د.سعيد الغماز
عرفت بلادنا في 8 شتنبر انتخابات ثلاثية جمعت البرلمان والجهة والجماعة. وقد أسفرت هذه الانتخابات عن خارطة سياسية جديدة عنوانها البارز هو طي صفحة وفتح صفحة جديدة. كما أنها انتخابات مليئة بالرسائل التي عبر عنها الناخبون.
خُضت هذه الانتخابات من الداخل لأني كنت مُرشحا، وليس من الخارج كما هو حالي في الانتخابات السابقة حيث كنتُ أجلس في المقهى وأُنظر في التحاليل والقراءات للخارطة السياسية بعد كل انتخابات. هذه التجربة من داخل مطبخ الانتخابات، جعلتني أقف على الحقائق عن قرب وأقترب كثيرا من نار المطبخ الانتخابي. فما يروج في وسائل الإعلام من أخبار وتحاليل يكون في غالبيته بعيدا عن جوهر الأحداث وعن حقيقة ما يتم طبخه في طنجرة الانتخابات.
كل الأحزاب المتنافسة قدمت البرامج ووزعت الوعود وطالبت بالديمقراطية كآلية للتعبير الحر عن اختيار الناخب. أقول الناخب وليس المواطن، لأن من بين المواطنين من لا يهتم بالانتخابات ومنهم من يؤمن بقرار المقاطعة كتعبير ديمقراطي عن اختيار سياسي.
بعد أن أصبح للمغرب نموذجه التنموي، وبعد تشكيل اللجنة الخاصة بإعداد النموذج التنموي الجديد، ساد في المجتمع نقاش جديد يحلم بمغرب متقدم ووضع اجتماعي أفضل. هذا المعطى الأخير نتج عنه خلق نقاش آخر حول العلاقة بين الديمقراطية والتنمية، وهل مقولة “لا تنمية بدون ديمقراطية” هي مقولة صحيحة، أم أن الأحزاب السياسية ترفعها كشعار للاستهلاك الإعلامي فقط. وقد بدأت النخبة المثقفة في المجتمع تطرح العديد من الأسئلة حول العلاقة بين الديمقراطية والتنمية، وهل الخطاب التنموي يجب أن يرتفع فوق الخطاب الذي ينادي بالديمقراطية، أم أن البناء الديمقراطي سابق على البناء التنموي؟ وإلى أي مدى يمكن الربط بين الديمقراطية والتنمية؟
الأكيد أن لا ديمقراطية دون أحزاب سياسية. والأكيد كذلك هو أن الأحزاب يجب أن تكون مؤسسات ديمقراطية قبل أن تنادي بتطبيق القواعد الديمقراطية في الدولة والمجتمع. لكن ما وقفتُ عليه من داخل طنجرة الانتخابات يعكس حقيقة أخرى. فمن أجل الظفر بمقاعد انتخابية، لا تجد الأحزاب السياسية حرجا في الدوس بقراراتها على المبادئ الديمقراطية، وإبعاد مناضليها وأعضاء الحزب لتعويضهم بكائنات انتخابية تحترف الترحال السياسي لأنها بمقدورها الضفر بالمقعد الانتخابي ولو بشتى الوسائل. فاستعمال المال لاستمالت الناخبين كان حاضرا بقوة في انتخابات 8 شتنبر، وما توقيف بعض الناخبين لارتكابهم مخالفة تصوير ورقة الانتخاب، واعتقال ومحاكمة مرشحين يوزعون المال إلا الشجرة التي تُخفي الغابة. لم يقف الأمر عند هذا الحد في دوس الأحزاب على مبادئ الديمقراطية، بل أصبحنا نقف على ممارسات غريبة صادرة من حزب وطني بَصَم التاريخ السياسي لبلدنا، فتحول هذا الحزب من مؤسسة تتخرج منها النخب السياسية الوازنة، إلى حزب يُفَرِّخ كائنات جديدة يمكن تسميتها “السياسي البلطجي”، وأصبح استعمال أسلوب البلطجة عملة رائجة في هذا الحزب العتيد، الذي كان في وقت ما مدرسة في النضال والفكر والوعي السياسي.
خلال هذه الانتخابات وقف المغاربة على الطموح الجامح لزعيمة سياسية من أجل ولوج قبة البرلمان ولو تطلب الأمر التضحية بالمشروع الوحدوي لليسار المغربي وتجميع فصائله في كيان سياسي موحد. معظم الأحزاب الادارية قامت بحملتها الانتخابية إما بشباب طائش يقوم بتصرفات لا علاقة لها بشباب متحزب وسياسي، أو بنساء طاعنات في السن يلبسن شعار الحزب ويجترن أرجلهن في استغلال بئيس للعاملات في المصانع والشركات.
انتصرت بعض الأحزاب في هذه الانتخابات، وتبوأت المراتب الأولى في المشهد السياسي. لكن حينما نقف على ثقافة البؤس التي مارستها خلال حملتها الانتخابية، واستعمالها لكل السلوكيات الهابطة، وممارستها للعبث والتخلف، ونشرها لأفكار الانحطاط والانحدار بالمجتمع، نطرح السؤال حول مدى قدرة هذه الأحزاب الفائزة في تأطير المواطنين وتعميق الوعي السياسي في المجتمع؟ نطرح كذلك السؤال حول مدى اقتناعها بالديمقراطية ومدى دفاعها عن الانتقال الديمقراطي في بلادنا؟
الأمر لا يقف عند حدود الأحزاب التي تشتغل من داخل المؤسسات، بل يتعداه إلى الحركات والأحزاب التي ترفض الدخول في اللعبة الديمقراطية. الأكيد أن عدم اختبار اختياراتها السياسية في أرض الميدان يجعلها تفسر الأحداث كما تريد وكيفما يحلو لها. لكنها تبقى تنظيمات تحكمها نفس العقلية السائدة في البلاد، وتشرب من نفس إناء المقومات الثقافية التي يتقاسمها المجتمع. فلا يمكن لهذه التنظيمات أن تقفز على فترة حكومة التناوب ولا على حكومة ما بعد الربيع العربي لتعطي لنفسها شرعية لا يمكن الوثوق بها دون اختبارها في أرض الميدان. ثم بماذا تتميز هذه التنظيمات لكي تكون في محصنة ضد ما أصاب باقي التجارب؟
إذا كان حال الممارسة الحزبية هو هذا شكله من داخل طنجرة الانتخابات، فهل من المعقول أن ترفع الأحزاب شعار “لا تنمية بدون ديمقراطية” أو “الديمقراطية طريق التنمية”. هذا الربط بين التنمية والديمقراطية بهذه الطريقة هو ربط مغلوط ولا يخدم مستقبل الوطن.
المنهجية السليمة في تحديد طبيعة النظام السياسي الذي يناسب المرحلة، يجب أن تكون مبنية على المقارنة بين التوجهات السائدة في أرض الواقع واختيار أفضلها. ولا يجب أن تكون قائمة على أساس المقارنة بين واقع الحال وواقع آخر لا يوجد إلا في مخيلة صاحبه وقد يكون اختيارا غير واقعي وطوباوي بل خيارا لا نجده سوى في المدينة الفاضلة التي أبدعها أفلاطون.
على أساس هذه المنهجية، واعتبارا لما استقيناه من واقع أحزابنا السياسية من داخل طنجرة الانتخابات، نستطيع أن نقر بأن النظام السياسي الذي يناسب بلادنا في هذه الفترة الحرجة هو المَلَكِية الدستورية بشيء من التنفيذية. فالأوراش التنموية التي شرع المغرب في إنجازها، لا يمكن أن تنجح فيها بلادنا باعتماد ديمقراطية قائمة على أساس أحزاب لا يمكنها إلا أن تنتج نظاما ديمقراطيا أعرجا.
إن الفترة التي تمر بها بلادنا تتميز بتوفر الشروط الضرورية لتحقيق الطفرة التنموية المنشودة، والمتمثلة في الأمن والاستقرار والقيادة الراشدة المتمثلة في ملك البلاد. يبقى فقط اختيار النظام السياسي الملائم لتحقيق مغرب الغد بعيدا عن الشعارات الطوباوية التي تجعل من النظام الديمقراطي صمام الأمان وإن كانت شروط تطبيقه لا زالت بعيدة المنال وغير مكتملة الأركان.
من نافلة القول إن تحقيق الانتقال الديمقراطي وإنجاز الطفرة التنموية في نفس الوقت هو الخيار المثالي. لكن واقعية هذا الخيار بعيدة كل البعد عن التحقيق في أرض الواقع. لذلك نعتقد أن نظام الملكية الدستورية بشيء من التنفيذية هو النظام الأمثل لتحقيق مغرب الغد.
الأمثلة كثيرة للدول التي نجحت في تحقيق طفرتها التنموية دون اعتماد النظام الديمقراطي، والتي سارت في اختيار النظام السياسي الملائم لطبيعة المرحلة. ونكتفي بذكر الصين التي فضلت نظام دولة القانون بدل النظام الديمقراطي. وسنغافورة معجزة القرن التي اختارت نظام الصرامة والانضباط علما أن “لي كوان يو” باني سنغافورة الحديثة ظل يحكم البلاد لأكثر من ثلاثين سنة ولا زال حزبه “الحزب العمل الشعبي” يحكم لوحده حتى وقتنا الحاضر. نذكر كذلك رواندا من إفريقيا التي لا زالت تحت حكم رئيسها “بول كاكامي” منذ أزيد من عشرين سنة والذي اختار هو أيضا أسلوب الانضباط والصرامة في تطبيق القانون.
ختاما نقول، بعد ما شهدته الانتخابات الأخيرة من ممارسات الأحزاب السياسية، تظل شروط النظام الديمقراطي غير متوفرة. هذا إذا كنا نؤمن بأن قواعد الديمقراطية تأتي من القاعدة المجتمعية وليس بإملاءات فوقية. وبما أن المغرب تتوفر أمامه إمكانية تحقيق الطفرة التنموية المنشودة، ويتميز بتحقيق شروط التنمية المتمثلة في الأمن والاستقرار السياسي والقيادة الراشدة، فإن النظام الملائم لطبيعة المرحلة هو الملكية الدستورية بشيء من التنفيذية. وتحقيق الطفرة التنموية المنشودة يتطلب تحديد الأولويات وذلك بجعل النموذج التنموي له الأسبقية على الانتقال الديمقراطي. وهذا يتطلب تحديد العلاقة بدقة وموضوعية بين الخيار التنموي الانتقال الديمقراطي.





