*زيد عيسى العتوم
بين الحياة والموت وبين الوعي واللاوعي, أظن أن أقدامي تتأرجح كساقِ شجرةٍ رفيعةٍ أمام إعصار يتملّكه الجنون, أو ربما كسحابةٍ صغيرةٍ تستتر خلف ظلامِ يومٍ ممطر, كل ما أدركه في هذا العالم هو أنني أنا, لا أحسن التنقّل كثيراً في ذاكرة عمري, تشدّني الأفكار دون أن أمسك بأيّ منها, وتطبق على أنفاسي حالةٌ من الشلل التي تأذن لي بمجرد البقاء حياً وليس أكثر, أو أنني أتوهم ذلك, لا أرى شيئاً ولم أعد أثق بحزم الضوء بعد اليوم, توخزني آلامٌ متناثرة في أطرافي المتجمدة, وتكبّلني أربطةٌ لا أملك معها حق السؤال عن الذي أوثق عراها, ولا أقوى على القفز من عرباتٍ ربما تقلّني صوب راحتي الأبدية, لكنني في الوقت ذاته قد سئمت تلك الراحة وأخشى تلك الأبدية, بدأت بعض الأصوات تكسّر جزءاً من عزلتي, وتكاد مسامعي تتلمس بعض الهمسات التي تحيط بوحدتي, كان لخطواتها أصداء تتعاظم وتختلط بالمزيد من قربها مني, ثم سادت حالةٌ من السكون المطبق, ما لبثت أن تبددت بكلماتٍ حاولتُ جاهداً الإمساك بناصيتها, بينما يغلبني وهنٌ ويرهقني عطشٌ دون الرغبة بقسطٍ من الراحة أو رشفة من الماء.
الصوت الأول: هل أنتم أصدقائه أم أقربائه؟ لا تقلقوا أبداً, لا أعتقد أن حياته مهددة بالخطر في هذه المرحلة, لكنه الان في غيبوبةٍ أو ما يشبه ذلك, نتمنى أن لا تطول مدتها, ونحن نراقب حالته على مدار الساعة.
الصوت الثاني: شكراً لك ايها الطبيب, نحن زملاءه في العمل, لا ندري كيف سقط مغشياً عليه دون سابق إنذار, فأسرعنا بإحضاره هنا, اعذرني على السؤال, ولكن هل تتوقع أن يفيق قريباً أو سيبقى كما هو؟
الصوت الأول: كما أخبرتكم, لا أستطيع التكهن بذلك, ما نملكه هو الانتظار والرجاء, سأترككم معه الآن وسأذهب الى الغرفة المجاورة, أتمنى أن لا تُطيلوا بوقت الزيارة.
الصوت الثالث: نشكرك أيها الطبيب, نعم نعدك بذلك.
شعرت باهتزازٍ بسيطٍ قرب قدمي اليمنى, ربما لجلوس أحدهم على حافة سريري الذي أيقنت هبوطي في قاعه الراكد.
الصوت الثالث: لا أظن أنه بخير, انظروا الى وجهه الشاحب وجسده المتيبس, وتأملوا أجفانه المسدلة وفمه المتحجّر, إنه بالكاد يتجرّع الهواء من هذه الأجهزة التي تكمم وجهه كاملاً.
الصوت الرابع: وأنا أشاطرك الرأي أيضاً, المسكين ربما يغادر الدنيا وهو في مقتبل العمر, لا أعتقد أنه سينجو مما ألمّ به.
الصوت الثاني: ليس وحده المسكين, إن حصل ذلك فسوف يتوزّع عمله على ثلاثتنا, وسيزداد شقائنا في يومنا, ولن نجد آذاناً صاغية إن طلبنا من يخلفه معنا, أو سيستغرق ذلك زمناً طويلاً.
الصوت الرابع: نعم هذا صحيح, ولكن علينا أن لا ننسى الآن أننا قد جئنا لزيارته دون إخبار مديرنا في العمل بوجهتنا, هل تظنونه سيغضب من فعلتنا, ولكنه ربما إن قدّر الأمور جيداً فسيغفر لنا , أليس كذلك؟
الصوت الثالث: لا تخف, ستسير الأمور على ما يرام, ولكن هل كان من الأجدر بنا إحضار باقة من الورود معنا, لا أدري كيف أغفلنا تلك المسألة.
الصوت الرابع: عن أيّ باقة تتحدث يا رجل! والى من سنقدمها ومن سيراها! أنه يرقد في عالم آخر غير عالمنا, وفي غيبوبته لا يعي شيئاً حوله, ربما كان عليك إحضار زجاجة من العصير له ههههه !, يا صديقي بمجيئنا هنا قد فعلنا أقصى ما يمكننا.
الصوت الثاني: ربما هو محظوظٌ أتدرون لماذا؟ إنه ما زال أعزباً, فلو شاءت السماء رحيله فسيرحل بمنتهى السهولة, ولن يتكبّد أحد من بعده الشقاء وضيق العيش, عندها ستكون المصيبة أصغر والضائقة لا تُذكر.
الصوت الثالث: لا بدّ لي من المغادرة الآن, فسأذهب الى السوق لشراء بعض الخضروات التي أحتاجها في بيتي, بعدئذ سأجلب كيساً من الخبز من مخبز بالقرب من هذا المستشفى, وبعدها سأعود الى العمل, لكن إن مكثتم هنا وقتاً من بعدي ثم عدتم وسألكم المدير عني, فأخبروه أنني جئت هنا بعدكم بوقت طويل, لا تنسوا هذا.
الصوت الرابع: حسناً حسناً كما تشاء, لكن حاول أن تسرع في إنجاز ما تريد, سأجلس أنا في غرفة الانتظار في الطابق السفلي لإحتساء القهوة قبل المغادرة, تخيلوا أنني لم أشرب قهوتي حتى الآن, وبدون ذلك أشعر أن نهاري عابس ويومي منقوص, ما رأيك أن تذهب أنت معي أيضاً, فيوجد لديهم بعض الشطائر الشهية كما لمحتها أثناء قدومي.
الصوت الثاني: فكرة رائعة, هيا بنا فأنا أتلهّف لتناول شطائرك التي أصبحتُ أتخيل مرورها أمام عينيّ.
أخذت أصواتهم تتلاشى شيئاً فشيئاً, لا يقاطعها سوى بعض الضحكات الخجولة, ولا يُعلي من شأنها سوى ذلك الصمت الرهيب, تمنيت الحياة لكنني سئمتهم الى حد الموت, لم يعد يهمني أن أجعل لنفسي أسباباً للبقاء, فربما مواقفنا السعيدة مع الحياة هي مجرد لقاءات زائفة, ودموعنا المتساقطة مراراً وتكراراً, هي أرخص الوسائل لغسل عواطفنا الممزوجة بالأوهام.
*كاتب من الاردن





