*الدكتور شنفار عبدالله
ماذا يقصد بمصطلح (البَرَّاني) أو بَرَّانِية الشيء أو الغريب أو الدَّخِيل؛ من الثقافة والعادات والتقاليد والأعياد والمنتجات والسلع والبضائع والانبهار بالغرب وبالآخرين وبكل ما يأتينا من الخارج؟
النظرة الدونية وتبخيس وازدراء كل ما هو محلي وتهميشه؛ انطلاقًا من فكر عدمي مقيت؛ تجعلنا ننبهر دائمًا بكل ما هو خارجي؛ وكل ما هو آتٍ من الآخرين أو من بلاد الغرب. والاحتكام إلى أفكار وقوانين الآخر؛ والانبهار بها دون التمييز فيها بين الطالح من الصالح لنا.
وأنا أهبش وأنبش في بعض العقود والوثائق والمخطوطات القديمة مما ترك لي أجدادي؛ عثرت بداخل قرطاس من عود القصب، على عقد زواج جدتي؛ ومما أثار انتباهي وإعجابي لدرجة أصبت بالاندهاش وبقيت مشدوهاً ومذهولًا لطريقة التحرير والخط الجميل الذي حرر به؛ تفوح منه رائحة المسك والزعفران لحفظه من التآكل.
العقد موثق في العام 1893؛ أي قبل عقد الحماية الإصلاحي الذي تذرعت به السلطات الفرنسية والإسبانية من أجل احتلال المغرب سنة 1912.
عقد زواج جدتي هذا؛ -اللهم أفتح لها أبواب الرحمة والمغفرة- يحمل عنوان: نِكاح؛ فما بين عقد النِّكاح والزواج؛ هناك فرق كبير؛ فالكثير من الناس يعتقد أن النِّكاح هو الجماع والبناء بالمرأة؛ في حين أن النكاح هو العقد أو الميثاق الغليظ الممهد للدخول بالمرأة؛ فقط. وقد أحسن الفقه المغربي صنعًا حينما سماه: عقد نكاح.
مصداقًا لقوله تعالى في سورة الأحزاب: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا. فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا.}
تضمن عقد نكاح جدتي عبارة: “تزوج فلان ابن فلان… على سنة الله ورسوله؛ بالحرة فلانة بنت فلان… إلى آخره… وعصمتها بيدها.”
عبارة عصمتها بيدها؛ تعني أنه يجوز للزوجة أن تشترط على من يريد الزواج بها أن تكون عصمتها بيدها؛ إذا كان لديها تخوف من أن يحرمها من بعض حقوقها؛ أو مخافة أن يعضلها؛ كأن يضيق عليها أو يمنعها. فإذا طلقت نفسها وقع الطلاق، وبطلاقها لنفسها تستحق ما قرره لها الشرع، والقاضي يكون في هذه الحالة ملزم بأن ينفذ أحكام الشرع، ولا يسوغ له أن يخرج عنها.
كذلك وجدت عبارة أخرى بنفس العقد تقول: “… وحقها في الكَدِّ والسعاية.” وهذا الكد والسعي وراء الرزق والاستثمار؛ هو مضمون ما تنص عليه المادة 49 من مدونة الأسرة الصادرة سنة 2004: “لكل واحد من الزوجين ذمة مالية مستقلة عن ذمة الآخر، غير أنه يجوز لهما في إطار تدبير الأموال التي ستكتسب أثناء قيام الزوجية، الإتفاق على إستثمارها وتوزيعها…”
هذه التنزيلات كلها مبنية ومستمدة من قواعد ومباديء المذهب المالكي في دول شمال إفريقيا. ومن خلال استحضار قوله تعالى في سورة النساء: {وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًاۚ أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا. وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا.}
ويأتي أحد الحداثيين ليحدثنا عن حقوق وتحرير المرأة المستمدة من قوانين أوروبا والغرب. ويفاخر بالقول، متبجحًا بلغة الكوميدي الفرنسي؛ (موليير) (Molière)؛ قائلًا:
«émancipation de la femme»
أما أحدهم فقد ذهب إلى حد القول إن (البركة) ذهبت بذهاب الحشمة والحياء؛ ومغادرتها البيت وعدم التزامها بتربية الأبناء؛ عندما أصبحنا ندعو إلى تعليم المرأة! وبهزة كتف؛ واشتط غضبًا، ومستهزئًا، وبإشارة بعكازه، أمر الذي يتخذه متكأ؛ مشيرًا إلى الإمام الحداثي بالنزول من فوق المنبر؛ لأن تعلم المرأة: “حـــرام!” على حد زعمه.
فما كان إلا أن استجاب الخطيب المحاضر فورًا ونزل من فوق المنبر في إطار علاقة الشيخ بالمريد والعلاقة الأبوية السائدة في ذلك العهد؛ عهد الأستاذ عبدالله كنون والاستاذ علال الفاسي؛ ومقاومة الاحتلال والفكر الفرنسي؛ حيث الصرامة الذكورية. يستنتج هذا (على هامش قراءة في كتاب: النقد الذاتي للمرحوم علال الفاسي.)
إلى أن جاء ملك البلاد محمد السادس؛ الذي أجلسها على منبر عالٍ وقعد هو أرضًا؛ وهي تلقي درسًا من الدروس الحسنية الرمضانية.
هذا؛ وحتى الانبهار بالآخرين؛ له عدة معايير تختلف حسب الأبعاد التالية:
* البعد الجغرافي: حيث الانبهار يتجاوز الحدود الجغرافية للبلد؛ فالانبهار بأشخاص عظماء ومفكرين أصحاب نظريات واختراعات علمية ودعاة سلام ودين… يتوزعون على مختلف بقاع الدنيا؛ فرضوا ويفرضون الانبهار بهم؛ كشخصية محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم. وشخصيات الخلفاء الراشدين؛ وابن تيمية؛ والفارابي؛ ومالك ابن أنس… و(نيلسون مانديلا)، و(نعوم تشومسكي)… وحتى (تشي كيفارا) و(لال نهرو)… وغيرهم كثر.
* البعد التاريخي: هناك حضارات أثرت فعلًا في الصيرورة التاريخية ومجريات الوقائع والأحداث؛ كالحضارة اليونانية والحضارة الإسلامية… وغيرها من الحضارات التي خلفت علومًا في الفلسفة والرياضيات والطب إلى غير ذلك.
* البعد المنهجي: هناك شعوب وأمم استطاعت التوصل إلى مناهج في مختلف العلوم؛ والتي في الحقيقة هي عبارة عن تراكم علمي ومعرفي لمختلف الحضارات. وبالتالي يحق للجميع الانبهار بها.
* البعد النموذجي: هناك عدة نماذج في تأمين الحياة الفردية والجماعية؛ منها النموذج الإسلامي؛ النموذج الرأسمالي؛ النموذج الاشتراكي الشيوعي؛ وحتى الأنظمة الديكتاتورية تعتبر نفسها نموذجًا يصلح لشعوبها. ومن حق أي من الشعوب الانبهار بهذا النموذج أو ذاك وفق متطلبات وظروف وملابسات معينة.
* البعد القيمي: كل الشعوب والأمم تنتج قيمًا وأخلاقًا لتنظيم علاقاتها الاجتماعية؛ بما فيها القوانين والعادات والتقاليد والأعراف؛ وفيها المشترك بين جميع الشعوب والأمم؛ كالقيم الإسلامية؛ والقيم الصينية، والقيم اليابانية والقيم الأثيوبية، القيم الغربية؛ وغيرها من القيم؛ والتي يمكن الأخذ منها أو حتى الانبهار بها إذا كانت فعلًا تطابق وتتمازج وتتعايش أو تتكامل مع المعطيات السوسيولوجية للبلد.
فالوعي السياسي والاجتماعي والثقافي؛ مرتبط أساسًا بوعي القوة المرافقة لهذا الفعل. والذي يحيل إلى الحد الأدنى الذي تتفق عليه الأغلبية من خلال الحوار والتسويات بحكم أن القيم هي شيء نسبي، وبالتالي تنتفي السيطرة سياسيًا.
أما حين تقنع جميع فئات المجتمع بسيادة المساواة والديمقراطية، فالسيطرة تكون مجهولة على المستوى الاجتماعي.
فالانسجام والتكامل السياسي والاقتصادي والاجتماعي يفرض نوعًا من الوعي السياسي عبر تفعيل دور المجتمع المدني، من خلال الأحزاب، والجمعيات، والمنظمات، والهيئات وعمليات الانتخاب، والمثقفين، وحشد الرأي العام، والرأي السياسي، وتكتلات النخب … إلى غير ذلك مما يحيل إليه هذا المفهوم.
وهذا يحيلنا على ما أطلق عليه الباحث الانتروبولوجي الأستاذ عبد الله حمودي بما يسمى: “إعادة التفاوض حول العقد الاجتماعي”.
والانسجام يحيل أيضًا إلى الطابع الاقتصادي السائد، أي إلى مختلف الفئات المنتجة في المجتمع ومدى تكاملها في تطوير قوى الإنتاج في المجتمع، ويعني فئات تستطيع بناء مجتمع اقتصادي وقادر على المنافسة.
والانسجام أيضًا يحيل إلى الوعي السائد في المجتمع ومدى التقارب أو التنافر بين مختلف فئاته، ومدى سيادة التقاليد والعادات والأعراف، إلى جانب سيادة أساليب عصرية حديثة، والذي يفترض نوعًا من التواصل بين جميع هذه القوى.
إلا أن انغلاق بعض الفاعلين، يحول فعلًا دون ارتقاء الوعي والانسجام السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي. وذلك ناتج عن تقوية وسيلة وجود أصبحت متجاوزة في عصرنا الحالي، في شكل (الباترياركا) أو النمط (الأبوي)؛ الذي ترتكز عليه بنيات المجتمع كشكل لممارسة السلطة، والذي يحول دون تحقيق هذا الانسجام في شكله التكاملي والتعايشي والتضامني والتمازجي والإلتقائي.
صحيح انه لا يمكن تغييب بنية الاختلاف ولا حتى بنية الائتلاف، وذلك لتعدد الثقافات والقيم والمبادئ والفكر المغاير وتباين الرؤى، وإلا سنعمل على إقبار نمط السلوك السياسي والاجتماعي والثقافي المختلف، مما يفضي إلى القضاء على البنية المتناقضة للفكر البشري.
إلا أنه مع ذلك، فالانسجام يفترض البحث عن قواعد ثابتة في المجتمع، يجب الكشف عنها واحترامها كحرية الرأي وحرية التعبير، واحترام حقيقي للحريات العامة وحقوق الإنسان.
فالحمد لله على نعم الإسلام.
*مفكر وراصد اجتماعي مغربي.





