هل أتاك حديث “المساجد” بإيطاليا؟

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

ذ. أحمد براو

 

 

غالبا ما يطفو على السطح عبر وسائل الإعلام الإيطالية مسألة الوجود الإسلامي وكل ما يمت له بصلة، بحيث تتلقفه كل وكالات الأخبار خصوصا عند وقوع أحداث درامية تتعلق بالمسلمين كالحوادث الإرهابية والأخبار المتعلقة بالثقافة الإسلامية، مثل حقوق النساء والحجاب، والحرية الدينية وتطرف الشباب، وبناء المساجد وحلول بعض المناسبات الإحتفالية مثل الأعياد و شهر رمضان وغير ذلك، ما يجعل المسألة تأخذ أبعاد مثيرة للرأي العام وتكون مادة دسمة للتأثير على الشعب الإيطالي عبر التقارير الإخبارية والمنصات الحوارية باستضافة الخبراء والمختصين في الشأن الإسلامي وعلاقته مع الغرب، و تُجرَد من خلال هذه التقارير إحصاءات تتعلق بالإسلام والمسلمين دون التطرق لإنجازات ونشاطات الجالية المسلمة. وتتخللها مشاهد إثارة العواطف، غالبا ما تكون متحيزة ومضللة تقصد الإساءة وبث الخوف، وإثارة نزعة ما يعرف بالإسلاموفوبيا أو رهاب الإسلام، حيث تعتمد قصدا استعمال مصطلحات الغزو الإسلامي وتهديد الثقافة الغربية المبنية على العلمانية ذات الجذور المسيحية اليهودية، وأن الإسلام لا يتوافق مع المجتمع الإيطالي وعاداته وتقاليده وغير ذلك . وأحد أهم الموضوعات التي تأخذ من ذلك حيّزا هي مسألة دور العبادة الخاصة بالمسلمين، من مساجد ومراكز إسلامية و مدارس تابعة لها التي تأخذ على عاتقها تدريس أبناء الجالية المسلمة اللغة العربية والتربية الإسلامية، والحفاظ على الهوية الدينية وتساهم في إتاحة مناخ حرية التدين للأقلية المسلمة.

– إحصائيات خاصة بالمسلمين في إيطاليا

يمثّل المسلمون حوالي (2.7 مليون)، أو 4.9٪ من السكان المقيمين في إيطاليا، وتشمل هذه الإحصائيات كلاً من المواطنين الإيطاليين والمقيمين بجنسية أجنبية. أما بالنسبة للمكون المسلم من السكان فتحتل إيطاليا مرتبة أقل من المتوسط ​​الأوروبي ، أي ما يعادل 6.8٪ ورغم ذلك يحتل الإسلام المرتبة الثانية كأكثر الديانات انتشارًا في إيطاليا ، يتكون معظمهم من مواطني شمال إفريقيا وخاصة المغاربة بنصف مليون، يليهم مواطنو دول القارة الأوروبية والبلقان؛ الألبان أولاً ، ويليهم المولدوفيون والكوسوفار ثم المواطنون الآسيويون على وجه الخصوص من بنغلاديش والباكستان. وبالتالي ، فإن عدد المسلمين في إيطاليا مستقر ، مع نمو سنوي يقارب مائة ألف شخص لأسباب مختلفة ، بينما من حيث القارة الأوروبية فهي رابع دولة من حيث العدد المطلق ، بعد فرنسا (حوالي 6 ملايين) ، وألمانيا ( 5 مليون) وبريطانيا العظمى (4 ملايين) وأقل قليلاً من قيمة النسبة المئوية للاتحاد الأوروبي البالغة 5٪. كما يبلغ عدد المسلمين حاملي الجنسية أقل من النصف من حيث العدد الإجمالي للمسلمين بإيطاليا أي حوالي (1.2 مليون) مسلم إيطالي 51% منهم ولدوا في إيطاليا و 40% حصلوا على الجنسية والباقي أي 9% تحولوا إلى الإسلام .

أما الحركة الإسلامية في إيطاليا فقد بدأت مع البعثات الدراسية لبعض الطلبة من مصر والأردن وسوريا وفلسطين في فترة الستينيات و السبعينيات من القرن الماضي وقد كان أغلب هؤلاء الشباب المتدين من الطلبة الجامعيين هم من المنتمين والمتعاطفين مع جماعة الإخوان المسلمين وحزب التحرير الإسلامي ، وأصبح للجالية المسلمة حضور لافت في أواخر حقبة الثمانينيات من القرن الماضي، ومع تدفق الهجرة المغاربية وكذلك الجالية الألبانية وخصوصا المغاربة بحيث فاق عددهم في التسعينيات ثلاثمائة ألف مغربي وبالتالي ازداد عدد المسلمين بإيطاليا وأصبح التدين حاجة ملحة ويحتاح لفضاءات وبيوت عبادة فيما تزامن ذلك مع وفود مشايخ الدعوة والتبليغ من الهند والباكستان في بداية التسعينيات، وعرفت هذه المرحلة صحوة في إيطاليا والتزاما كبيرا بالدين والسنّة، وعودة للتشبت بالتعاليم الإسلامية والشعور بضرورة البحث عن الهوية ، وبحكم التظلمات التي كان يشعر بها المسلمون تجاه القضايا الإسلامية أهمها الإنتفاضة الفلسطينية والإبادة لمسلمي البوسنة في البلقان وكذلك انتصارات المجاهدين الأفغان ضد الغزو السوفييتي لأفغانستان والثورة الخمينية الإيرانية ثم قضية كشمير وغير ذلك من القلاقل التي كانت تجيّش الشباب الطلبة والعمال المهاجرين المسلمين في إيطاليا ما عجّل في عملية استمرار حركة بناء المساجد والمراكز الثقافية والمنظمات المختلفة وأصبح حضور الإسلام في المجتمع الإيطالي لافتاً، بل أخذ بعداً شرعياً، وفقاً للقوانين والأعراف الإيطالية التي تضمن الحرية الدينية لجميع الأقليات حسب الدستور الإيطالي.

– ظهور وتطور “المساجد” أو دور العبادة

الآن هناك حوالي 1600 “مسجد” في إيطاليا، منها 6 فقط تحت إشراف الحكومة الإيطالية، ومعترف بها كدور عبادة ومساجد خالصة، والبقية عبارة عن مراكز وجمعيات تستخدم فيها مكاتبها و مقراتها والتي تكون غالبيتها مستودعات ومآرب تحت العمارات، أو بنايات لبعض الشركات المغلقة، لإعادة استعمالها وتدويرها حتى تصبح معابد ومصليات تحتوي على صالة وملحق للنظافة والوضوء، بدون أدنى مقومات سليمة ومسوغات قانونية ومع ذلك يسمح لها بطريقة أو بأخرى تحت مسميات الجمعيات الثقافية والإجتماعية والتطوعية تندرج في المجال الثالث ، وتستعمل كأماكن للإجتماعات والتجمهر الذي يكفله القانون المنظم للجمعيات فيما تغض السلطات الطرف عن استخدامها كأماكن للعبادة والصلاة خاصة بالمسلمين رغم عدم حصولها على رخصة دور العبادة.

وقد عرفت فتح دور العبادة للطائفة المسلمة طفرة نوعية في القرن الحالي إذ تضاعف عددها من أقل من 800 مسجد قبل سنة 2000 إلى حوالي الضعف في الوقت الراهن أي في مدة قدرها عشرون سنة، بحيث تزايد هذا العدد مع تزايد الحركات الإسلامية والمؤسسات التي تحتضنها، ونخص بالذكر الحركة السلفية والجماعات الصوفية المريدية، و كذلك جماعة العدل والإحسان والتوحيد والإصلاح المغربيتين ثم حركة النهضة التونسية و الإنقاذ الجزائرية، وغيرهم من الحركات الصغيرة العدد، فيما يحسب للمغاربة أنهم المساهمون الأكبر في تأسيس المساجد و المراكز الإسلامية ودعمهم القوي ماديا ومعنويا للبناء والتشييد والإصلاح والإعمار والصيانة، وقد عرفت العشر سنوات الأخيرة ظهور تكتل جديد تحت اسم الكونفدرالية الإسلامية الإيطالية المغربية الهوية والمنشأ تعمل كإطار يجمع عدد من الفيدراليات بكل الجهات والمقاطعات الإيطالية وكل فيدرالية تضم تحت لواءها عدد من المساجد والمراكز ، وقد استقطبت داخلها عدد من المساجد التي كان يسيرها أعضاء جماعة التبليغ وبعض الجمعويين المغاربة ما وضعها في منافسة قوية بينها وبين اتحاد المنظمات والهيئات الإسلامية الإيطالية المحسوبة والمدعومة سابقا من حركة الإخوان والجماعة الإسلامية الباكستانية، و بصفة أقل بعض السلفيين ،و هذا التنافس أدّى لبناء أكبر عدد من المراكز والمساجد وإدخال بعض الإصلاحات والترميمات في جميع أنحاء التراب الإيطالي وجزيرة صقيلية، وتُتّهَم هذه الكيانات الثلاث بتلقيهم دعم مادي من بعض بعض الدول الأجنبية ما أصبح يطلق عليه إسلام السفارات..

– أدوار “المساجد” و المراكز الإسلامية “أوضاع وصراعات”

لابد ان نشير أن هذه المراكز والمساجد كانت هي المتنفس الوحيد للجالية المسلمة وهي أماكن التعبد والراحة النفسية والروحية وقد ساهمت بشكل كبير رغم بساطتها في سد النقص الذي كان يعاني منه المهاجر المسلم بإيطاليا من الناحية الدينية بحيث يلْتقي هناك بإخوانه المسلمين ويؤدون الصلوات والأذكار وتلاوة القرآن ويربّون أبناءهم على حب التدين واحترام المقدسات وتعليمهم اللغة العربية والقرآن الكريم ويجتمعون في المناسبات الدينية مثل رمضان والجمعات والأعياد وبعض المناسبات واللقاءات والدروس الدينية للرجال والنساء، مع حضور العلماء والمشايخ والدعاة من خارج إيطاليا ، وإقامة مسابقات حفظ القرآن والتلاوة للأطفال.
كما تعرف أيضا مراسيم إعلان الدخول في الإسلام لبعض الإيطاليين وإقامة مراسيم الزفاف على الطريقة الإسلامية والصلاة على الميت وتشييع الجنائز وجمع التبرعات لإعانة المحتاجين وإرسالها لبعض الدول الإسلامية التي تعاني من الكوارث والحروب.

وبجانب ذلك كله لم تتعرض السلطات الإيطالية للتضييق على المسلمين إلا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر الأليمة التي عرفت تفتيشا ومراقبة وتتبعا من طرف الأمن الإيطالي وتمكنت السلطات من إلقاء القبض على بعض المتطرفين من المرتادين للمساجد وبعض الأئمة التكفيريين والمتطرفين االذين كانوا يمجّدون العمليات الإرهابية ورحّلت عدد كبير يفوق المائة من هؤلاء المتابَعين قضائيا بتهمة العنف والتمييز والتطرف. زيادة على ذلك الإستهداف من طرف السياسيين الشعبويين من اليمين المتطرف “رابطة الشمال وإخوة إيطاليا” الذين يتهمون المسلمين بتعاليهم وعدم احترامهم للقواعد والقوانين المنظمة لدور العبادة وعرفت بعض الأحيان اعتداءات عنصرية ضدها، كالكتابة على الجدران وإلقاء الزجاحات الحارقة و ترك القاذورات ورؤوس الخنازير أمام أبوابها. وسط اتهامات باعتماد اللغة العربية وليس الإيطالية و أن لهم أئمة غير مؤهَّلين وليس لهم إلمام بالثقافة والتعليم الكافي في المدارس والجامعات الإيطالية.

ثم أن هذه المساجد المخالفة للقانون مباني مترهلة وتفتقر لأدنى مقومات السلامة والأمان والنظافة واحترام القوانين والأعراف والبيئة الحضارية للمدينة، وكذلك انغلاقها وانزواءها عن التواصل مع المجتمع الإيطالي.
صحيح أن بعض الأئمة لا يراعون مبدأ التعايش ويحاولون فرض دعاواهم ورؤاهم المتشددة حتى على المصلين والمرتادين رغم اختلاف الآراء الفقهية.

لكن الأنكى من ذلك كله هو استفحال ظاهرة الصراعات الداخلية في المساجد من ناحية التسيير وانشقاق الصفوف والتفرقة بين الجماعة الواحدة في المدينة أو القرية الواحدة وتَفرَّخ من المسجد مسجدين أو أكثر بدون الحاجة لذلك فقط نكاية ومنافسة وطلبا للمناصب والتمثيلية وحتى داخل المسجد الواحد تجد هناك أهواء مختلفة وآراء متضاربة تتقاتل فيما بينها لأبسط الأمور، وهو ما أدى إلى مشاحنات وعداوات وصلت بعضها للمحاكم، والسبب هو التعسف في اتخاذ القرارات الإنفرادية والتي تحتاج الإجماع والإتفاق والتوازن.

وكذلك إقصاء الآراء المعارضة، فَمَقولة “لا أريكم إلا ما أرى” تكاد تكون لسان حال أغلب رؤساء المراكز والجمعيات الإسلامية، متهمين المخالفين لهم بدعاوى خلق الفتنة،
كما يوجد هناك جرح عميق يتمثل في الإعتماد على العصبية والطبقية والإنتمائية. وإعطاء صبغة خاصة للمركز بحيث يصبح معروفا أنه ينتمى لهذه الطائفة الفلانية أو البلد الفلاني أو الجماعة العِلّانية.
فنجد مثلا مسجدا خاص بالعرب وآخر بالعجم واحد بالمغاربة وآخر بالباكستان وهذا مركز خاص بالدعوة والتبليغ وآخر بالسلفيين. إلخ…

هذه الصراعات والإنشقاقات والشروخ في المجتمع المسلم بإيطاليا استغلها وتلقفها أعداء المسلمين من اليمينيين المتطرفين ليتهموا الإسلام وينالوا منه بأن المسلمين متشرذمين ومتفرقين وليس لهم لسان واحد، ولا يصلح منهم من يكون محاورا أوحدا مع السلطات الإيطالية وبذلك بقي الإسلام هو الديانة الوحيدة الذي لم يحصل على الإتفاقية المنظمة للشأن الديني والأحوال الشخصية للمسلمين بإيطاليا.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...