المدرس …ذلك الطائر النادر.

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

*د.الحبيب ناصري

 

 

 

مهما تطورت التكنولوجيا، ومهما تم التفكير في طرق تقنية عديدة معوضة للمدرس، بشكل أو بآخر، يبقى المدرس سيد الميدان. المدرس لا يعوض . مهامه المتعددة، وذات الطبيعة التربوية والإنسانية، الخ، تجعله حاضرا في كل العمليات المتوقعة وغير المتوقعة. المدرس، كان وسيبقى سيد المدرسة والقسم، بل سيد الوزارة والمجتمع والعالم والإنسانية جمعاء. جربوا، أيها الآباء وأيتها الأمهات الاشتغال مع أبنائكم لمدة ساعتين في اليوم !!!. جربوا واكتشفوا عوالم مهنة التدريس!. هي مهنة كلها متاعب وهموم وتفكير في كيفية ضبط القسم وكيفية انجاز الدروس والامتحانات والحراسة والتصحيح والعديد من المهام . المدرس طائر نادر!. من المستحيل أن نجد مثله !. المدرس، كائن تربوي وبيداغوجي وديداكتيكي وإنساني ووجداني لا يوجد شبيه له. لا خير في أمة لا تكرم معلمها وتفرح به. لا خير في أمة لا تهتم بمعلمها، لاسيما حينما يمرض أو يتعرض، لا قدر الله لحادثة ما. لا خير في إعلام لا يروج صورة جميلة عن المعلم. ولا خير في ناس لا يتباهون بما بذله المعلم من جهد لفائدة أبنائهم في مدرسة المدينة أو القرية. كل المهن يشتغل أصحابها على نقص وهموم زبائنهم. الطبيب دخله من ألم المريض. المحامي دخله من خصام أو حادثة من يدق مكتبه. الشرطي مهمته ضبط من لا يحترم القانون. التاجر دخله من جوع الزبون . حفار القبور دخله من دفن الموتى. الساحر ينتفخ جيبه من جهل من يزوره. كل المهن تقوم على مبدأ الاشتغال والأخذ والربح من ألم الزبون، ما عدا المدرس، فمهنته أن يعطي العلم والنور والحياة والحلم والأمل ومحو الجهل والظلام والأمية. المعلم دخله من تعلم المتعلم . فمتى يدرك مجتمعنا بل كل مجتمعاتنا التي لازالت صورة المدرس فيها موضوع نكتة، أن المدرس، ملح هذه الأرض. هو نافذتها نحو الأمل. المدرس التربة التي فيها تزرع الحياة. من رحم معاناته هم اليوم يجلسون في مكاتب فاخرة.جرب عزيزي/ عزيزتي، الاشتغال مع ابنتك او ابنك، على سبيل المثال، في بيتك ولمدة شهر واحد، وأنت تراجع معه. هنا ستكتشف ما يقوم به المدرس طيلة عمره. لنهتم بهم وبهن. لنفكر على الأقل، وإن تعذر تحسين وضعيتهم ووضعيتهن ماديا، في خدمات معنوية عديدة ترفع من قيمتهم وقيمتهن في المجتمع . لنجرم من يلحق بالمعلم ضررا في الاعلام وفي الحياة المجتمعية ككل. مهما تطور شأنك ومهما ربحت من مال وتموقعت داخل هرم المناصب العليا، فالمدرس من كان سببك. هو سيدك. مدرسك الذي كان يدخل القاعة، وربما جيبه لا يوجد به ثمن قهوة، أو وهو متأزم لكونه تراكمت عليه ديون الكراء، أو ربما لم يجد ثمن شراء الدواء وهو في منتصف الشهر ولا زالت نهاية الشهر بعيدة للحصول على أجرته التي يوزعها على الكراء والكهرباء والماء والهاتف والجزار ووالديه، إلى غير ذلك من المصطفين المنتظرين الدائنين له، وعلى الرغم من هذا يقدم درسه ويبتسم في وجه متعلميه. لنفرح بالمدرس، ونكرمه ونلتفت إليه ونهتم به ونعرف بدوره ونكتب عنه ونسمي أيضا مدارسنا وأزقتنا وشوارعنا مثلا بمن لبى نداء ربه وهو يقدم درسه في القسم، أو بمن حقق نتيجة مبهرة مع متعلميه، الخ. أنحني وأقبل رأس، كل من درسني بمدارس وجامعات مراكش ووادي زم والرباط والبيضاء… هم الجمال والأمل والحلم والسعادة …ويبقى المدرس… ذلك الطائر النادر في زمن رخو كهذا !.

*كاتب مغربي

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...