*عبداللطيف الوراري
تمثل اللغة العربية أحد الأركان الأساسية للتنوع الثقافي للبشرية في وقتنا الراهن؛ فهي عدا عن كونها إحدى اللغات الأكثر انتشارا واستخداما في العالم، وكونها لغة القرآن الكريم، ولغة شعائرية رئيسية لدى عدد من الكنائس المسيحية في المنطقة العربية، حيث كتب بها أبرز الأعمال الدينية والفكرية اليهودية في العصور الوسطى، تزخر هذه اللغة بسجل حافل ومتنوع من الآداب والفنون والمعارف منذ عصور ما قبل الإسلام، يشمل كتب الشعر والنثر والتفسير والفلسفة والتصوف والموسيقى والهندسة والجبر والفلك وغيرها، ولذلك تنوعت أصولها وجمالياتها، وأثّرتْ في مراحل وأجيال من تطور الفكر الإنساني، حين ساعدت على نقل المعارف العلمية والفلسفية اليونانية والرومانية إلى أوروبا في عصر النهضة، وأقامت جسور الحوار بين الثقافات على طول المسالك البرية والبحرية لطريق الحرير من سواحل الهند إلى القرن الافريقي، ومن ثمة أثّرتْ في كثير من لغات العالم ومثلت حافزا لإنتاج المعارف ونشرها.
عرفت العربية عصور ضعف وتراجع، إلا أنها لم تمت في وجدان أبنائها ومبدعيها، وهي اليوم تواصل رسالتها الإنسانية بشجاعة نادرة في ضوء الإكراهات الجمة التي تواجهها. وفي إطار دعم وتعزيز تعدد اللغات والثقافات في الأمم المتحدة، اعتمدت إدارة الأمم المتحدة للتواصل العالمي قرارا بالاحتفال بكل لغة من اللغات الرسمية الست للأمم المتحدة. وبناء عليه، تقرر الاحتفال باللغة العربية يوم 18 كانون الأول/ ديسمبر من كل سنة، والغرض من هذا اليوم هو إذكاء الوعي بتاريخ هذه اللغة وثقافتها وتطورها من خلال إعداد برنامج أنشطة وفعاليات خاصة. وتتعلق احتفالية عام 2021، حسب ما جاء في نشرة الأمم المتحدة، بموضوع “اللغة العربية والتواصل الحضاري”، الذي يكتسي أهمية بالغة في كنف المجتمعات التي تتعاظم فيها العولمة والرقمنة والتعددية اللغوية، إذ يُسلم بالطبيعة المتغيرة للعالم والحاجة الماسة لتعزيز الحوار بين الأمم والشعوب.
تفتح جريدة “القدس العربي”، بالمناسبة، أفقا للحوار والتفكير في حاضر اللغة العربية ومستقبلها؛ إذ استكتبت في الموضوع أكاديميين وكُتابا وشعراء من لبنان والجزائر والعراق والمغرب، باعتبارهم معنيين به داخل ميادين متنوعة من الحياة الثقافية؛ في الإبداع الأدبي، والمدرسة، ونُظُم التعليم، والإعلام، والفضاء العمومي ومواقع التواصل الاجتماعي. لسان حالهم: العربية تحيا وتتجدد في آدابها، إلا أنها متروكة “على غاربها” في مناحٍ أخرى.
مشاكل العربية: شربل داغر
إن فحص العربية، اليوم، يؤدي إلى وصف حالٍ متعدد الأوجه، سأختصره في التالي: للعربية مشكلة تكوينية، إن جاز القول، تتمثل في أنها تتعين في لغتين واقعا: الفصحى والعامية، وفق اختلافات واسعة بين هذه الجماعة العربية أو تلك. وإن طلبتُ تعريف العربية وجب السؤال: أي عربية أقصد؟ أهي عربية الجاهلية؟ أهي عربية القرآن؟ أهي العربية التي يتحدر منها الشعر النبطي أو الزجل اللبناني والسوري والعراقي أو الملحون المغاربي؟ عربيتان، إذن، قديمتان ومستمرتان؛ ويزيد من مشاكلهما كونهما تتعايشان وفق محددين: العصر والمجتمع. فالفصحى كما العامية تتبدلان تبعا لهذا العصر أو ذاك، في هذا المجتمع أو ذاك، ما يجعل الحديث ممكنا عن “حيوات” العربية. في هذا تبدو العربية تاريخية، من جهة، وعابرة للتاريخ (أو: ما فوق تاريخية)، من جهة ثانية. لهذا أهمية لافتة، وهي أن العربية هي من أكثر اللغات قدما وراهنية في الوقت عينه، إذ يقوى الطالب في القرن الحادي والعشرين – وإن بصعوبة – على قراءةِ وفهمِ نص يعود إلى القرن الميلادي السادس، ما يغطي مساحة تزيد على خمسة عشر قرنا من التواصل والاستمرارية والديمومة. لهذا لا يتم التمييز ـ لأسباب عديدة ـ بين العربية القديمة والعربية المتأخرة أو الحديثة، وهو ما يمكن أن يلاحظه أي دارس بمجرد المقارنة بين كتابات ترقى إلى هذا العصر أو ذاك من عصور العربية المختلفة. إلا أن لهذه الوضعية مشكلة (بين عدة مشاكل أخرى)، وهي أن اللغة تراكم فلا تفرز، وتستجمع في متنها، باختصار، “حيوات” مختلفة ومشتركة للعربية. هذا فيما باتت لغات عديدة، مثل الفرنسية والإنكليزية وغيرهما، تميز بين لغتها “القديمة” ولغتها “الحديثة”.
للعربية مشاكل في كتابتها، في إملائها، إذ احتفظت بأعراض متأتية من “حيواتها” التاريخية السابقة والمتعددة. أحد هذه الأعراض هو بقاء أثر شفوي، إرسالي، في أبنيتها الإملائية وتتقيد به: تشترط قواعد العربية المعمول بها كتابة: “إن”، لا “أن” بعد فعل القول (وفي استعمالات لغوية أخرى)؛ وهي قاعدة يُراد منها الاحتفاظ بالمبنى الشفوي للقول وإظهارُه، فيما كان يتوجب الاهتمام بما آلت إليه العربية في صيغها الكتابية. مثال آخر: يتم التمييز بين كتابة : “إذن”، و”إذاً”، في أحوال وأحوال، ما لا قاعدة ثابتة له… هذا الأثر الشفوي، والإرسالي في العربية يترافق مع مشكلات ناتجة عن اجتهاداتٍ – مقترحاتٍ اللغويين، وتتمثل في ما يصح (على سبيل المثال) في كتابة الهمزة، في أول الألفاظ أو في وسطها أو في نهاياتها… وهو ما يُوقِع كاتبُ النص العربي في مشاكل لا تنتهي، ولا يقوى المعلم على تعليمها بصورة مبسطة ومنسقة، وإنما يتوجب عليه شرحها والتسليم بها كما وردت من دون قدرة تعليلية أكيدة.
للعربية مشاكل في قواعدها، وهو ما لم يُعرض ويُدرس كفاية، إذ إن ما نسميه كُتب “القواعد” لا يعدو كونه عملَ اللغويين المتأخرين الذين وضعوا هذه الكتب التعليمية (مثل كتب رشيد الشرتوني ومصطفى الغلاييني في لبنان)، تأثراً بكتب (grammaire) عند الفرنسيين، و(grammar) عند الإنكليز، فاستنسبوا واختاروا من المتون القديمة صياغات وقواعد، بل صاغوها بأنفسهم، دون إحالتها على، أو إقرارها الإلزامي من جهة مولجة بسياسات العربية، أي بسلطانها. لهذا نجد المقالات والكتب والمعاجم أحيانا تصدر تباعا تحت عناوين مشابهة لهذا العنوان الشهير: “لا تقلْ… بل: قلْ”.
للعربية مشاكل في معاجمها، إذ إن معاجمها المعاصرة ـ لو اكتفيتُ بها، دون القديمة التي لها مشاكل أخرى ـ وُضعت من قبل أفراد، إن وضعنا جانبا “المعجم الوسيط” الذي وضعه “مجمع اللغة العربية” في القاهرة. وهي معاجم منتقاة من متون ومعاجم قديمة ومن جداول مفردات ودلالات متأخرة، جرى أخذُها من مدونات الأدب والصحافة، من دون أن يكون لهذه التدابير سياسات معلنة ومقررة ومتفق عليها. هذا ما يجعل المعجم ـ وهو مخزون اللغة وحياتُها ومرجعُها ـ عرضة للعمل الفردي والانتقائي، حتى إن تحكمت به الأمانة والاستقامة.
للعربية مشاكل في أساليبها، حيث تتعايش فيها أساليب وأساليب، ما يعود إلى العصور، من جهة، وإلى كاتبي العربية، ولاسيما المبرزِين والمجددِين فيها، من جهة ثانية. وما يزيد من هذه المشاكل ـ التي كان لها أن تجلب تجديدات للغة وتوسعة لها – هو امتثال العربية أحيانا، في بعض جُملها وتراكيبها، لضغوط ملحة من لغات أخرى، نافذة عليها. هذا يتعين – لو طلبت مثالا واحدا – في ما لا يتوانى أحد زملائي الجامعيين عن ذكره، وهو أن العربية افتقدت في أساليبها استعمال: المفعول المطلق، على سبيل المثال. مع ذلك، العربية تحيا، وتتجدد، في أدبها، إلا أنها متروكة في نُظُم تعليمها، “على غاربها”، حسب العبارة القديمة.
*شاعر وأكاديمي لبناني





