السعودية ومصر.. علاقات بين الشد والجذب.

إيطاليا تلغراف

 

 

 

*بقلم.. الدكتور حسن مرهج

 

 

 

لم تكن المقالة التي كتبها رئيس تحرير صحيفة الجمهورية المصرية، عبد الرزاق توفيق، والتي هاجم من خلالها السعودية وطريقة تعاطيها مع مصر، إلا انعكاساً لحالة الإستبداد السعودية، تجاه مصر، لتأتي بعد ذلك، موجة من الكباش السياسي والإعلامي، بين مثقفين سعوديين ومصريين، لتكرس مشهد الخلاف السعودي المصري، ولتطفو على السطح حالة التباين في وجهات النظر التاريخية بين الرياض والقاهرة. في المقابل، لا يمكن إنكار أن الاقتصاد المصري يمر بأزمات مركبة، وأن الصناديق السيادية السعودية تتغلغل في الاقتصاد المصري، الأمر الذي سمح للسعودية بوضع محددات اقتصادية وسياسية، وحتى التدخل بشكل مباشر في عموم المشهد المصري، وعلى إعتبار أن السعودية أحد أبرز الداعمين الإقتصادين لـ مصر، الأمر الذي سمح للرياض، بفرض توجيهات على الدولة المصرية، تتعلق بضرورة إحداث تغيير في المنظومة الاقتصادية المصرية، وتقليص دور المؤسسة العسكرية في الاقتصاد، ما يعني، من الناحية العملية، توسيع نشاط الصندوق السيادي السعودي، في شراء عدة أصول مصرية، لكن وجود وقوة الجيش المصري، سيكون عائقاً أمام المدَ السعودي.

في ذات الإطار، فإن القضايا العالقة بين الرياض والقاهرة، تُعتبر قضايا قديمة جديدة، من بينها قضايا مثل الإخوان المسلمين، والملف اليمني، ومحاربة “داعش”، والموقف من إيران، ثم الموقف الحالي من الرئيس السوري بشار الأسد.

وربطاً بما سبق، فقد أثار صعود الإخوان المسلمين في مصر، مخاوف الأنظمة الخليجية، خاصة السعودية، الأمر الذي فرض على الاخيرة، تحركات وسياسات تُجاه مصر، لاحتواء خطر الإخوان، ما اضطر السعودية إلى أن تنشئ تحالفاً إقليمياً لمحاصرة الثورات في العالم العربي. وقد لعب الملك عبد الله بن عبد العزيز دوراً مهماً في ذلك. إلا أنه مع صعود الملك سلمان إلى عرش السعودية، تحولت العلاقة مع “الإخوان المسلمين” من المواجهة إلى الاحتواء، ما أثار غضب الجانب المصري الذي أسّس وجوده على محاربة الإرهاب، خصوصا الإخوان المسلمين الذين أدرجهم على لوائح الإرهاب، وأصدر قوانين عديدة تصنف الجماعة إرهابية، بل نسب إليها كل العمليات الإرهابية في مصر، بما فيها التي تحدُث في سيناء.

أثارت سياسة الاحتواء التي انتهجها الملك سلمان تجاه الإخوان المسلمين الخلاف بين النظامين، المصري والسعودي، ما سمح بزيادة مساحة الخلاف بينهما. في الوقت نفسه، استحوذت قضايا، مثل محاربة داعش في المنطقة، ومواجهة التمدّد الإيراني على اهتمام المملكة، بينما لم تكن مثل تلك الأمور محلّ اهتمام الجانب المصري، ما اضطر المملكة أن تعمّق علاقتها مع النظامين التركي والسوداني لمواجهة التمدّد الإيراني في المنطقة.

في جانب آخر، فإن موقف مصر من حرب اليمن، فجر خلافات بين الرياض والقاهرة، خاصة أن السعودية ترى في اليمن، العمق الاستراتيجي المهم لأمنها القومي، وعليه فإن الرياض وحتى اللحظة، تستمر في حربها العبثية ضد اليمنيين، وخاصة الحوثيين، ما دفعها لتشكيل تحالف عربي لقيادة حرب إقليمية ضد اليمن، لكن في الجانب الآخر، فإن مصر لا تنظر إلى اليمن وفق المنظور السعودي، ولا ترى داعِ لخوض حرب مع اليمن، كي لا تصطدم بإيران في المنطقة، وبالتالي ابتعدت مصر عن الدخول في مواجهة مع اليمنيين،وحافظت على سعرة معاوية مع الإيرانيين.

في ما يتعلق بالملف السوري، وعودة دمشق إلى الجامعة العربية، فإن هذه الجزئيات مثار خلاف سعودي مصري، إذ تعارض القاهرة اسقاط النظام السياسي في دمشق، خشية تفكك سوريا وانعكاس ذلك على الأمن القومي العربي، وعلى مصر تحديداً، ويبدو أن الموقف المصري تماهى جملةً وتفصيلاً، مع الموقف الإماراتي، وجراء الموقف المصري، فقد لاقت مصر دعماً لا محدود من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ترجمة ذلك، ففي عام 2015، وأثناء القمة العربية، قرأ السيسي كلمة موجهة من بوتين إلى القمة، معبراً فيها عن قلقه من تصاعد العنف في المنطقة، إلى جانب مطالبته برفض التدخل الأجنبي في الصراعات المشتعلة في المنطقة، الأمر الذي فجّر غضب وزير الخارجية السعودية حينها سعود الفيصل، الذي عبر عن رفضه هذه الكلمة، واصفا النظام الروسي بأنه السبب في المجازر في سورية، ومن العار ادّعاء رفض شيء يقوم هو بممارسته.

يتزامن هذا الرفض السعودي للتدخّل الروسي مع رفض بقاء الرئيس السوري بشار الأسد في السلطة باعتباره مدعوماً إيرانياً، ما جعل المملكة تقدّم دعماً مالياً وتسليحياً للمعارضة السورية. يمثل أيضاً الموقف من عودة سوريا إلى الجامعة العربية جزءاً من المواجهة الإقليمية بين السعودية والإمارات، للسيطرة على المنطقة، وقد اختارت الدولة المصرية الانحياز للإمارات.

ختاماً، إن المواجهة السعودية المصرية، وحالة الكباش السياسي بين الدولتين، تُنذر بخسارة السيسي أحد أهم داعميه سياسياً واقتصادياً، وتضع أسئلة عديدة بشأن مستقبل السيسي نفسه وبقائه في السلطة، لكن تبقى أوراق قوة عديدة بيد السيسي، أهمها الدعم الروسي، وكذا التحالف مع الإمارات، إضافة إلى عودة العلاقات مع قطر وتركيا. كل ذلك يبقى رهناً بجملة التطورات التي ستشهدها مصر في الفترة المقبلة، وطريقة تعاطي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، مع جملة التطورات في المنطقة، لا سيما قراءته للملف السوري.

*كاتب واعلامي وخبير في شؤون الشرق الاوسط من سوريا

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...