انتظروا العملاق الصيني في ملاعب كرة القدم!

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

*د. فيصل القاسم

 

 

من اللافت جداً أن كرة القدم لم تكن تحظى من قبل بشعبية كبرى لدى القوى العظمى الأولى في العالم، وهو أمر واضح للعيان، فكما أن كرة القدم عانت إهمالاً رسمياً وشعبياً في الولايات المتحدة الأمريكية، فإنها كذلك أيضاً في الصين حتى وقت قريب، مع العلم أن الصينيين يولون الرياضة أهمية كبرى وخاصة الألعاب الأولمبية التي غالباً ما يحصدون فيها الكثير من الميداليات. أما كروياً فهم لم يتأهلوا إلى نهائيات كأس العالم إلا مرة واحدة، لا بل إن اهتمام الصينيين بدوري كرة السلة الأمريكي أكبر من اهتمامهم بكرة القدم التي تعد اللعبة الأكثر شعبية في أغلب دول العالم. ويحتل فريق الرجال الصيني المرتبة 75 وفقاً لتصنيف الفيفا، وهو أعلى بقليل من سوريا. ويعود السبب في ذلك إلى أن الصين لم تعمم ثقافة كرة القدم في البلاد إلا مؤخراً. صحيح أنها أصبحت لعبة شائعة، لكنها لا تُمارس بما يكفي. وأظهرت دراسة أجرتها الكلية الألمانية للإدارة عام 2017 أن مشجعي كرة القدم الصينيين يشاهدون الرياضة حوالي 3 ساعات في الأسبوع، لكن 7% فقط منهم يلعبونها. والأهم من ذلك، أن عدداً قليلاً من الأطفال يُسمح لهم بالتضحية بوقت دراسي كبير لتجربة حظهم في الملعب. وغالباً ما تفضل الأسر الصينية تعليم أولادها حرفة بدلاً من امتهان الرياضة.

لكن عشق الصينيين للعبة كرة القدم بدأ يتصاعد في السنوات الأخيرة، وهو ما جعل رئيس الصين يقول إن الدولة ستضخ 850 مليار دولار من أجل تحويل الصين القوة الأولى في عالم الكرة في حدود سنة 2050، وسيتحوّل الدوري الصيني إلى الأحسن بضمه لاعبي المعمورة، في حدود 2026 الذي يتزامن مع المونديال الذي سيقام مناصفة بين ثلاث دول هي المكسيك وكندا وأمريكا. ويرى الصينيون بأنه من العار ألا تشارك الصين لحد الآن سوى مرة واحدة في المونديال، وهذا في دورة 2002 التي لعبت في قارة آسيا بين كوريا الجنوبية واليابان، وخرجت الصين من الدور الأول. لكن هناك من يرى أن كرة القدم في الصين ستقفز قفزات كبرى على غرار قفزاتها الاقتصادية العملاقة التي أوصلت البلاد إلى المرتبة الثانية في الناتج المحلي بعد الولايات المتحدة.

ويعتبر الرئيس الصيني الحالي شي جين بينغ شغوفاً جداً بكرة القدم، وقد يدفع بهذه اللعبة المهملة في الصين لتصبح في مقدمة الألعاب الرياضية في البلاد، وبسبب رغبته المعلنة في بناء قوة رياضية عظمى تليق بالصين، قامت الشركات والداعمون الأثرياء بضخ الأموال في الأندية الصينية وعلى التدريب وغير ذلك. وقد شجعتهم زيارة الرئيس تشي عام 2015 إلى نادي مانشستر سيتي الإنكليزي، والتقاطه صورة سيلفي مع النجم المهاجم سيرجيو أغويرو. ومنذ ذلك الحين بدأ الصينيون يتهافتون على شراء الأندية الأوربية أو شراء قسم كبير من أسهمها كنادي انتر ميلان الإيطالي ومانشستر سيتي وأندية أوروبية أخرى إسبانية وفرنسية وهولندية وتشيكية. ويبدو أن الصينين بدأوا يظهرون رغبة وطنية في الظهور بمظهر جيد على الساحة الدولية، وتطوير كرة القدم في الأندية الصينية والمنتخب القومي، وتكوين قواعد جماهيرية للعبة، واستخدام المؤسسات التجارية للأندية لإيجاد حضور تجاري في أوروبا. ولا شك أنهم عندما اشتروا حصصاً في أندية مثل أتلتيكو مدريد ذات يوم كانوا يفكرون بأن ذلك سيفتح المجال أمام اللاعبين الصينيين للظهور في فرق أوروبا الأكثر شهرة، وهم يعتقدون أيضاً أن امتلاك الأندية الأوروبية تمنح الصين صوتاً داخل الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، يمكن الاستفادة منه عندما تتخذ القرارات بشأن أماكن تنظيم البطولات المستقبلية لكأس العالم.

ويقول سايمون تشادويك، الأستاذ في كلية إدارة الأعمال في جامعة كوفنتري، إن الصين بعد نجاحها الاقتصادي الكبير تريد أن تكون مسيطرة وناجحة في كل شيء تقوم به. ويضيف أن الصين بحلول عام 2025 تريد أن تمتلك صناعة لكرة القدم بقيمة 840 مليار دولار كي تصبح كرة القدم رافداً اقتصادياً مهماً للاقتصاد الصيني الصاعد. بعبارة أخرى، فإن الصينيين لا يهتمون فقط بالجانب الرياضي للعبة، بل يريدون استخدامها كاستثمار اقتصادي ومالي. وثمة مؤشرات على أن استثمار الشركات في سوق كرة القدم المحلية في الصين حقق تقدما. ويرى الخبراء أن الصين بإمكانها الفوز بكأس العالم يوماً ما، فلديها الموارد والمستوى ودعم الدولة لاختصار 150 عاماً من تاريخ تطور كرة القدم في عشر سنوات.
وكان الصينيون من قبل تمكنوا بفضل الأموال الكثيرة من إسالة لعاب الكثير من النجوم في العالم الذين انتقلوا للعب في الصين، واعتمد الصينيون على لاعبين في قمة عطائهم. يذكر أن الصين انضمت للاتحاد الدولي لكرة القدم في 1924، لكنها لم تتقدم إلا مؤخراً، مع العلم أنها نظمت الألعاب الأولمبية ونجحت فيها أيما نجاح، وبقيت الكرة من دون شعبية في بلد المليار نسمة، قبل أن تهب رياحها الجارفة وتحولت إلى الرقم واحد في عالم الرياضة الصينية، وبدأ التفكير في تحويلها إلى قوة ضاربة تسيطر بها الصين على العالم.

هل يستغل الصينيون تراجع مستوى منتخبات أمريكا اللاتينية أمام الفرق الأوروبية كي تصبح الصين المنافس الأول للأوروبيين كروياً؟

*كاتب واعلامي سوري


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...