*عبد المطلب علاء الدين
هي ميزة على متميزين أن يحمل عباس محمود العقاد لقب (عملاق الفكر العربي) في عصر كثر فيه العمالقة الذين تركوا لنا إرثا فكريا غنيا، يستمر حصاد ثماره لأجيال من بعدهم. وعند هذا العملاق نقف الآن لنفتح نافذة على كتابه: (التفكير فريضة إسلامية).
ولا يخفى على العقاد أن ما يقرره عنوان الكتاب لا يصح أن يأتي اعتباطا، وإنما نعلمه من مصدره الطبيعي، لذلك فإنه يسوق لنا في الفصل الأول شواهد كثيرة من القرآن الكريم تؤكد فيه مزية التنويه بالعقل، والتعويل عليه في أمر العقيدة، وأمر التَّبعة والتكليف، ويتضح ذلك من خلال الإشارات المتكررة بالثناء على الذين يتفكرون وعلى الذين يعقلون. وهو يبين من خلال الآيات الكريمة أنّ فريضة التفكير تشمل وظائف الإنسان العقلية على اختلاف أعمالها وخصائصها.
فالقرآن يخاطب العقل الوازع، المانع عن المحظور والمنكر، ومثال ذلك قوله تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) [سورة الأنعام/ 151].
ويخاطب كذلك العقل المُدرك الذي يُناط به الفهم والتصوّر، كما في قوله تعالى: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) [سورة البقرة/ 197].
وهو يخاطب أيضاً العقل الحكيم، الذي يتأمل فيما يدركه، ويقلبه على وجوهه، ويستخرج منه بواطنه وأسراره، ويبني عليه نتائجه وأحكامه. وهذا نجده في الآية الكريمة: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم ۗ مَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ) [سورة الروم/ 8].
ويندب الإسلام بعد ذلك من يدين به إلى مرتبة في التفكير أعلى من المرتبة التي تدفع عنه الملامة، أو تمنع عنه المؤاخذة، فيستحب له أن يبلغه بحكمته ورشده، ويبدو فضل الحكمة والرشد على مجرد التعقل والفهم من آيات متعددة في الكتاب الكريم يدل عليها قوله تعالى: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) [سورة البقرة 269].
وحين يكون العمل بالعقل أمرا من أوامر الخالق يمتنع على المخلوق أن يعطّل عقله مرضاة لمخلوق مثله، أو خوفا منه. وأكبر الموانع في سبيل العقل ثلاثة: عبادة السلف التي تسمى بالعرف، والاقتداء الأعمى بأصحاب السلطةِ الدينية، والخوف المهين لأصحاب السلطة الدنيوية.
وعند كلٍّ من هذه الموانع يقف الكاتب ليبين القول فيها. فحيال العرف الذي كان أقوى تلك الموانع يقرر الإسلام أنه لا حق للآباء أن يحعلوا الإنسان ضحية مستلمة للجهالة التي درجوا عليها. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [سورة التوبة/ 23].
أما عن الانقياد الأعمى لأصحاب السلطة الدينية، فقد حذّر الإسلام من فساد الكهان والأحبار، وأبطل سلطان علماء الدين على الضمائر؛ ونفى عنهم القدرة على التحريم والتحليل والإدانة والغفران، ثم نبه إلى سيئاتهم وعاقبة الذين استسلموا لخديعتهم. قال تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) [سورة التوبة/ 31].
وحق العقل في مقاومة الحكم المستبدّ كحقه في مقاومة سلطان العرف وسلطان الأحبار، ويزيد عليه أن المسلم يُلام على الخضوع في مكانه إذا كان في وسعه أن يرحل منه إلى مكان بعيد من سلطانه. قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) [سورة النساء 97].
ويشير المؤلف إلى أن هذا كله لا يتناقض مع كون الإسلام هو الدين الذي امتاز بين الأديان بوصاياه الكثيرة في توقير الآباء، والرجوع إلى أهل الذكر، وتمحيص الطاعة لولاة الأمور؛ فالفرق كبير بين طاعة مبصرة للحق يدعو إليها الإسلام، وطاعة عمياء للباطل يرفضها ويحذر منها. وتحكيم العقل في هذه المسائل خطاب الإسلام للأمم، كما أنه خطاب لأفرادها متفرقين.
على ضوء ما سبق ينظر العقاد في مسائل المنطق والفلسفة والعلم والتصوف، ويتوقف عند الفن والمعجزة والأديان الأخرى، ويناقش الاجتهاد في الدين والمذاهب الاجتماعية والفكرية والعرف والعادات؛ ليبين فهمه لموقف الإسلام من هذه القضايا والموضوعات.
فالوصول إلى الحقائق مطلب جليل في الإسلام، والوسائل التي تلبي هذا المطلب مشروعة طالما كانت منضبطة بقواعد الدين، وعلى هذا الأساس يفهم المؤلف دعوة الإسلام للعلم الذي يتناول كل موجود، ويتصل بالعبادات والشعائر، كما يتصل بمعرفة الإنسان لحقائق الوجود في نفسه ومن حوله.
ويرى أن المنطق بمعنى البحث عن الحقيقة عن طريق النظر المستقيم، والتمييز الصحيح يلقى في بيئة الإسلام ترحيبا. ويشير إلى أن الإسلام لا يحجر التفكير في شأن من شؤون الفلسفة ما لم تكن في المذهب الفلسفي موبقة غير مأمونة على الشريعة، أو على سلامة الجماعة.
ويربط العقاد بين الفلسفة والتصوف، لأن التعمق في طلب الأسرار صفة مشتركة بين الصوفية وفلاسفة التفكير الذين يغوصون على الحقائق البعيدة.
ويبسط الكاتب القول في وجود أسس يفهمها العقل، ويطمئن إليها الضمير، تضبط موقف المسلم من الأديان، ومن المذاهب الاجتماعيِّة والفكرية المعاصرة، وكذلك في تعاطيه مع الأعراف والعادات الوافدة من الأمم الأخرى.
فليس من روح الإسلام أن يجمد المؤمن على عادة موروثة لأنها عادة موروثة، وليس من روحه أن يرفض عادة جديدة لأنها عادة جديدة، ولكنه يعتصم من روح الإسلام بحصانة تعيذه من سحر الغلبة، فلا تهوله بروعتها، ولا تجنح إلى الفناء في غمارها، والاستسلام لقيادتها.
كما يتعرض العقاد للحديث عن المعجزة فيرى أن الإسلام يضع المعجزة في موضعها من التفكير ومن الاعتقاد، فهي ممكنة لا استحالة فيها على الخالق المبدع لكل شيء، ولكنها لا تهدي من لم تكن له هداية من بصيرته واستقامة تفكيره.
وفي فصل الاجتهاد في الدين يرى العقاد أنه لا تعارض بين النص والاجتهاد في وجوب الفهم في كل منهما، وأن المسلمين تعلموا من عهود الخمول والنكسة دروسا كالتي تعلموها من عهود العزة والتقدم، فحواها من طرفيها المتناقضين أن العجز عن الاجتهاد والعجز عن الحياة مقترنان، وأن المسلمين يحتفظون بمكانهم بين أمم العالم ما احتفظوا بفريضة التفكير.
في الخاتمة، يشير العقاد إلى أنه كتب هذه الفصول عسى أن يكون فيها جواب هاد لأناس من الناشئين يتساءلون: هل يتفق الفكر والدين؟ وهل يستطيع الإنسان العصري أن يقيم عقيدته الإسلامية على أساس من التفكير؟
ويرجو عملاق الفكر العربي أن تكون هذه الفصول تعزيزا للجواب بكلمة “نعم” على كل من هذين السؤالين. نعم يتفق الفكر والدين، ونعم يدين المفكر بالإسلام وله سند من الفكر، وسند من الإيمان
*مهندس وكاتب سوري





