عندما ترحّل بريطانيا مهاجرين إلى رواندا

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

مدى الفاتح

 

 

تخيّل أن تغامر بحياتك وتقطع البحر لتصل إلى الشواطئ الأوروبية، ثم تجول الحدود بين البلدان، وصولاً إلى بريطانيا، على أمل الحصول على فرص أفضل، لتكتشف، بعد وصولك، أنه لن يجرى استيعابك، ولا حتى النظر في ملفك، وأنه سوف يتم نقلك إلى رواندا الأفريقية، من أجل دراسة قضيتك والقرار بشأن مستقبلك مهاجراً.

لم يعد هذا المشروع وحي خيال، واليوم تكتمل الترتيبات في لندن من أجل أخذ الواصلين الجدد من المهاجرين غير الشرعيين وإيصالهم إلى رواندا، كما جرى تخصيص ميزانية كبيرة لهذا الغرض، لكنها في أي حال أقل بكثير مما كان سيجرى إنفاقه في حال استيعاب هؤلاء المهاجرين في البلاد.

وجدت هذه الخطوة استنكاراً من منظمات حقوقية وناشطين في مجال اللاجئين، باعتبار أنها تمثل تنصّلاً من المسؤولية. وهنا من المهم التذكير أنها ليست المرة الأولى التي يسعى فيها الأوروبيون إلى التهرّب من مسؤولياتهم الأخلاقية التي تفرضها عليهم المعاهدات الإنسانية، فقد سبق أن استغلت بريطانيا بعدها النسبي عن الحدود الأوروبية من أجل الابتعاد عن كل خطط تقاسم المسؤولية، في وقت كانت فيه القارّة تعاني من أزمة لجوء غير مسبوقة، بسبب تدفق الملايين من البشر خلال العقد الماضي. كذلك تهربت دول أخرى عبر التشبث باتفاقية دبلن التي تجبر دولة الوصول الأولى على تحمّل مؤونة الواصلين.

وقد قاد هذا إلى حالة من انعدام التضامن الأوروبي، ومحاولة كل دولة الالتفاف على التزاماتها، خشية التكلفة العالية لاستقبال اللاجئين. شدّدت فرنسا، على سبيل المثال، مراقبة الحدود، على الرغم من تناقض ذلك مع معاهدة شنغن التي تكفل تجولاً حرّاً بين الحدود الأوروبية، ولم تكتف بذلك، بل كانت، من الجهة المقابلة، تغضّ الطرف، من حين إلى آخر، عن مجموعات المغامرين التي تحاول التسلل إلى بريطانيا عبر أراضيها.

من جهة أخرى، أدركت دول الجنوب الأوروبي، كإسبانيا واليونان وإيطاليا، أن معاهدة دبلن تورّطها، لأن أغلب الواصلين غير الشرعيين إلى القارّة تكون هذه البلاد وجهتهم الأولى، وهذا يعني أن هذه الدول كانت تتكفل بالنسبة الكبرى من اللاجئين، رغم أن اقتصادياتها هي الأضعف. ولحل هذه المشكلة، وفي ظل رفض الدول الغنية مساعدتها على تحمّل الأعباء، وجدت هذه الدول أن الحل الوحيد هو التواطؤ مع هؤلاء الواصلين، فإذا كانت دبلن تعرّف دولة الوصول الأول بأنها التي يجرى التقدّم فيها بطلب اللجوء أول مرّة، فلا شيء أسهل من أن تتاح للواصلين طرق آمنة للهرب، قبل تسجيلهم وأخذ بصماتهم، وهذا يعني أنهم حين يصلون إلى بلد، مثل فرنسا أو ألمانيا أو غيرهما، فإن ذلك البلد لا يحقّ له قانونياً إعادتهم إلى بلد الوصول الأول.

عملت الدول الأوروبية على الاتفاق مع دول ممر رئيسة، كان أبرزها تركيا، لأجل إيجاد واقع بديل، يبقى بموجبه اللاجئون في دول ثالثة

خلال العقدين الماضيين، جرّبت الدول الأوروبية عدة استراتيجيات، حاولت من خلالها المواءمة ما بين مسؤولياتها الأخلاقية والتزاماتها القيمية، وما بين الضغوط التي تمارسها كتل اليمين الصاعدة والرافضة للأجانب، والتي تتذرّع بالتكلفة العالية والاقتصاد المتراجع من أجل رفض الاستمرار في سياسة الباب المفتوح التاريخية. وبالإضافة إلى التهرّب الداخلي ومحاولة كل دولة النأي بنفسها عن المشكلة، ما بين الجنوب الذي يجد نفسه في الواجهة بسبب الجغرافيا والشمال الغني، ظهرت في شرق أوروبا دولٌ ذات توجه صريح، يقضي برفض التعاون في هذا الملف، سيما لو كان أولئك اللاجئون من “الشرق الأوسط” وأفريقيا، وهو ما يعبّر عنه بشكل صريح رئيس الوزراء المجري، فيكتور أوربان، الذي يتعامل مع قضية اللاجئين بوصفها تهديداً، متحدّثاً بلا مواربة عمّا يسميه “الغزو الإسلامي”.

على مستوى الاتحاد الأوروبي، مؤسّسة جامعة، عملت الدول الأوروبية على الاتفاق مع دول ممرّ رئيسة، كان أبرزها تركيا، لأجل إيجاد واقع بديل، يبقى بموجبه اللاجئون في دول ثالثة، تتكفل بهم ولا تجعلهم بحاجة إلى الوصول إلى أوروبا. تكسب أوروبا بهذا نقطتين، فتوفر على نفسها أعباء مالية وإجرائية كثيرة من جهة، كما تنجح، من جهة أخرى، في استرضاء الأصوات الرافضة للأجانب، والتي تعتبر أن الثقافة الأوروبية مهدّدة. وهذه نقطة مهمة، لأن كل هذه الإجراءات ليس الهدف منها الاقتصاد البحت، فمن المعلوم حاجة هذه البلدان إلى الطاقات الشابة، بالنظر إلى الأزمة التي تعيشها وما تعانيه المجتمعات هناك من شيخوخة. الهدف الأهم هو الحفاظ على ما يؤمن أوروبيون كثيرون بأنه هوية مشتركة. المثال الأوضح هنا هو تعامل الأوروبيين مع الأزمة الأوكرانية، ففي هذه الحالة لم يكن هنالك أي تردّد في الاستقبال ولم يتحدّث أحد، إلا على استحياء، عن التبعات المالية لاستضافة الملايين من الفارّين من الحرب.

على صعيد التوجّه البريطاني الجديد، يعلم الجميع أن هذه الاستراتيجية لن يكون معنياً بها بأي حال الواصلون الأوكرانيون أو أية جنسيةٍ “بيضاء” أخرى، وهو ما نفهمه من تعبيرات المسوّقين لها، حين يقولون إنها لن تشمل الجميع. وبولندا هي مثال آخر على حجم الازدواج في المعايير الإنسانية، فهذا البلد الذي ظل يرفض اللاجئين، ويبني الأسوار ويقطع الطريق على العابرين، استضاف برحابة صدر 2.7 مليون لاجئ أوكراني، وفق آخر التقديرات، والسبب بالتأكيد هو ما جرى ذكره بعفوية من أكثر من جهة منذ بداية الحرب، “أن هؤلاء يشبهوننا وليسوا مثل القادمين من الشرق الأوسط”.

اختيار رواندا يعني أن الأمر لا يُقصد به البحث عن بلد شاسع، وهو يستضيف لاجئين أكثر مما تستضيف بريطانيا، ويمتاز بالكثافة السكانية

من أجل الدفاع عن موقفهم، والتأكيد على أن بلادهم ظلت تقوم بواجبها تجاه من يحتاجون للحماية والمساندة من جميع أنحاء العالم يذكّر البريطانيون بأنهم منحوا حق اللجوء السياسي لحوالي 25 ألف سوري، وهو عدد كبير بالطبع، لكنه لا يعني شيئاً إذا ما تذكّرنا أن عدد السوريين الذين فرّوا منذ بدء اندلاع الحرب فاق الستة ملايين نسمة، وأن دولة مجاورة باقتصاد متعثر كلبنان استضافت أكثر من مليوني لاجئ.

اختيار رواندا يعني أن الأمر لا يُقصد به البحث عن بلد شاسع، فهذا البلد الذي يستضيف بالفعل لاجئين أكثر مما تستضيف بريطانيا، على الأقل بخمس مرّات، يمتاز بالكثافة السكانية ولا ينقصه البشر. هذه المفارقة التي تقوم فيها دولة كبرى بتصدير لاجئين إلى دولة هي أقل منها قدرة تذكّر بما سبق أن قامت به أستراليا التي وقعت اتفاقاً مشابهاً مع جزيرة ناورو الصغيرة التزمت فيه الأخيرة باستقبال اللاجئين الذين كانوا يسعون إلى الوصول بحراً إلى الشواطئ الأسترالية.

كانت التجربة الأسترالية مخيّبة للآمال، بسبب أن عملية دراسة الملفات التي تكفلت بها سلطات الجزيرة استغرقت، في معظم الأحوال، عدداً من السنين، وقد أفادت الدراسات بأن اللاجئين المحتجزين عانى معظمهم، مع مرور الوقت، من اضطرابات نفسية متفاوتة الخطورة. كانت تلك التجربة غير مستساغة، لأن أستراليا، ومثلها كندا والولايات المتحدة وغيرهما، تختلف عن غيرها في أنها تأسست على يد مجموعات من المهاجرين، فكان يتوقع أن تكون أكثر تفهماً وانفتاحاً.

الواضح اليوم أن بريطانيا سوف تتبنّى التجربة الأسترالية، أما تصريح رئيس وزرائها، بوريس جونسون، بأن المستهدفين هم الواصلون بشكل غير قانوني، فهو يعني، في كلمات أخرى، أن المستهدفين هم الفارّون بأنفسهم من ويلات الحرب أو من المآسي الإنسانية، والذين لم يتوفر لهم الوقت الكافي لطرق الأبواب الشرعية أو التقديم للحصول على تأشيرة دخول.

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...