تبين أن ‏ ‏إقامة الصلاة كما ذكرنا في تجربة برنامج خواطر وإذا كانت بخشوع وعلى الوجه الصحيح فإنها تولد الحكمة. وكذلك العمل الصالح مثل الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر وهذا له اشكال مختلفة فحين يساهم الإنسان بنقل المعرفة إلى الآخرين فهذا يساعد على التقليل من المشاعر السلبية و زيادة الحكمة من خلال زيادة قوة الجزء الأيمن من الدماغ.

وفي موضع آخر من سورة القيامة يقول الله سبحانه وتعالى (وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ) والنفس اللوامة هي التي تلوم ذاتها أو الآخرين أو الظروف أو تصدر الأحكام مما يترتب علية زيادة في المشاعر السلبية التي بجب ان نتخلص منها. وهذا‏ ما يقوم به الجزء الأيسر من الدماغ ‏.

لذلك علينا إذا اردنا ‏الخروج والتخلي عن المشاعر السلبية والتي وصفها القرآن بأنها مثل وساوس الشيطان فلا بد من الاستعاذة منه (وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۚ) وكذلك الاهتمام ‏بالخشوع في الصلاة مع تذكر وصايا الحكيم لقمان لزيادة وتنشيط الجزء الأيمن من دماغنا لنزيد من ذكائنا الإيجابي.

*مفكر ومدرب لتطوير الذات والمهارات الحياتية
الاردن
[email protected]

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...