التجاني بولعوالي
كنا قد أطلقنا استطلاعا للرأي في مجموعتنا “الإسلام في أوروبا والغرب” في 19 يونيو 2021، حول السؤال الإشكالي:
“لماذا يرفض اليمين المتطرف وجود الإسلام والمسلمين في أوروبا والغرب؟”، حيث وضعت ثمانية أسباب أو تفسيرات لهذا الرفض الشعبوي لما هو إسلامي، على أن يختار القارئ أو المصوت ما يراه التفسير الأنسب لهذه الإشكالية، وتتحدد هذه الأسباب كما يأتي:
1- لأن الإسلام تم فهمه بشكل مغلوط وغير صحيح.
2- لأن الإسلام هو الدين الحق الذي ينطوي على الحقيقة.
3- لأن الإسلام يختلف عن الثقافة الغربية ذات الجذور الكتابية (اليهودية والمسيحية) والعلمانية.
4- بسبب تأثير وسائل الإعلام والبروباغاندا.
5- بسبب الرواسب التاريخية الصليبية والاستعمارية.
6- بسبب تصرفات بعض الحركات المتطرفة التي توظف الإسلام بشكل إيديولوجي.
7- لأن وجود المسلمين يشكل أزمة سوسيو-اقتصادية للغرب.
8- لأن الإسلام يشكل خطرا على المجتمعات الأوروبية والغربية.
وقد تفضل بعض أعضاء المجموعة، وهم باحثون وأساتذة ومهتمون، بإضافة ستة عوامل أخرى، وهي كما يلي:
1- بسبب تأثير الاستشراق في تشويه صورة الإسلام على مستوى العقل الأوروبي.
2- بسبب سلوك بعض المتأسلمين الذين لا يعكسون الإسلام الحقيقي وما قاموا به من تصرفات وسلوك غير نظرة الإسلام للعالم.
3- لأن تصرفات بعض المسلمين بعيدة عن الإسلام.
4- لأن قواعد تصور الإسلام للوجود تصور كوني.
5- لأن غالبية المسلمين لا يعبرون عن الإسلام من خلال تصرفاتهم وأفعالهم، ومن ثم فهم الدين بشكل مغلوط.
6- بسبب العصبية للرجل الأبيض والغربي، وحتى الأبيض الياباني المتطورين صناعيا وجمالا وقوة، في مقابل الآخر الغير أبيض والغير جميل والغبي علميا.
وقد تمت مشاهدة هذا الاستبيان من طرف 1675 شخص، صوت منهم ما مجموعه 172 شخصا. ويمكن توزيع هؤلاء المصوتين على ثلاث دوائر:
تتعلق الدائرة رقم 1 بالأسباب الأربعة الأولى لإشكالية رفض اليمين المتطرف للوجود الإسلامي في الغرب، التي صوت لها حوالي 80% بما مجموعه 138 صوتا. يرى الفريق الأول (53 صوت) أن الإسلام تم فهمه بشكل مغلوط وغير صحيح. أما الفريق الثاني (41 صوت)، فيذهب إلى أن سبب الرفض هو كون الإسلام يعتبر الدين الحق الذي ينطوي على الحقيقة. في حين يعتقد الفريق الثالث (25 صوت) أن السبب هو أن الإسلام يختلف عن الثقافة الغربية ذات الجذور الكتابية (اليهودية والمسيحية) والعلمانية. وفي الأخير يفترض الفريق الرابع (19 صوت) أن تأثير وسائل الإعلام والبروباغاندا يؤدي هنا دورا كبيرا.
أما الدائرة رقم 2 فهي أقل من الدائرة السابقة من حيث عدد المصوتين (24 صوت)، غير أنها تحيل على صنفين مهمين من الأسباب: أحدهما تاريخي، ويتعلق بالرواسب الصليبية والاستعمارية (8 أصوات) من جهة، وتأثير الاستشراق في تشويه صورة الإسلام على مستوى العقل الأوروبي (5 صوت) من جهة أخرى. والصنف الآخر يرتبط بالداخل الإسلامي، سواء من خلال تصرفات بعض الحركات المتطرفة التي توظف الإسلام بشكل إيديولوجي (7 أصوات)، أو بسبب سلوك بعض المتأسلمين الذين لا يعكسون الإسلام الحقيقي (4 أصوات).
في حين تبدو الدائرة رقم 3 الأقل اجتذابا لاهتمام المصوتين، حيث بلغ مجموع أصواتها (10 أصوات) موزعة على ستة اختيارات. هناك من يرى أن سبب رفض الإسلام من طرف اليمين المتطرف يكمن في أن تصرفات بعض المسلمين بعيدة عن الإسلام (3 أصوات)، وهناك من يفترض أن السبب هو الزعم بأن وجود المسلمين يشكل أزمة سوسيو-اقتصادية للغرب (صوتان). ويذهب آخرون إلى أن كون قواعد تصور الإسلام للوجود تصور كوني (صوتان)، هو الذي يجعل اليمين المتطرف يرفض ما هو إسلامي. أما ما تبقى من الاختيارات الثلاثة، فقد نالت صوتا واحد لكل منها، وهي على التوالي: إن الإسلام يشكل خطرا على المجتمعات الأوروبية والغربية، إن غالبية المسلمين لا يعبرون عن الإسلام من خلال تصرفاتهم وأفعالهم، ثم في الأخير العصبية للرجل الأبيض والغربي وحتى الأبيض الياباني المتطورين صناعيا وجمالا وقوة، في مقابل الآخر الغير أبيض والغير جميل والغبي علميا.
بناء على نتائج هذا الاستبيان الذي طرحنا فيه سؤالا إشكاليا من الأهمية بمكان، يتعلق بالأسباب التي تقف وراء رفض اليمين المتطرف لوجود الإسلام والمسلمين في أوروبا والغرب، يمكن أن نستجلي أن النسبة الأكبر من المصوتين تفسر هذا الموقف الشعبوي المناويء لما هو إسلامي بعوامل أربعة متنوعة، أولها الجهل، وثانيها كون الإسلام دين الحق، وثالثها طبيعة الثقافة الإسلامية التي تختلف عن الثقافتين المسيحية والعلمانية، ثم في الأخير تأثير وسائل الإعلام والدعاية.
لعل جهل الآخر بحقيقة الإسلام يشكل أحد الأسباب الجوهرية التي تؤدي إلى نفور بعض الغربيين مما هو إسلامي وادعاء الخوف من الإسلام، وقد قال علي ابن أبي طالب رضي الله عنه قبل قرون طويلة: “أن الإنسان عدو ما يجهل”، ولاحظت من خلال قراءاتي لبعض المفكرين الغربيين أنهم عادة ما يقتبسون هذا القول، كالمستشرقة الألمانية آنا ماري شميل، والمفكر السويدي إنجمار كارلسون، والفيلسوف البلغاري – الفرنسي تزفتان تودوروف. لكن ماذا عن الجهل المتبادل؟ ماذا يعرف المسلمون عن الأوروبيين والغربيين؟ هل المعرفة “السطحية” وأحيانا “المغلوطة” عن الآخر تؤهلهم لتمثيل الإسلام بشكل عقلاني وحضاري يمكنهم من مواجهة تحديات الشعبوية الإيدولوجية الجديدة؟
أما كون الإسلام دين الحق والحقيقة، فهذا أمر لا تجادل فيه إلا القلة القليلة جدا بين المسلمين أنفسهم، في حين نجد أن الغالبية الساحقة من الأوروبيين والغربيين ينتقدون النصرانية ويقاطعونها ويرتدون عنها بشكل عارم. لكن ينبغي أن ننتبه هنا إلى أنه من عادة الأوروبيين أنهم يؤمنون بما يقدمه الفرد من إسهام إيجابي داخل المجتمع، بغض النظر عن معتقده وثقافته وأصله. حقا، هناك بعض التيارات الإيديولوجية التي تناوئ كل ما يتعلق بالإسلام وترفضه وإن كان إيجابيا، لكن كلما ساهم المسلمون بشكل فعال وإيجابي على مختلف المستويات التربوية والاجتماعية والعلمية والسياسية والاقتصادية، تمكنوا من إثبات وجودهم رغم حملات اليمين المتطرف.
وهذا ما ينطبق أيضا على العامل المتعلق بكون الثقافة الإسلامية تختلف عن الثقافتين المسيحية والعلمانية، فهذا محض إدعاء عادة ما تروجه وسائل الإعلام المؤدلجة والسياسيون الشعبويون. في مقابل ذلك، تؤكد الدراسات اللاهوتية أن المسيحية أقرب إلى الإسلام من غيره، وهذا تحصيل حاصل لما جاء به القرآن الكريم، وأثبتته السنة النبوية الشريفة. ثم إن العلمانية جاءت بالدرجة الأولى كرد فعل تاريخي وفكري وسياسي على الكنيسة الكاثوليكية التي كانت تحتكر كل شيء باسم الدين، بينما الإسلام فسح المجال منذ البداية للاجتهاد الديني والمعرفي والسياسي، ولا حيز فيه لرجال الدين والإكليروس بالمفهوم الكنسي.
ثم إن تأثير الإعلام والبروباغاندا يمكن اعتباره أكثر العوامل شدة وضراوة، لاسيما في زمن صارت فيه الحياة موجهة بوسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي. ويؤدي هذا العامل دورا خطيرا في تنميط الإسلام وقولبته بشكل سلبي، ما يرسخ صورا نمطية معينة في المخيال الغربي حول المسلمين، الذين يعتبرون في نظر بعض الغربيين متطرفين وإرهابيين، ويشكلون خطرا على مكتسبات المجتمعات الغربية.
علاوة عن ذلك، يمكن الحديث في آخر المطاف عن عوامل أخرى ذات طابع تاريخي كالحروب الصليبية والماضي الاستعماري لأوروبا، أو إيديولوجي كالاستشراق وأفضلية العرق الأبيض وظاهرة التطرف، بالإضافة إلى العامل الذاتي الذي يتعلق ببعض المسلمين أنفسهم، الذين يقدمون صورة سلبية حول الإسلام من خلال سلوكهم المنحرف الذي يتعارض مع قيم الإسلام السمحة.





