‮ ‬2021.. المغرب‮ ‬يربح‮ ‬رهان القوة مع ألمانيا

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

عبد الحميد اجماهيري

 

 

عندما‮ ‬يقع ما لا‮ ‬يكون في‮ ‬الحسبان السياسي،‮ ‬فلا شك أن قانونا من قوانين المعادلة قد تغير تغيرا جذريا في‮ ‬الحال والمآل‮.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وذلك ما‮ ‬ينطبق على العلاقات المغربية الألمانية‮، ‬وما حصل فيها من تغيّرات جذرية‮ ‬لم تكن واردة إلى حدود شهر نوفمبر الماضي‮ ‬من السنة الماضية‮.‬ ‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

بدأت الحكاية‮ ‬مع الاعتراف الأميركي‮ ‬بالسيادة المغربية على الصحراء‮‬، في‮ ‬10‮ ‬ديسمبر‮ ‬2021، والذي‮ ‬تلقته ألمانيا بطريقة‮ ‬غير ودّية،‮ ‬فدعت إلى انعقاد مجلس الأمن “‬للنظر في‮ ‬التطورات الخاصة بالصحراء”. ‬وضاعفت‮ من توجّسات الرباط،‮ ‬عندما سعت، بكل قوتها، إلى تغييب المغرب عن الملف الليبي،‮ ‬والذي‮ ‬كانت الرباط تحتضن أشغاله، ووصلت به إلى جدول‮ ‬أعمال‮ متوافق عليه قبل‮ ‬مؤتمر برلين الشهير،‮ ‬ثم لم تألُ ألمانيا جهدا في‮ ‬دفع الاتحاد الأوروبي،‮ ‬عبر استشارات شبه رسمية، إلى تقليص دعمه‮ ‬المغرب‮، ‬مقابل تقوية دعم الجزائر وتونس،‮ ‬وخاتمة الأثافي‮ ‬أن برلين قدّمت معلومات حصلت عليها من المخابرات المغربية لفائدة‮ ‬معتقل‮ مغربي‮ ‬مهاجر‮،‮ ‬في‮ ‬قضايا الإرهاب سابقا‮.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

تغيرت معطيات المعادلة الألمانية المغربية لصالح اصطفاف‮ ‬واضح وصريح لألمانيا‮ مع السياسة الإقليمية والداخلية للمغرب

كل هذه المعطيات السلبية‮ ‬دعت المغرب إلى تعليق أنشطة التعاون مع السفارة الألمانية في‮ ‬الرباط، ثم استدعاء السفيرة المغربية في‮ ‬ألمانيا عنوانا لوجود أزمة عميقة بين الدولتين التي دخلتا، تاليا، في‮ ‬رهان قوة جدّي‮ ‬وصريح،‮ ‬بلغت مدارجه إعلان المغرب القطيعة الدبلوماسية. والواضح أن‮ ‬غير قليل من المراقبين‮ ‬رأوا في‮ ‬الموقف المغربي‮ ‬نوعا من القفزة في‮ ‬المجهول،‮ ‬وتحدّيا لا‮ ‬يليق به،‮ ‬مع دولة هي‮ ‬المحرك‮ ‬الاقتصادي‮ ‬الأساسي‮ ‬لأوروبا، و‬زعيمة‮ ‬الاتحاد الأوروبي‮. بيد أن تطورات الساحة السياسة الثنائية حدثت بشكل مفاجئ وعميق لفائدة الرباط التي‮ ‬جعلت من السيادة الوطنية نقطة الارتكاز الجوهرية في‮ ‬الحكم على علاقاتها مع شركائها‮.‬ ‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

ومباشرة بعد أن تغير ‮‬الجهاز التنفيذي‮ ‬الفيدرالي،‮ ‬تغيرت معطيات المعادلة الألمانية المغربية لصالح اصطفاف‮ ‬واضح وصريح لألمانيا‮ مع السياسة الإقليمية والداخلية للمملكة المغربية‮.‬ ‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬وجاء ذلك في بيان أصدرته الخارجية الألمانية بدون سابق إنذار،‮ ‬بل في‮ ‬وقتٍ‮ ‬كانت برلين تعطي‮ ‬الإشارة والإشارة المضادة إزاء الرباط،‮ ‬كما تبين من تحركات السفارتين الأساسيتين لها في‮ ‬غرب المتوسط،‮ ‬في‮ ‬مدريد وفي‮ ‬الرباط‮.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬ الأولى تنقل رئيس ممثليتِها إلى سبتة المحتلة،‮ ‬لتدارس الإجراءات المتعلقة بالهجرة‮، ‬ما أزعج الرباط،‮ ‬والثانية أصدر رئيس ممثليتها بيانا‮ ‬يدعو الى تعامل على قدم المساواة مع المملكة‮!‬ ‬‬‬هذا التأرجح الألماني‮‬، ‬الذي‮ ‬طالما حيَّر السياسيين في‮ ‬الرباط،‮ ‬استقر بندوله على ساعة المصالحة العميقة‮، ‬عندما قرّرت الخارجية الألمانية إصدار بيان ‬بشأن القضايا الخلافية برمتها‮. ‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

في‮ ‬الشق‮ ‬المتعلق بالدور الإقليمي‮ ‬للمغرب حمل الرد الألماني‮ إقرارا واضحا بالدور المغربي

في‮ ‬الشق‮ ‬الأول‮ ‬من عناصر الأزمة،‮ ‬والمتعلق بالصحراء‮، “اعتبرت الوزارة الفيدرالية الألمانية للشؤون الخارجية، ‬أن مخطط الحكم الذاتي‮ ‬يشكل مساهمة مهمة للمغرب في‮ ‬تسوية النزاع حول الصحراء‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬”، ‬وأعلنت ألمانيا أنها تدعم الجهود المبذولة من المبعوث الشخصي‮ ‬للأمين العام للأمم المتحدة،‮ ‬ستيفان دي‮ ‬ميستورا‮، ‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬ودعمت التوصل إلى حل سياسي‮ ‬عادل،‮ ‬دائم ومقبول على أساس القرار ‬2602‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬. وهذا ليس سقف ما تريده الرباط،‮ ‬بل مقدمة منطقية للارتقاء إلى ما هو أبعد من الحد الأدنى الأوروبي،‮ ‬المتمثل في‮ ‬دعم مسلسل التسوية من خلال قرارات مجلس الأمن،‮ ‬ومنها القرار الصادر أخيرا. ‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬كما‮ ‬يقول البيان ‬الصادر عقب تنصيب المستشار الألماني‮ ‬الجديد، أولاف شولتز،‮ ‬إن المغرب‮ “‬خطا خطوة مهمة في‮ ‬اتجاه الحل في‮ ‬قضية الصحراء‮”.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬ وفي‮ ‬الشق‮ ‬المتعلق بالدور الإقليمي‮ ‬للمغرب،‮ ‬سيما في‮ ‬ملفات شمال أفريقيا‮‬، حمل الرد الألماني‮ إقرارا واضحا بالدور المغربي،‮ ‬عبر تسليط الضوء على‮ ‬المجهود المهم‮ “‬من أجل الاستقرار والتنمية المستدامة في‮ ‬المنطقة‮. ‬ويتجلى ذلك على الخصوص،‮ ‬في‮ ‬مجهوداتها الدبلوماسية لفائدة عملية السلام الليبية‮”. وقد تجاوب المغرب،‮ ‬في‮ ‬ردّه‮، مع إرادة برلين في‮ ‬استئناف العلاقات،‮ ‬مع‮ “استئناف قانوني‮ ‬مضمر‮” ‬مفاده بأنه‮ ‬ينتظر‮ ‬ربط الأقوال‮..‬. بالأفعال‮!‬ ما الذي‮ ‬وقع حتى‮ ‬غيرت برلين من موقفها‮ 081 ‬درجة؟‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

ألمانيا ‬لا تخفي‮ ‬ميلها إلى التركيز على ازدهارها الاقتصادي‮ ‬من دون التورّط كثيرا في‮ ‬القضايا الدولية الكبرى

‮ما حدث أن أفق انتظار ألمانيا من تغيير‮ الرئيس الأميركي، ‬جو بايدن‮، سياسة سلفه‮ ‬دونالد ترامب‮ ‬بخصوص الموقف من مغربية الصحراء، خاب للغاية،‮ ‬لا سيما لمّا دافعت الإدارة الأميركية عن كل مسوغات القرار وأعلنت، رسميا،‮ ‬على لسان ممثلها في مجلس الأمن نفسه، أنها مع المقترح المغربي‮ ‬المتمثل في‮ ‬الحكم الذاتي‮. ‬والمعطى الثاني‮ ‬يتمثل في‮ ‬وصول‮ شولتز،‮ ‬ليحتل منصب أنجيلا ميركل‮. ‬ذلك أن ألمانيا التي‮‮ ‬لا تخفي‮ ‬ميلها إلى التركيز على ازدهارها الاقتصادي‮ ‬من دون التورّط كثيرا في‮ ‬القضايا الدولية الكبرى، وبما أنها سطّرت، في‮ ‬برنامج‮ حكومتها الجديدة، إرادة‮ “‬تعزيز السيادة الاستراتيجية للاتحاد الأوروبي‮”،‮ ‬فهي‮ ‬ولا شك تقدِّر الاحتكام إلى السيادة الاستراتيجية لبلدٍ كالمغرب أصبح له دور محوري‮ ‬في‮ ‬غرب المتوسط وشمال أفريقيا والشرق الأوسط‮. ‬مع وعي‮ ‬مأساوي‮ ‬بحدود هذه السيادة الاستراتيجية‮‬،‮ ‬بحسب ما تراه‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬ ‬الأستاذة في‮ ‬جامعة كامبريدج، هيلين طومسون،‮ ‬من‮ أن‮ “‬الاتحاد الأوروبي‮ ‬الذي‮ ‬أضعفه التنافس بين الولايات المتحدة والصين، والمنقسم داخليا بعمق‮ (…) ‬لا‮ ‬يمكن قيادته في‮ ‬الوقت الحالي،‮ ‬ولن‮ ‬يصبح أي‮ ‬شخص ميركل الجديدة‮”، الأمر الذي‮ ‬لا‮ ‬يمنع المستشار الجديد أن‮ ‬يكون هو نفسه،‮ ‬باستحضار شروط‮ ‬الأدوار الجديدة بالنسبة لاتحاد أوروبي‮ ‬يعيش كيتيم لحلف الناتو‮، ‬بلغة‮ ‬الخبير والمستشار الرئاسي‮ ‬الفرنسي‮، ‬جاك أتالي‮.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

لقد ربح المغرب الرهان مع دولة قوية مثل ألمانيا،‮ ‬بسبب إيمانه القوي‮ ‬بعدالة قضيته،‮ ‬ثم بإيمانه أن أدوار الدول‮ تتحدّد حسب موازين القوى‮ ‬الجديد في‮ ‬التوزيع الدولي‮ ‬للعمل،‮ ‬ثم بقدرة القيادة على حسن‮ ‬قراءة الجيوستراتيجية للتحولات الكبرى‮ ‬مع‮ ‬تنويع الشراكات‮ ‬التي‮ ‬تقودها إلى تعاملٍ منتجٍ مع الصين‮ (صناعة اللقاح والمدن التكنولوجيا نموذجين) ‬وروسيا، ومع الاحتفاظ بالتحالفات التقليدية العميقة مع أميركا، وفتح آفاق جديدة مع المملكة المتحدة،‮ ‬بعد‮ ‬خروجها من الاتحاد الأوروبي‮ (‬بريكسيت‮)‬،‮ ‬عبر‮ ‬إبرام اتفاقية شراكة استراتيجية والربط القارّي‮ ‬لتنويع مصادر الطاقة‮.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...