“أرواحٌ صامتة” قصة قصيرة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

بقلم زيد عيسى العتوم

 

 

في مكان ربما لم تلمَسه قَدم, تظنُّه غارقا في سباته منذ القِدم, لم ترسمه ريشة رسام ولم يبُح بعنوانه قلم, كل ما يعرفه مجرد الصمت الناتئ من العدم, ليس فيه شعور من رشقة فرح أو كِسرة ألم, رياحه ترتجف كخطى الطفولة, ثم سرعان ما تتبدد بحُكم الكهولة, وعلى حين غفلة أُثقل المكان كغيمة يرهقها المطر, ففي إحدى ثناياه تبدّل الحال وتزحزح الزمان عندما انتصر القدر, وقبلت الرياح أن يكون آخر مسافريها ورقة شجر, فتراقصت واستدارت حيثما شاءت ثم تزحلقت مغمضةَ النظر, فارتطمت دون عذرٍ بساكنٍ تملّكه منها الضجر, دقّت أبوابه مراراً بغير حقٍ أو إبلاغ خبر, فأفاق المسكين أمامها لتدرك أخيراً أنها في حضرة حجر.

ورقة الشجر: اعذرني فأنا لم أقصد إفساد خلوتك, ولم أتعمد التصادم بك, لكنني ببساطة لا أملك قرار وجهتي, تتقاذفني الأقدار كيفما شاءت, وتحملني الرياح متى رغبت.

الحجر: لا ضير في ذلك, في البداية شعرت بالضيق من مجيئك, فأنا أرقد في مكاني هذا منذ عدة أعوام, لدرجة أن التراب من تحتي قد أصبح يكتسي بمنحوتة جسدي, ولم يقضّ مضجعي أحد من قبلك, ولم يخاطبني وأنا هنا أو يأبه بي كائن من كان, وربما يستحسن أن أفيق قليلاً قبل سباتي القادم, فلا تشعري بالخجل أيتها الزائرة.

ورقة الشجر: يُحزنني أنك لا تقوى على التنقل إن اردت ذلك, لكنك في الوقت ذاته تمتلك الشجاعة لعصيان أوامر الرياح الجائرة, أنا لا أمتلك مقارعتها أو حتى مشاكستها, وأخشى إن فعلت ذلك أن تنتقم مني شر انتقام, فقد تحملني بعيداً الى مكانٍ موحش, أو تهزّني فتسحقني ويتمزق جسدي اليابس حينها, أو تقتادني الى بحر عميق أغرق فيه فأفنى الى الأبد.

الحجر: كم أنتِ بائسة أيتها المسكينة, أكاد أتفهم تماماً ما تشعرين به, لكن أخبريني إن كان لعمرك نصف آخر تشتاقين اليه, نصف تلوّن بالسعادة واكتسى بالراحة, وما تزال ذكراه عالقة في مخيلتك حتى هذه اللحظة, هل تدركين ما أعني؟

ورقة الشجر: نعم أدرك ذلك جيداً, وربما جواب سؤالك هو أكثر ما أقتات به في أحلام يقظتي, وأجمل ما أستدعيه في مخيلتي ليؤنس وحدتني, كنت لصيق أمي الشجرة ومدللتها, تغمرني الدنيا بمحبتها وأنا أنظر الى المئات من شقيقاتي يحطن بي من كل جانب, وكانت أمي لا تأذن لنا الا باكتساء اللون الأخضر, وتواظب على تقديم الطعام والشراب لنا جميعاً وبدون انقطاع, وكان الناس يتمتعون برؤية أمي ومصافحة أغصانها والاستلقاء فوق ظلها البديع, كنت أسمع ضحكاتهم وأرقب حركاتهم وأشعر بعاطفتهم, كانت تلك اللحظات أجمل أيام العمر أو هي العمر كله, وفجأة وبينما كنت أتسامر مع شقيقاتي بصوت منخفض حتى لا نوقظ أمي المتعبة, أقترب أحد القتلة منا يحمل بيده شيئاً مخيفاً, قام بقتل أمي وذلك بقطع أرجلها بمنتهى البشاعة, شعرنا جميعاً بالخوف وأخذنا ننادي أمي لكنها كانت قد فارقت الحياة, وبعد فترة وجيزة ساء حالنا وأصفرّت أجسادنا, ثم عاد ذلك القاتل الرهيب مرة أخرى, ولكن هذه المرة ليحرق جسد أمي المتيبس وأجساد أغلب شقيقاتي بدون رحمة, أما أنا فأبعدتني الرياح عن النار, لا أظنها أنقذتني فأنا لست سوى قلب محروق وأشلاء روح معذبة.

الحجر: لست أدري ماذا أقول بعد أن سمعتك, لو تستطيع الحجارة إخراج دموعها لبكيتك ولربما بكيت نفسي, الكثيرون يظنون أننا لا نشعر ولا نتألم, يتزينون بنا ونحن يافعون ثم ينتهي بنا المطاف في نيران مواقدهم أو بين أسنان آلاتهم اللعينة, ربما لست بأحسن حالاً منك أيتها الورقة الشاحبة, فقد كنت أتربع مع أشقائي فوق قمة أحد الجبال العالية, نداعب السحاب في كل يوم دون حتى عناء أن نمد أيدينا صوبه, ونغسل أجسادنا البيضاء بالمطر العذب عند الهطول, ثم تحتضننا الشمس لتجفيف ما يؤرقنا من البلل, وفي صبيحة أحد الأيام المشمسة الذي لن أنساه ما بقيت, جاء أحدهم يحمل بيديه مطرقة ثقيلة سوداء, وأخذ يطرق بقوة فوق هاماتنا وأكتافنا المتشابكة, تساقط العديد من أشقائي صرعى وقد تفتت وسُحقت الكثير من قطع أجسادهم المكسّرة, حاولت احتضان أصغر أشقائي لكنني لم أفلح في ذلك, وشعرت حينها بالبرد القارص لأنني لا املك ما أحتمي به, كان فتات الأجساد منتشراً كالدماء المسكوبة وفي كل مكان حولي, وقد غدت الأطراف الملساء المقطعة خشنةً ومدببة, ثم همّ ذلك الرجل بتجميع وحمل ما تيسر له من الجثث فوق عربته المترنّحة, وتركني وحيداً كما تريني لا أملك من أمري شيئاً, انتقل من سبات الى سبات, وأخرج من حزنٍ الى حزنٍ آخر.

ورقة الشجر: كم نتشابه أنا وأنت أيها الحجر اليتيم!, فأنا مثلك أسبح في فضاءٍ من اليُتم, وماضيك المكسّر يُحاكي ماضيي المبتور, وأدرك جيداً أن آهاتنا لا تخرج من فناء نُدب أرواحنا, والا لملأت الدنيا كآبة وانكسارا, لا أظن أن البشر يعرفون عنّا شيئاً, وحتى لو عرفوا فما الفائدة التي سنجنيها!, ترى لو عرفوا أن الباب الذي يغلقونه بغضب وقسوة يملك إحساساً دفيناً, وأن الماء الذي يسمع صرخاتهم ويرى أحقادهم يشعر بما يقولون ويفعلون, وأن الرمال التي يسيرون عليها تتفانى جاهدة في حملهم دون شكوى, ترى هل سيغير ذلك من الأمر شيئا!.

الحجر: لا أظن أن شيئاً سيتبدّل من طرفهم, فقدرنا أن نبقى أدوات يومهم وعربات أحلامهم وأركان خيالهم الجامح, كم وددت لو يعرف البشر أن المكان الذي يحبونه ربما هو يحبهم, وأن الطعام الذي يتلذذون بتناوله ربما هو يهنأ في جوفهم, وحتى الحجارة التي يحسبونها عمياء صماء ربما تبتهج وهي تصنع بيوتهم التي تأويهم, مثلما أنها لا تنفك تبكيهم وهي تحتضن أجسادهم الميتة في قبورهم, فتموت معهم وتتوارى برحيلهم.

عادت الرياح تتراقص بقوة مرة أخرى, ربما أسعدها ما سمعت فرغبت بمداعبة الحجر وإبلاغه التحية, أو أرادت مواساة ورقة الشجر فحملتها بخفة في رحلةٍ يجهل الجميع مقصدها, لم تمتلك الورقة حرية البقاء, ولم يمتلك الحجر إعطاء الإذن لها بالانصراف, فكان الوداع هادئاً كما لو كان لمسةً من الوهم, أو نفثة من السراب تطلقها تلك الأرواح الصامتة!.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...