لهذه الأسباب فاز حزب العدالة والتنمية..

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

*بقلم/ التجاني بولعوالي

 

 

“إن نجاح أي حركة سياسية لا يقاس بميزان الفوز بانتخابات بلدية أو تشريعية، بل بمدى ترجمة ذلك الفوز على أرض الواقع في شكل خدمات ملموسة وأوراش متنوعة ومشاريع ذات مردودية، وهذا ما فشلت في تحقيقه الحكومات السابقة التي تعاقبت على تسيير المغرب. واليوم جاء الدور على حزب العدالة والتنمية ليكون على المحك الحقيقي في زمن حساس من تاريخ المغرب، أمام مختلف شرائح المجتمع التي لبت دعوته ووضعت مستقبل المغرب بين يديه.” هذا ما كتبته قبل حوالي عقد من الزمن، مباشرة عقب فوز حزب العدالة والتنمية الكاسح بانتخابات 2011. السقوط المدوي والعارم للحزب أثناء الانتخابات الأخيرة خلق نقاشا ساخنا ، لم يخل من لغة التشكيك والانتقاد الحاد. لذلك كان من الأهمية بمكان الرجوع إلى جملة من المقالات القديمة، لأن نوضح للرأي العام المغربي أننا نمارس تقييما موضوعيا لأداء الحزب أثناء ولايتين متتابعتين. وهذا التقييم ليس وليد ما نزل بالحزب اليوم، بل بدأناه منذ أن تقلد الحزب مهام رئاسة الحكومة. وقد توقعنا غير ما مرة، كما سوف يأتي في مقالات لاحقة، أن النهج الذي سلكه سوف يجعله يسقط في عيون الشريحة المغربية العريضة التي راهنت عليه، وهذا ما حصل بالتحديد يوم 8 سبتمبر 2021!

اللافت للنظر أنه قبل حلول موعد الانتخابات البرلمانية التي تم تنظيمها قبل الأوان في المغرب، وذلك يوم 25 نوفمبر 2011، كان ثمة أكثر من مؤشر على أن حزب العدالة والتنمية سوف يحقق النجاح في هذا الاستحقاق الانتخابي، ويكسر شوكة الأحزاب التقليدية، بمختلف مكوناتها اليمينية والوسطية واليسارية التي ظلت طوال أكثر من نصف قرن؛ أي منذ استقلال المغرب، تتحكم في دواليب السياسة المغربية.

هذه المؤشرات المسبقة لم تكن تتعلق بمختلف تصريحات قياديي الحزب فقط، التي كانت تشير بكيفية معلنة أو مبطنة إلى أن الفوز لا محالة آت، أو أن الحزب سائر بلا ريب إلى بر النجاح. لعل ذلك يندرج في استراتيجية الحملات الانتخابية، التي عادة ما تنهج أسلوب الحرب النفسية، التي من شأنها أن تربك حسابات الخصوم السياسيين وتبعثر أوراقهم السياسية من جهة، وأن تضرب على الوتر الحساس من جهة ثانية، لاسيما لدى الجماهير المجبولة سيكولوجيا على الانسياق نحو الجهة التي ينعقد لها الإجماع، سواء على الصعيد الشعبي أو على الصعيد الإعلامي. وهذا يدل على قيمة الإطار الجمعي الذي تخلقه الجماهير، أو الذي يحضن الجماهير المرددة باستمرار: “الموت فاجماعه نزاهه”، أو “الأزمة إذا عمت هانت”. رغم أن هذين المثلين يُوصّفان على المستوى السطحي وبصيغة سلبية، حالتي الموت والأزمة، إلا أنهما يحيلان على المستوى العميق على أهمية انتماء الفرد إلى الجماعة التي هي بمثابة الوعاء، الذي يحميه من قسوة الأزمة والأزمنة، ويخفف عنه ضراوة الموت والفاقة.
من خلال هذا، يتضح أن أهم مؤشر تقاس على تذبذباته نتائج أي نشاط سياسي، هو آراء الجماهير وتطلعاتها، التي تحمل بين حناياها توقعات قد تكون بشكل أو بآخر صائبة أو شبه صائبة، لأنها تنبثق من قرارة الواقع، وتعبر عن حقيقة ما يجري. وهذا ما كان ينطبق آنذاك على حالة حزب العدالة والتنمية، إذ كان يتوقع الكثيرون فوز هذا الحزب، لكن بشرط أن تتم هذه الانتخابات بنزاهة وشفافية تامتين. هذا الانطباع، في الحقيقة، ليس وليد تداعيات الربيع العربي، أو دور التيارات الإسلامية في قيام الثورات العربية واستمرارها، أو احتجاجات الشارع المغربي، بل بدأ يتبلور منذ انخراط الإسلاميين في العمل السياسي الرسمي في المغرب منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي، من خلال حزب العدالة والتنمية الذي استبشرت الجماهير به يومئذ خيرا، لأنه شكل لها منذ البداية البديل الفعلي الذي كانت تحلم به، وتنتظر سطوع شمسه على المغرب.

إن السؤال الجوهري الذي تطرحه نتائج الانتخابات الأولية، التي تشير بوضوح إلى تفوق حزب العدالة والتنمية، ليس حول ما إذا كان حزب العدالة والتنمية قد فاز حقا بالانتخابات البرلمانية، أو حول الكيفية التي فاز بها في هذه الانتخابات المصيرية لمستقبل المغرب؟ بل لماذا تفوق حزب العدالة والتنمية في هذه الانتخابات؟ وما هي العوامل التي أدت إلى تبوئه قمة هرم نتائج الاستحقاقات؟
في واقع الأمر، لا يمكن الحديث عن عامل واحد ساهم في تحقيق هذا الصعود السياسي لحزب العدالة والتنمية المغربي فقط، بل عن عوامل متنوعة تضافرت عبر المكان والزمان لتصنع هذا النجاح السياسي اللافت، أخذا بأن هذا الحزب هو في الأخير محصلة تطورات تاريخية شهدها الحراك الاجتماعي والسياسي المغربي؟ ولئن يظهر بأن حزب العدالة والتنمية صنيع نخبة سياسية معينة على مستوى التنظير أولا ثم التنزيل ثانيا، فهو أيضا صنيع جزء كبير من المغاربة على مستوى الوعي والاستجابة.

وتتحدد أهم العوامل التي ساهمت في صعود نجم العدالة والتنمية في سماء السياسة المغربية من خلال العناصر الآتية:

الحديث بلغة الجماهير: ليس المقصود في هذا الصدد لغة التواصل التي تتركب من رموز وأصوات وألفاظ، بل المراد أن حزب العدالة والتنمية يعبر من خلال خطابه السياسي وبرنامجه الانتخابي عن هموم الناس ومشاعرهم، ذلك لحضور الرؤية الدينية الإسلامية في خطابه السياسي، وارتباط أغلب قيادييه وفاعليه بالقاعدة الشعبية، وبساطة رسالته السياسية الخالية من الحمولات الإيديولوجية الليبرالية والاشتراكية المعقدة التي أصبح ينفر منها المواطن العادي، ما يؤهله لأن ينال استجابة مختلف شرائح المجتمع المغربي، من طلبة ورجال تعليم وحرفيين وتجار، وغيرها. (هذا الكلام قيل أثناء فوز الحزب وبناء على خطابه السياسي أثناء وقبل الانتخابات، غير أنه بعد مرور حوالي عام على ترأسه الحكومة بدأت تتعمق الفجوة بين أدائه السياسي وخطابه النضالي والدعائي).
الصعود التدريجي للحزب: منذ ظهور حزب العدالة والتنمية وهو ينافس بقوة الأحزاب التقليدية المعمرة، إلى أن تمكن من تجاوزها بشكل كاسح في انتخابات نوفمبر 2011 البرلمانية. ولا ينبغي اعتبار هذا الصعود الملحوظ وليد الآونة الأخيرة، بل شهد الحزب منذ مرحلته التأسيسية تدرّجا في العمل بشكل عمودي أكثر منه أفقي، إذ لم يكن هدفه في البداية استهداف أكبر قدر ممكن من المناطق والجهات، بل تعميق خطابه بشكل تدريجي واستراتيجي، ما جعل صعوده يتم أيضا بشكل تدريجي.
تنفيذ البرامج السياسية: تشير بعض آراء المواطنين الذين يقطنون في البلديات التي يسيرها حزب العدالة والتنمية، أنه طرأت عليها تحسينات وتغييرات ملموسة بالمقارنة عما كانت عليها فيما قبل، ولا يقتصر ذلك فقط على بعض الخدمات اليومية، كالنظافة والإنارة العمومية وتنظيم الأحياء والمراكز التجارية وغيرها، بل يتعداها إلى الخدمات الإدارية التي تقدم للمواطنين بشكل سلس وسريع تنتفي فيها الرشوة والمحسوبية والزبونية.
تداعيات الربيع العربي: لعل الثورات التي شهدتها وتشهدها المنطقة العربية وشمال إفريقيا، جعلت حزءا مهما من المواطنين يجنح إلى اختيار رمز المصباح على باقي الرموز الحزبية، لاسيما وأن التيارات الإسلامية القريبة من رؤية العدالة والتنمية (الإخوان المسلمون، حزب النهضة التونسي، ثوار سوريا وليبيا) أبلت بلاء كبيرا في تلك الثورات ولاقت تفاعلا جماهريا منقطع النظير.
احتجاجات الشارع المغربي: لا يمكن أيضا تغييب دور الاحتجاجات التي تشهدها مختلف ربوع المغرب منذ شهر فبراير الماضي، التي خلقت نوعا من الوعي لدى شتى طبقات المجتمع، فجعلها تتفاعل بشكل كبير مع الأحداث السياسية الوطنية الأخيرة، كالتعديلات الدستورية، والإفراج عن المعتقلين السياسيين، وصدور القانون المنظم للانتخابات، وتنظيم الانتخابات البرلمانية، ونحو ذلك. وبمجرد ما أزفت ساعة الاقتراع، كان قد تبلور لدى المواطن المغرب موقف معين من الوضعية السوسيو- اقتصادية والسياسية المتردية التي آلت إليها البلاد نتيجة تسيير الأحزاب التقليدية المفلسة. وهكذا لم يكن أمام المواطنين إلا أن يبحثوا عن البديل الناجع، الذي تلمسته في حزب العدالة والتنمية. ولا يشكل هذا الاختيار انتقاما أو عقابا لتلك الأحزاب فقط، بل رغبة في الإصلاح الحقيقي أيضا التي عجزت عن تحقيقه مختلف الحكومات المتعاقبة طوال أكثر من نصف قرن.
المواقف العالمية الغربية من الإسلام: لقد ترسخ في أذهان عدد من المسلمين أن الإسلام أو الأمة الإسلامية تتعرض في العصر الحديث لحرب جديدة من طرف الغرب الإيديولوجي، لا تختلف كثيرا عن الحرب الصليبية القديمة، وقد تجلى ذلك بوضوح تام في مختلف الأحداث والصراعات، كاحتلال فلسطين، ثم العراق وأفغانستان لاحقا، وحملات الإسلاموفوبيا، ودعم الأنظمة الدكتاتورية المستبدة، وغيرها. لذلك فإن الشعوب العربية ترى في كل من ينافح عن الإسلام ويذود عن حياضه ضد الحملات الأجنبية المثل الأعلى، الذي يجب أن يقتدي به ويتكتل حوله، كأنها تؤدي من خلال ذلك جانبا من فريضة الجهاد، أو أنها تكفر عن جانب من تقاعسها وسكوتها. ولعله في مثل هذا السياق يمكن استيعاب استجابة قسم كبير من المواطنين المغاربة لخطاب حزب العدالة والتنمية.

إن نجاح أي حركة سياسية لا يقاس بميزان الفوز بانتخابات بلدية أو تشريعية، بل بمدى ترجمة ذلك الفوز على أرض الواقع في شكل خدمات ملموسة وأوراش متنوعة ومشاريع ذات مردودية، وهذا ما فشلت في تحقيقه الحكومات السابقة التي تعاقبت على تسيير المغرب. واليوم جاء الدور على حزب العدالة والتنمية ليكون على المحك الحقيقي في زمن حساس من تاريخ المغرب، أمام مختلف شرائح المجتمع التي لبت دعوته ووضعت مستقبل المغرب بين يديه. ترى هل سوف يفلح الحزب الإسلامي في إدارة المغرب بنجاح في الوقت الذي فشلت فيه مختلف الأحزاب الرسمية والعلمانية واليسارية؟ ثم كيف سوف يتفادى الحزب ذو المرجعية الإسلامية التصادم مع ملك البلاد الذي يعتبر دستوريا ووطنيا أميرا للمؤمنين والممثل الأول للإسلام؟

*باحث مغربي مقيم في بلجيكا

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...