بقلم زيد عيسى العتوم
يُعدّ “القدر” من أكثر المعضلات وأهم القضايا التي استوطنت في التراث والفكر الفلسفيّ, فانشغل الكثيرون بالغوص والتبصّر في بحار “الضرورة والاختيار”, وأمام تلك الأسئلة وخلف تلك المتاهات اصطفّ رموز الفلسفة وبقربهم ما تيسّر من رجال الدين, فحفروا ونبشوا المقادير والاحوال والازمان, لتبقى الحقيقة سيفاً على الانسان, ومطلباً لا يحدّه أوان.
قد لا يختلف السياسيون عن غيرهم عند الإنزلاق في سراديب الإرادة واللاإرادة والإبتلاء, في عالمٍ لم يعد فيه لإعطاء “الحصانة” بأساطير التعاويذ والقرابين أيّ مكان, فالرئيس الأوكرانيّ فولوديمير زيلنسكي ربما يكون خير شاهدٍ على حالِ أغرب من امتطوا ارجوحة القدر, فذلك الكوميديّ ذو الوجه الطفوليّ والحاجبان المتأهبان للوثب, والذي قفز من خشبة المسرح الى ميدان الاحتجاج ثم الى منصّة الحكم بلمحةٍ تكاد أن تكون واحدة, يُغمض إحدى عينيه فيبصر بالاخرى تشابكه بمحاكمة دونالد ترامب, فيغمضها ويبصر باللتي قبلها جائحةً تزلزل قدرته, فيعيد الكرّة ليبصر مئات الآلاف من الجنود الروس المدججين والمتأهبين عند حدوده, بينما عينه الأخرى تلتفت صوب تلك الاقاليم الراغبة بالتغريد عنوةً خارج سربه, حينها لا يجد مفراً من فتح كلتا عينيه الحالمتين, فيرى نفسه ستاراً رقيقاً بين خصمين, وحَملاً جريحاً بين أسدين, وسنداناً متيبساً قرب مطرقتين, وأخيراً وليس آخراً جاراً لدوداً لجارتين وليدتين.
ربما يُظلم الرجلُ وهو يدفع فاتورة الانسلاخ عن العهد السوفياتيّ السابق, ويحاول جاهداً لملمة لُحمة وسيادة بلده بشتى الوسائل والأحلام, كونه لم يحكم سويسرا المستقرة او كندا المتنعمة بُعداً على الضفة الاخرى للأطلسيّ, وتحت دفّة سلطته قوميات وأعراق ولغات قد يجافيها الوفاق ويعتليها الشقاق, أو ربما يكون قد ظلم نفسه وبلده بنفسه, لأنه لم يكن ذا تجربة تُعينه على فهم هشاشة الواقع ومستلزمات الأمر الراهن, بعيداً عن الكلمات التي لا تهُم, والاستعراض الذي لا يُغني ولا يُطعم ولا يُنير في ظلمة الأزمات, واحتفاءه بنشوة المنافع قصيرة الأمد, بثمنٍ باهظٍ من التضحية بالمقاصد الإستراتيجية لبلده وشعبه, فتتحول وعوده السياسية والمعيشية الجادة الى حُزمةٍ وحملةٍ من العلاقات العامة, يُديرها هو ومن أحاط به من المقربين والموالين, حتى وضعت فيها منظمة الشفافية الدولية اوكرانيا في المرتبة الثالثة لأكثر الدول فساداً في اوروبا, في بلدٍ لطالما اشتهر بخيراته المتنوعة وأرضه الخصبة ومساحته الشاسعة.
لا يمتلك الرئيس الاوكراني خيارات جيدة لأنه لم يمتلك خيارات جديدة, ولا يحمل بيديه مفاتيحاً للحلول لأن الابواب والنوافذ لم يعد لها وجود, وقد يكون قد اجتهد مخطئاً عندما ظنّ أن الابتعاد عن الدب الروسيّ القوي لا يكون الا بالارتماء في احضان الغرب, بدل التشبث بأقصى حالات الحياد والنأي بالبلاد والعباد, وقد لا يدهشنا القدرُ يوماً إن رأينا مفاوضي الكرملين يجلسون على مرأى من مفاوضي الناتو بينما سيد كييف غير مدعو, رغم أن اوكرانيا حينها هي الغائب الحاضر!.





