*الدكتور عبدالله شنفار
ماذا نقصد بالتحنيط؟ إذا كان المفهوم يُحيل إلى الموتى؛ حيث ذلك قدرهم لحفظ الجثة بعد انتهاء فاعليتها؛ فقد يبدو من باب التعسف ربطه مجازًا بالأحياء الذين فُرِضَ عليهم التحنيط والتهميش والإبعاد والتجميد لفاعليتهم.
التحنيط هو فن برع فيه القدامى المصريون. وبرع وتفنن فيه حتى الإنسان الحديث. والمعنى الاصطلاحي لكلمة التحنيط هو: حفظ جثث الموتى لتبقى سليمة لفترات طويلة. أما كلمة المومياء الذي نطلقه عى الجثث التي يعثر عليها؛ فهو مصطلح يطلق على جثة أي كائن حي؛ سواء كان حيوانًا أو إنسانًا؛ أو طائرًا أو دابة.
وفي العصر الحالي ظهرت عدة أنواع من التحنيط مثل: حفظ الأجساد بالتبريد؛ وحقن الشرايين بسائل قاتل للميكروبات لينتشر في الجسم ويحفظه من التحلل؛ غيرها من الطرق. هذا؛ وقد ارتبطت الديانات القديمة بعقيدة البعث والخلود لما بعد الوفاة؛ واعتبار أن الموت هو باب فقط للعبور إلى عالم الحياة الدائمة.
وكان القدامى مولعين بالموت؛ وقد أسموها حياة الجنة الأبدية؛ وأسمى ما يتوقون إليه؛ هو الذهاب إلى عالم الخلود السفلي.
فالموت التي ترعبنا في العصر الحالي؛ كانت شعوب وأمم أخرى تتوق إليها بشغف كبير.
لكن هذا النوع من التحنيط ليس هو المقصود في هذا الاتجاه.
دراسة هذا الموضوع تتطلب منا طرح بعض الأسئلة المنهجية؛ لإزالة بعض الألغام من حقل الدراسة وتنميط الجهاز المفاهيمي والمعرفي وتحديد الإطار أو الخارطة العامة للموضوع؛ والتي يمكن حصرها فيما يلي:
المكانة الاجتماعية؛ والدور الاجتماعي؛ هل تكتسب بالإرث الاجتماعي؛ أم بالفعل الاجتماعي؟ وبتعبير آخر أكثر وضوحًا؛ كيف يتم اكتساب المكانة في المجتمع؛ هل يتم بإلإرث الاجتماعي؟ أم يتم بالفعل الاجتماعي؟ هل هذه النخبة مؤهلة للعِبِ هذا الدور من خلال الرصيد التاريخي أو الإرث الاجتماعي؟
المجتمعات الريعية لا تعتمد على الكفاءة في الأداء. فلماذا يتم إبعاد الكفاءات من المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي ومن تدبير الشأن العام؛ ودفنهم تحت أطنان من التهميش؛ وممارسة كل صور العنف بنوعيه المادي والرمزي عليهم؛ قصد تحطيم معنوياتهم؟ هل لأنهم يشكلون عدوًا محتملًا قادرًا على زعزعة مصالحهم؛ أم إن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد طبائع البشر؛ والتي من تجلياتها الغيرة والحسد والمكر والحقد والكراهية؛ التي تستشري في الإدارات والمؤسسات العمومية بما في ذلك القطاع الخاص؟ ماذا عن خلق الهالة حول المسؤول الجديدة وإحاطته بنوع من القداسة والنفاق؟
اكتساب المكانة والدور في المجتمع؛ يأتي عبر التقدير والاعتبار في المجتمع؛ ويكون بالفعل وبالدور الذي يلعبه الفرد؛ من خلال القدرة والكفاءة؛ وليس عن طريق الإرث أو العظمة أو القِدم أو مصاريف الأبهة والبذخ والكرم الحاتمي؛ أثناء المناسبات؛ أو المركز الاجتماعي للقبيلة أو العائلة.
إن الإنتاج الجيد في البناء والسلع والخدمات ومختلف المنتوجات؛ يتطلب توظيف أدوات وآليات جيدة. وكلما كانت هذه الأدوات والآليات المستعملة رديئة وغير جيدة؛ كلما كان العمل والمنتوج رديئًا وغير جيدٍ.
كذلك الإنتاج والعطاء في نشاط المرفق؛ فهو أيضًا يتطلب كفاءات لها قدرة على الأداء.
تتميز البنيات الاجتماعية والعائلية في المجتمع التقليدي بالفقر التكنولوجي في الإنتاج ومصادر الثروة وآليات إنتاجها وتوزيعها بشكل عادل بين الأفراد والجماعات والمناطق؛ حيث تسود ثقافة الضرورة، وثقافة الندرة دون أن يكون هناك تضامن مؤسساتي؛ بمعنى أنها تبقى مجرد تكثيف في العلاقات الاجتماعية فقط.
وفي مقاربة ظاهرة الفقر والهشاشة بالمغرب؛ نستحضر مقتطفاً من كتاب: “صمود وسط الإعصار” للمرحوم الأستاذ عبدالله إبراهيم الذي جاء فيه: “لعل أخطر اتهام يمكن أن يوجه ضد المغرب الكبير؛ هو أنه كان دائمًا بلدًا غنيًا وسكانه فقراء.
فلا يمكن أن يكون الفقر فيه حينئذ إلا عرضيًا، لا هيكليًا. وبالتالي، يجب اعتباره ناتجًا على الأخص عن سوء التدبير وسخف المؤسسات العامة والغلو الاقطاعي في الاستغلال؛ لا عن انعدام حقيقي لمادة الرفاه في البلاد، و قحالة جوهرية في مصادر الإنتاج المادي وعناصر التنمية”.
الإدارة المغربية بصفة عامة، ومن خلال دراسة في الفعل الإداري؛ تحيل إلى سخف في المؤسسات الناتج عن سخف في العقليات.
وفي اعتقادي نحن لسنا في حاجة إلى كفاءات إدارية؛ فالإدارة المغربية مليئة بهذه العقليات التي تجاوزت حدود التضخم في الكفاءة؛ وفي جميع الميادين والمجالات والقطاعات؛ بل؛ أصبحنا نحتاج في الفعل الإداري المغربي والعقليات الإدارية المغربية؛ إلى أولاد الناس؛ نحتاج إلى عنصر الثقة؛ كوسيلة أداء؛ يجمعون بين الكفاءة والمعقول والصدق والإخلاص في العمل؛ وفي الحاجة إلى قيادة إدارية فاعلة متشبعة بفكر المقاولة وتستهدف الربح؛ ربح الجودة في العمل وخدمة الصالح العام؛ لا لشيء؛ فقط لأنهم مؤتمنون على مصالح الناس، كما سبق وعبر عن ذلك غير ما مرة؛ جلالة الملك محمد السادس بالقول صراحة: “ولوضع حد لهذا المشكل، فإن العامل والقائد، والمدير والموظف، والمسؤول الجماعي وغيرهم، مطالبون بالعمل، كأطر القطاع الخاص أو أكثر، وبروح المسؤولية وبطريقة تشرف الإدارة، وتعطي نتائج ملموسة، لأنهم مؤتمنون على مصالح الناس. هناك بعض الموظفين الغير مسؤولين عن تأدية واجباتهم الوظيفية بالأسلوب الذي ينعكس إيجاباً عليهم وعلى خدمات المرفق، ولا يبذلون أي جهد في تطوير قدراتهم ومهاراتهم باستمرار حسب متطلبات العمل، وأهدافهم ومتطلباتهم الذاتية.”
وقد أدان جلالة الملك هذا السلوك في الفعل الإداري ووصفه بشكل دقيق؛ حينما قال: ” أما الموظفون العموميون، فالعديد منهم لا يتوفرون على ما يكفي من الكفاءة، ولا على الطموح اللازم، ولا تحركهم دائمًا روح المسؤولية. بل إن منهم من يقضون سوى أوقات معدودة، داخل مقر العمل، ويفضلون الاكتفاء براتب شهري مضمون، على قلته، بدل الجد والاجتهاد والارتقاء الاجتماعي.
إن من بين المشاكل التي تعيق تقدم المغرب، هو ضعف الإدارة العمومية، سواء من حيث الحكامة، أو مستوى النجاعة أو جودة الخدمات، التي تقدمها للمواطنين”. انتهى كلام جلالة الملك.
إن المكانة المكتسبة (Achieved status) هى تلك المكانة التي يكتسبها الفرد على مدار حياته من خلال ما يبذله من جهد، بحيث يوضع الشخص فى الهيكل الطبقي معتمداً على إنجازاته الفردية، ويمكن إحراز هذه المكانة عن طريق التعليم والمهنة. وفي الجواب عن كيف تكتسب المكانة في المجتمع؛ نرى إن المكانة في المجتمع؛ تكتسب بالدور وبالفعل وبالكفاءة والمهارة والقدرة على الأداء؛ وليس بالإرث الاجتماعي؛ “فليس الفَتَى الذي يقولُ كان أبي؛ بل إن الفتى من يقول ها أنا ذا.” لكن في المجتمعات المتخلفة؛ يتم توزيع المكانة والدور على شكل ريع وهبات؛ دون مراعاة معايير الكفاءة في الأداء والقدرة على الفعل.
فبين إنسان الانتظارية؛ وإنسان الفاعلية؛ توجد هُوَّة ومسافة كبيرة جدًا؛ ناتجة عن كمية المخدرات والمسكنات والعبارات اللفظية والتفاؤل العاطفي؛ التي يقدمها حَرَسُ القديم والمألوف والتخلف؛ كوصفة لجرعة جاهزة لتبرير حالة الانتظار تلك.
معروف على إنه في كل عصر هناك أفكار سائدة تحرسها مؤسسات شرسة، تجدها مُلِئَتْ حَرَسًا قدِيماً شَدِيدًا؛ من محامين بارعين في المرافعة؛ وعُرابين كثر ومؤيدين ومطبلين؛ ووسائل إعلام وصناع الرأي العام… وغيرهم؛ مع أن الواقع الذي أنشأته وأنتجته؛ يعتبر فاشلًا وبائسًا بكل معايير الحداثة والحضارة والتقدم والديمقراطية والكرامة الوجودية للإنسان؛ بل يتعارض ويتنافى مع مقتضيات تقدم الأمم والشعوب.
فهذه الفئات تشتكي وتتبرأ من الواقع الذي وضعته وأنشأته وخلفته من ورائها؛ وفي نفس الوقت؛ هي من حافظ عليه ويغذيه ويكرسه ويستبقي على أسس تخلفه.
في استحضار قوله تعالى: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ. وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ.} نجد تاريخ المِحن من التهميش والإبعاد والإقصاء من المشهد؛ والإساءة لسمعة الغير؛ والتشويه والتحريض؛ هو تاريخ طويل ومليء بجرعات كبيرة من الأحقاد أكثر من الأمجاد.
يكفي أن تجرب تختار عَلمًا أو مفكرًا أو عالمًا من أعلام الأمة؛ سواءً في العصر القديم أو العصر الحديث؛ وأكتب أمامه (مِحْنة فلان….) على أي محرك من محركات البحث في شبكة الانترنيت؛ وستكتشف ظاهرة الاغتيالات المادية والمعنوية ومختلف صور التعذيب النفسي والدفن تحت أطنانٍ من التهميش والابعاد والاقصاء واستعداء المتجبرين والمفسدين في الأرض والعوام والسلطة؛ بسبب خلافات؛ ظاهرها علمي وباطنها أمراض نفسية. (مِحْنَة الإمام مالك بن أنس؛ مِحْنَة الإمام الشافعي؛ مِحْنَة الإمام أحمد بن حنبل؛ مِحْنَة الإمام البخاري؛ مِحْنَة المعتمد ابن عباد؛ (…) وغيرهم كُثر.)
فالاغتيال المادي والمعنوي؛ قد طال منذ القدم حتى اليوم؛ أعلام الفكر والسياسة وقادة الفتوحات؛ من خلال تشويه المقولات والأعمال والأفكار وعمليات الإساءة والإشاعة والافتراء؛ التي لم يسلم منها أحد. ومحاكم التفتيش والتقليب؛ نالت من الجميع. والخطير في الأمر؛ أن كثيرًا ممن تعرضوا للأذى؛ مارسوا نفس الأسلوب ونفس النهج مع مخالفيهم: (تشويه المقولات والأفكار والتحريض…). فكثيرون هم ممن يظلمون الناس؛ ويحسبون الله غافلًا عما يفعلون؛ يمارسون الظلم والطغيان والشطط والتعسف؛ ومصادرة الحقوق وحريات الرأي والتعبير، وممارسة مختلف صور القمع، والاغتيالات المعنوية للآخرين، بتهميشهم ودفنهم تحت أطنان من النسيان والقهر والإبعاد؛ تُمارس عليهم نفس هذه الأساليب من طرف من هم أقوى وأعلى منهم درجة..!! ومن أشد الأمور غرابة على الإطلاق؛ أنهم يشتكون منها ليل نهار؛ دون أن ينتبهوا لما يقومون به تجاه غيرهم؛ لأخذ العبرة منه. كما أنه لم تنشأ لدينا بعد؛ ثقافة مناهضة لهذه السلوكات والأساليب الارهابية النفسية القاتلة للضمير الإنساني والحاطَّة من الكرامة الوجودية للإنسان والحضارة؛ على الرغم من حجم الكارثة والنزيف الأخلاقي.
هناك خلل ما في ثقافتنا يمنع الاعتبار من الابتلاءات والتجارب المعاشة؛ وبدون الكشف المبكر له؛ سيتواصل نزيف الأخلاق والعقول.
وهكذا فمشكل الإدارة المغربية في المقام الأول هو مشكل عقليات وأشخاص مشخصين، أي مشكل له ارتباط بالطابع البشري للإدارة والحلول بطبيعتها لن تكون إلا حلولا بشرية واجتماعية ونفسية بالأساس، وذلك بالتأثير على عدة متغيرات، كالكفاءة والحيوية والاختيار والحوافز وتوجيه سلوك وعقليات الأفراد، لكن أيضا في إطار الديمقراطية التي تبقى مشروطة بنوع من العزم وقليل من الصرامة لمعرفة مدى تأثير ذلك على النشاط والعمل الإداريين في أفق القضاء على علاقات أكثر خطورة من هذه؛ والتي تتجلى في العلاقات الفجائية أو الفوجوية بين زملاء نفس الدفعة أو الفوج.
لا يَسَعُنا إلاّ أن نكون تحت ذِمّة الدولة ورحمة المؤسسة الملكية؛ وليس على ذِمّة أحد. فالبعض ينظر إلى علاقته بالناس على أساس تحقيرهم وإذلالهم؛ وذلك بسبب تضخم جنون العظمة وارتفاع جرعة (الأنا) لديهم؛ والزيادة في منسوب العقدة الشيْطانِيّة لديهم؛ (أنا خيْرٌ مِنْه)؛ وروح الاستعلاء والاستقواء البشري التي تسكنهم. وإذا أتيحت الفرصة لبعضهم في أية لحظة؛ سيحبسون ويقطعون مادة الأكسجين عن الناس.
وبالتالي؛ فإن استئصال الوعي الزائف؛ يُعَدُّ إحدى المقدمات المنهجية الصحيحة لإنشاء المجتمعات الحديثة ذات الفاعلية.
*مفكر وكاتب ومحلل سياسي واقتصادي وراصد اجتماعي مغربي.





