لكل معبد حراسه وزواره ومريدوه

 

 

 

 

 

 

السفير محمد فرحات

 

 

وأنا أتصفح ذكريات سفرياتي داخل الصين عثرت على بعض الصور تسجل زيارتي لقبيلة الياو الصينية التي تعيش جنوب شرق البلاد في أراضي مرتفعة جلها جبال وغابات وتخترقها وديان وانهار عديدة. المواصلات صعبة وكأنما اختار أهلها عزل أنفسهم عن باقي سكان بلد ميزته الأولى انه من الدول ذات العدد الضخم من الساكنة. صلتهم بأرضهم جد وثيقة. منها ياكلون ولاجلها يصنعون ابسط وسائل العيش الذي لا يتعدى أن يكون للاكتفاء الذاتي.

رفقة نائب وزير الخارجية الصيني تزاي تجون على نهر ليد جيان إقليم غوانشي جنوب شرق الصين

يتطلب الوصول الى هذه البلدة استعمال وسائل مواصلات مختلفة فكان لابد من استكمال المسافة المؤدية لهم مشيا على الأقدام. مناظر جميلة عديدة يتجلى فيها جمال وإبداع الخالق في خلقه وتتخللها حقول صغيرة شاهقة العلو هي عبارة عن أحواض مائية مخصصة لزراعة الأرز، وبالكاد يتحرك فيها الجاموس المشغل في الحرث.

استضافنا أهل البلدة استقبالًا يليق بعراقة تاريخهم و حضارتهم في القدم. توحدهم بساطة العيش لدرجة يحسبها الزائر زهدا وتقتيراً ولباسهم ملحقات سود تتدلى عليها شعور من حرير براق تتباهى الصبيات بنثره في رقصات عفيفة يصل عند بعضهم حد الكعبين.

أما الرجال فاهتمامهم منصب على الضيوف لخدمة وفادتهم على الوجه الأكمل. و كتعبير عن كرم الضيافة يقدمون للزائر أرزا قاموا بطهيه في قصب البامبو. بعد مفاجأة المواصلات انضافت مفاجأة اكتشاف أن أهل القرية لا يتوفرون على الانارة بالكهرباء ولا على شبكة الماء الشروب. وهي من الأوضاع التي أصبحت نادرة في الصين حيث وصل التطور العلمي والغنى الاقتصادي والرفاه الاجتماعي ما صار لا يقبل تصنيف البلد ضمن الدول السائرة في النمو، وهو ما يروق للصينيين تسويقه.

يقدم الأرز في صحن مصحوب بعود واحد لتناوله رغم أن العادة في الصين هو تناول الاكل بعودين اثنين.حين سألنا عن العود الثاني شرحوا لنا أن قواعد الضيافة لديهم تقوم على تقديم الاكل بعود واحد وإن أعرب الضيف عن رغبته في عود ثاني فلا ضير في ذلك، سيقدم له. وعند سؤالنا عن السبب كان شرحهم أن الضيف الذي يقبل تناول اكلتهم بعود واحد، لا مناصة سيرجع عندهم، أما من تناوله بعودين فانه لن يعود.

هنا بدأت سلسلة الملاحظات والفضول لفهم الأجواء والتأمل في كل حركة وسكنة وما تعقبها من تساؤلات تبقى في الغالب بدون إجابة إلا من استنباطات واستقراء للاشارات ، لأن معرفة كنه الأمور يقتضي المكوث لوقت أطول ومشاركتهم عاداتهم وطقوسهم. وفي هذا الباب كان التساؤل الأكبر والأهم: ما سبب عدم توفر البلدة على مباني ادارية ولا حتى على معبد.

والمتعارف عليه في غالب دول آسيا البوذية كما في بلاد الصين تتناثر دور العبادة في كل مكان فيه تجمعات بشرية. وتواجد المعابد تعتبر بمثابة ملاجئ روحية للعبادة والاختلاء والزهد. وهي امكنة يعم فيها الهدوء والسكينة. تخلو في الغالب من أسباب البهرجة والغنى ولا يؤثثها الا كرسي يعتليه قائدهم ومعلمهم الروحي. ويتميز نزلاء المعبد بتجردهم من وسائل التميز الدنيوي والديني بتلحفهم ألبسة بسيطة نمطية يسترون بها عوراتهم وتؤكد زهدهم عن مشاغل الحياة اليومية إلا ماكان من اعمال بسيطة تهم الأكل ونظافة الملبس والجسد وردهات المعبد. كما يقومون بالتناوب على الاهتمام بالمعبد وحراسته. وهو ما اصطلح مجازا نعت كل حارس للمعبد بالحاصل والمتحصل على صفاك الشجاعة والأمانة والصدق.

ساعدني في التقرب منهم شيئًا ماأنني تناولت الأكلة التي قدمت لي بعود واحد ليضعوا في بعض ثقتهم ، وهو ما سهل ايضا عملية التواصل وفهم بعض الأسرار. ومنها اعتبارهم الهضاب والجبال التي يقطنونها ويقتاتون من زرعها بمثابة معبد. الفرق عندهم بين الإثنين ان المعبد يشيد على شاكلة بناء تقضى فيه الحاجات الروحية والدينية و أنا معبدهم فيتجلى في تضاريس الجبل والهضبة يقوم بتلبية الحاجات الغذائية للإنسان والحيوان. و لتبسيط المعنى أكثر فالأول يقوم بتلبية حاجات الغذاء المادي والروحي والثاني يهيئ فيه كل ما سيصبح أكلا وغذاء للجسد .
فالعبرة أنْ ليس كل مجسم ذو هالة معبد وليس فوق كل مكان عبادة بالضرورة بناء

كل هذا التقديم للوصول الى التنبيه إلى تفتق ظاهرة اجتماعية وسياسية في مجتمعنا المغربي نجد فيها القيمين على الشأن العام، سياسي كان او اجتماعي، متكتلين في إطارات غالبا ما تستمد شرعيتها من نظام انتخابي معتمد هو أقرب إلى التزكية منه الى الاقتراع العام المفتوح.
فتجدهم ملتفين حول مجسم المعتقد المشترك بينهم و أيديهم ملتفة ومتعلقة بهيكله الفارغ المحتوى من أصله. فكما المعبد عند القوميات البوذية تتآلف هذه الظواهر حول مضمون يكاد لا يتضمن شيئًا ولا تعدو تجلياته صخب غارق في الشكليات والايتيكيت.

يتعلقون بشكل وإشكالية الاجتماع غير ابهين بواجب الرسالة التي هم مدعوون لحمل أمانتها وإيصال مثانيها. بل نجدهم في بعض الحالات وهي تزداد عددا وانتشارا يلجؤون لخدمات الخبراء واساتذة الجامعات ومكاتب الاستشارة لحشد أفكار هم المطالبون أصلا بالخوض في تدبيرها وتحليلها وبسطها على ارض الواقع. فكيف يمكن، على سبيل المثال، قبول أن يستدعي مسؤول سياسي خبر كل نواحي الموضوع فكرا وممارسة أستاذا جامعيا ويدعوه للتفكير في معطيات مجال عمل فيه هو نفسه لعقود عديدة. هل بسبب كسل ثقافي أو خلل فني في التركيبة المهنية المتراكمة أو لنقص في المنظومة التكوينية ام آثار جانبية لأمراض العصر التي تدعو إلى تغليب أسلوب المحاكاة وبِدَع التقليد. قد تكون عوامل اخرى وراء تعلق هؤلاء القيمين الأفذاذ على شؤون العباد التموضع وراء مقترحات المكاتب الاستشارية والاكتفاء بتدليلها على صيغة برامج سنوية وعشرية ومنها من يضاعف العشرية مرتين وثلاث.


لم يخل ميدان ونشاط سياسي او سوسيواقتصادي او ثقافي من آفة البرامج والمخططات بل وصلنا الى حد الاستشراف عبر وضع نماذج نتساءل معها عن ماهية الفعل الحكومي والبرلماني والحكامة ومن يحكم أصلًا ، هل الأجهزة المنتخبة ام دواوين الاستشارة؟
لتقريب الأمر من مادية الفكرة فالأمر جلي في ميادين السياسة والثقافة والدبلوماسية على سبيل المثال لا الحصر.

ويبقى السؤال: الم يفقهوا كنه “المفهوم الجديد للسلطة ( 1999) وفلسفة المبادرة الوطنية للتنمية البشرية (2005) والابعاد الاستراتيجية اقتصاديا للمشاريع الهيكلية الكبرى وروح رسالة دستور المملكة (2011) والجهوية المتقدمة (2015) والصيغة المثلى للعمل الدبلوماسي كما يستشرف سواء من مضامين الخطابات الملكية خاصة تلك التي ألقاها صاحب الجلالة بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب أو من خلال الزيارات الملكية العديدة خاصة لدول القارة الإفريقية والتي وقعت خلالها أكثر من 1000 معاهدة واتفاق ترمي إلى تجديد او تمتين أو خلق إطار جديد للتعاون والدفع الى الاحسن بمستوى العلاقات الثنائية.
السياسة العامة للملك ترنو وتتجلى في القرب من المواطن والملامسة المجردة لأمور الشعب والتفاعل مع شجون مكوناته والسعي ما استطاع لتوفير سبل حاجياته والأمر بتسخير ما يجب من إمكانات ووسائل لتأمين ظروف ووسائل العيش الكريم.

لماذا تنحصر ردود النخب السياسية والاقتصادية والاجتماعية على العزم والإرادة الملكيين بخلق مجسمات يتكتلون حولها لخدمة مصالح ضيقة لا تتعدى أن تكون أنانية أوقبلية أوعرقية أواثنية بل وحتى معتقداتية ونعما التوجه والوجهة المؤديين للبر السالم والمعين الشافي الراوي في المتناول.
كل المعابد تلتقي في كون جوفها فارغ، حتى الكعبة المشرفة. فحين التأمل وللذكرى، نرى أن تخليص البيت العتيق من الشوائب العالقة وتماثيل الوثنية المصففة داخله كانت من أولويات رسالة النبي محمد (ص) وكذا جده إبراهيم الخليل. تقديس الكعبة لسببين اثنين: تجسيد البيت للارادة والنظرة الالهية وجعله قبلة يُطاف حولها وليس بالدخول جوف للبيت، لأن جوف البيت العتيق فارغ إلا من ثلاثة أعمدة تحمل أركانه وسقفه كما أُمِر بذلك النبيان إبراهيم عليه السلام وابنه إسماعيل برفع قواعده للحجيج وسقايتهم.

السبب الثاني يكمن في أن العِبرة من الطواف والسعي سبعة أشواط هي التقرب من الله عز وجل وإدراك أن المبتغى الأسمى يكمن في حمل النية وكسب الإيمان بكنه عملية الخلق وعظمة الخالق وعبودية المخلوق، لأن الكل تأسس على التقوى.
فهل من متقي يرعوي في الله وأولي الأمر حق حدوده ويؤدي للعباد أمانة علق، أراد أم أبى، إن آجلًا أم عاجلًا ، برقبته حفظها؟

الرباط، في 16 يونيو 2022

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...