مناحي التَّبَدّل السردي في رواية ” امرأة تخشى الحب “

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*عبد النبي بزاز

 

يلمس القارئ لرواية ” امرأة تخشى الحب ” للأديب المغربي مصطفى لغتيري نهجا إبداعيا عبر أساليب موسومة بتجديد صادر عن رؤية تهدف لإرساء لبنات تجربة اغتنت بتراكم نوعي ( 8 روايات ، و5 مجموعات قصصية ) خبر من خلالها خبايا الإبداع السردي ، وسبر أغواره ليرسم مسارا بعيد المرامي ، غني الأبعاد والدلالات.

فيدشن فصول روايته بعنوان ( امرأة تخشى الحب ) يتردد صداه ، و تتشكل مناحيه ومقصدياته عبر مسار فصول الرواية ومشهدياتها ، عبارة ( امرأة تخشى الحب ) تنهي بها الرواية مجريات حكيها وتفاصيله على لسان الشخصية المحورية “ماريا ” وما عاشته من فصول تجربة عاطفية متقلبة حذت بها لتصريفها في قصة تختزل معالم بوح ينضح بألم المعاناة ومرارتها : ” فقررت أن أكتب قصة قد أسميها : امرأة تخشى الحب .. ثم بدأت الكتابة بجملة استفهامية : هل يمكن لمكالمة بسيطة أن تغير حياة المرء؟ ” ص 102 ، فتتشكل معالم دائرة كتابة راسمة خيوط تقاطب وتجاذب رفيعة بين بداية غنية بمد من إشارات وإيحاءات … ونهاية منفتحة على تجربة كتابة تروم تصريف تراكمات عاطفية استغرقها إيقاع من اهتزازات وارتدادات وتطلعات وانكفاءات …على شكل قصة تدشن أولى فصولها بسؤال : ” هل يمكن لمكالمة بسيطة أن تغير حياة المرء؟ ” مدجج بزخم من احتمالات مشرعة على أفق من تأويلات وتفسيرات مما ميز الرواية بكتابة دائرية أفلحت في تكسير خطية السرد ، وتسلسل أحداثه في ربطها بين عتبة العنوان ونهاية الحكي بعبارة ( امرأة تخشى الحب ) من خلال تجاذب غني ومتنوع.
وتتمظهر تجليات انزياح الحكي على عدة مستويات يمكن تحديدها في الشخصيات ، خصوصا الأساسية منها ، وما عاشته من أحداث ، وما صادفته من مآزق ومطبات . فماريا التي سخرت حياتها لبيت عائلتها بعد تجربة زواج فاشلة : ” منذ أن اخترت الانفصال عن زوجي ، الذي لم تجمعني به سوى سنتين كئيبتين ، خلفتا في النفس مرارة لا يمكن للزمن أن يمحو أثرها ،قررت أن أكرس حياتي للبيت ولإخوتي ، خاصة بعد أن فارق والداي الحياة …” ص 6 ،بعدما ما عاشته من ركود عاطفي تكسر طوقه ، وبشكل مفاجئ ، انجذابها نحو المخرج المسرحي شفيق الذي اخترق سماكة مشاعرها ، فاتحا كوة من أمل تجديد تجربة وجدانية إلا أن الكاتبة المسرحية رقية كبحت جماح هذه العلاقة مجهزة على تَشَكُّل إرهاصاتها . شخصية رقية التي ساهمت في رسم معالم الرواية ، وما عرفته أحداثها من انكفاء وارتداد إلى جانب محورية شخصية ماريا ، وبمستوى أقل شفيق الذي قاد تدخل رقية ، بخلفيات عاطفية شاذة ، إلى إجهاض تطور علاقته بماريا مدفوعة بنزعاتها السحاقية المثلية ، ومحاولة توريطها ، أي ماريا، في تجربة حميمية غير سوية تجهز على بوادر خوض علاقة مع شفيق أوغيره من الرجال.
شخصية ماريا ، ورقية ، وشفيق أثرت ، بشكل بارز ، على مجريات الحكي لما شكلته من نتوءات غيرت مجرى نمطية السرد ، وخلخلت اطراد مساره ، حيث أن صورة ماريا التي استغرقها اهتمامها بإخوتها ، وشؤون البيت ،بعد تجربة زواج غير موفقة ، حسمت فيها بوأد فكرة الزواج ، وتوطين نفسها للاهتمام بإخوتها ، وأمور بيتها : ” ألتقي بالعريس المقترح أقضي معه وقتا قصيرا ، ثم سرعان ما أجد مبررا لقطع علاقتي به. ” ص 13 ، وأيضا الجانب الأدبي : ” يفتنني الأدب كذلك برواياته وأشعاره . ” ص 10 ، والفني : ” أحب أن أجد نفسي في معرض للصور الفوتوغرافية ، أو معرض للوحات الانطباعية ، خاصة تلك التي تصور الطبيعة في تجلياتها المتنوعة .. ” ص 10، ليطرأ تبدل على مستوى اهتمام ما فتئ يرقى إلى نقد بحس تمحيصي ، ورؤية ثاقبة من خلال ما جمعها من حوارات مع المخرج شفيق : ” لقد أثارت المسرحية في نفسي كثيرا من الأسئلة .” ص 71 من ضمنها : ” هل يعني ذلك أن هناك تقاطعات بين المسرح التجريبي ومسرح العبث ؟ ” ص 72، مما أثار استحسان المخرج شفيق ، وإطراءه على ثقافتها المميزة : ” حقيقة أعجبتني ثقافتك وعمق أسئلتك” ص 73 ، أو مع رقية كاتبة النص المسرحي : ” ما الذي أعجبك تحديدا في المسرحية ؟ … اختلافها عن السائد . أعجبت هذه الإجابة الأستاذة رقية… ” ص 81 ، ليتحول مجرى قناعاتها منزاحا عن ثوابته الراسخة ، باعثة حلم الزواج من رماد التواري والاندثار حين التقت مع شفيق الذي حرك بأعماقها بركة شعور استنفدته الأسانة والركود : ” كنت أحاول استشراف لقائي الأول بهذا الرجل الذي أربك حياتي . في لحظات بعينها أفقد ثقتي بنفسي وأقرر عدم الذهاب إلى اللقاء . لكن سرعان ما أجد نفسي مدفوعة بقوة غريبة وغير ظاهرة ، تحفزني على الذهاب .. ” ص 53 ،فيتغير سلوكها إزاء نفسها : ” مع اقتراب موعد اللقاء ،كنت منهمكة بجدية في ترتيب دواخلي … ” ص 65 ، وإزاء الآخر ( شفيق) : ” أخذ مني ذلك وقتا لا يستهان به ، أكثر مما ناله اعتنائي بهندامي ، الذي أردته مناسبا حتى يخلق في الرجل الأثر الحسن. ” ص 65 ، تحول سرعان ما خبا وميضه ، وخمدت جذوته ، في سياق ما عرفته الرواية من تبدل وتغيير أثر على إيقاع سيرورتها السردية ، بتأثير من موقف الأستاذة رقية المرهون لسلوكيات عاطفية شاذة إزاء المخرج المسرحي شفيق ، وحثها على الاحتراز منه ،وعدم تطوير علاقتها معه : ” عليك أن تحترسي منه . ” ص 82 ،لأنه ،حسب رأيها ، شخص مخادع : ” إنه صياد بامتياز … زير نساء . ” ص 83 ، فتغرق في لجة قلق وحيرة تخرج منها ، بعد طول معاناة ، بقرار قطع علاقتها مع شفيق ، وأيضا مع رقية لما لمسته فيها من ميولات جنسية مثلية كما تؤكد ذلك : ” مالت نحو أذني ثم قالت بصوت خافت : أحبك .” ص 100 ، بشكل حازم وقاطع : ” لقد قررت أن أحسم أمري وأقطع علاقتي مع الأستاذة رقية ، والأستاذ شفيق . ” ص 101 ، ولم تسلم رقية من معالم تغيير مس شخصيتها بحيث كان ما صدر عنها من موقف الزواج خادع ومناف للحقيقة يتجسد في انشغالاتها الثقافية : ” إنها تعيش لوحدها .اختارت أن تفعل ذلك . لها موقف سلبي من الزواج. الجميع يعرف ذلك . لقد تزوجت الكتابة كما كانت تردد دائما ، بيتها عبارة عن مكتبة . أينما وليت وجهك ، تجد كتبا ومجلات وجرائد… ” ص 80 ، ليتضح فيما بعد أنه موقف ناتج عن شذوذ جنسي نابع من ميولات مثلية انكشفت عند اختلائها بماريا وتقربها منها : ” وهي تمرر يدها من جديد على شعري ، ثم ما لبثت أن تسللت يدها إلى عنقي … فرأيت الشهوة تلمع في عينيها .” ص 85 ، أما شفيق فلم تنكشف الجوانب الخفية في شخصيته لأن ما كالته رقية له من تهم غير كافية لإعطاء صورة جلية عن سلوكياته بحكم رغبتها في تشويه صورته أمام ماريا للتخلي عنه قصد تعبيد الطريق بالاستحواذ عليها، وتوريطها في علاقة جنسية منحرفة .

وقد كان لموضوع الحلم تأثير على مسار شخصية ماريا التي استغرقها حلم ، فضلا عن مشهدياته المرعبة ، تضمن إيحاءات ألهمتها سيلا من توقعات مرتبطة برقية وشفيق : ” فجأة انبثقت من العدم شجرة ضخمة هائلة الحجم … من أغصانها تتدلى حبالا بلا حصر ، أمعنت النظر أكثر ، فإذا هي ثعابين وأفاعي متشابكة … فإذا بالأفعى التي لم أتبين جنسها تلتف من حولي … كانت تهصرني بلذة … بدأت أختنق .. صرخت صرخة عظيمة . فإذا بي أجد نفسي قد استيقظت من نومي ،وأنا أتصبب عرقا…” ص 91 ، فقادها ذلك للانشغال بتأويل وتفسير ما عاشته في الحلم علها تجد مخرجا لعلاقة حبلى بهواجس مريبة عكرت خواطرها ، وشوشت على ذهنها : ” يفرض الحلم علي نفسه من جديد . لم أجد صعوبة في تأويل الثعابين .. بدا لي الأمر يتعلق بالمخرج شفيق والأستاذة رقية . بيد أن الحيرة ظلت متربعة على الذهن حين حاولت التعرف على أيهما انتصر على الآخر في النزال، والتهمه . أي منهما سلب إرادتي وانجررت وراءه صاغرة … بدا لي الحلم رسالة واضحة تحذرني من الاثنين معا . فكرت في قطع علاقتي بهما .. ” ص 93 ، وفيما عرفته الشخصيات الرئيسية للرواية من تبدل كسر خطية السرد، وانعتق من نير نمطيته كاهتمام ماريا بالوضع العربي ، وما طرأ عليه من انتفاضات تروم التغيير كما في مشهد : ” ثم أشعلت جهاز التلفاز لأتعرف على مستجدات الأخبار . الثورات العربية مستعرة. لحد الآن سقط دكتاتوريان عريقان والحبل على الجرار … الوضع في اليمن مربك وغير واضح المعالم… طاغية ليبيا لا يزال يحارب شعبه بالأسلحة الثقيلة … الأسد في سوريا أدمن قتل المتظاهرين … في المغرب لجنة عينها الملك لإعادة كتابة الدستور … ” ص 92 ،ومن خلال تعدد تجليات هذا التبدل استبداد فكرة خوض تجربة الكتابة بذهن ماريا : ” منذ زمن بعيد وحلم الكتاب يداعب وجداني . في كل مرة كنت أؤجل الأمر.كنت أخشى من الفشل … لكن هذه التجربة القوية فجرت شيئا في دواخلي .. سأكتب على الأقل ما عشته . ” ص 102 .

ولا تخلو الرواية من عناصر حكي أغنت نسيجها ، ونوعت أساليبه ، كالاسترجاع في : ” نجح هذا الاستغراق في الماضي أن يبعد عني شبح المخرج إلى حين . ” ص 63 ، والاستباق في مثل :” أستشرف عبرها لقائي المقبل مع الأستاذ شفيق . ” ص 63، أو : ” طبعا سألتقي به ، وسأحاول أن أدقق النظر في تصرفاته … ” ص 64 . فضلا عن ( المونولوغ) في مخاطبة ماري لذاتها : ” في نفسي قلت : لا يهم .” ص 43، أو في : ” هذه المناجاة الداخلية هدأت من روع نفسي… ” ص85 .
فرواية ” امرأة تخشى الحب ” تميزت بطبيعة سردية حافلة بتغييرات أفرزت شكلا إبداعيا بمعالم مختلفة على مستوى الصياغة والمرامي والأبعاد.

*ــ امرأة تخشى الحب ( رواية).
ــ الكاتب : مصطفى لغتيري.
ــ مطبعة بلال فاس ( طبعة ثانية سنة 2019).

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...