الحرب الروسية الأوكرانية في عامها الثاني.. مسارات وتحديات.

 

 

 

*بقلم.. الدكتور حسن مرهج

 

 

 

في عامها الثاني، باتت الحرب الروسية الأوكرانية في جُل وقائعها، مثاراً واهتماماً وترقباً، لمسارات تلك الحرب، وأي سيناريوهات وتحديات تحكمها، لا سيما أن العام الثاني من عُمر هذه الحرب، تؤطره توقعات باستخدام الأسلحة النووية التكتيكية، الأمر الذي يضع البعض في أطر بلورة حرب عالمية ثالثة، وانعكاسات ذاك الأمر، على مُجمل الملفات الإقليمية والدولية. لكن بهدوء، فإن روسيا لم تكن لتبدأ هذه الحرب، دون وجود معلومات استخباراتية دقيقة ومؤكدة، لجهة الرغبات الأمريكية باستباحة الفضاء الإستراتيجية لـ روسيا، فضلاً عن نوايا الناتو التوسعية، وقضم الأراضي الروسية عبر حث دول الاتحاد السوفيتي السابق، إلى الانضمام للناتو، الأمر الذي ترجمته روسيا، تهديداً مباشراً لمصالحها ومنطقها الإستراتيجي، ما استدعى تحركها المباشر، لوضع حد للسياسات الغربية الأطلسية ضد روسيا.

بطبيعة الحال، فإن الحرب الروسية الأوكرانية، شكلت الحدث الأبرز دولياً، بعد الحرب في سوريا، وتكاد تكون الحرب الروسية الأوكرانية، امتداداً غير مباشر للحرب السورية،بمعنى إرهاق موسكو بُغية إجبارها على تبديل أولوياتها الإقليمية والدولية، ومحاولة انتزاع الورقة السورية منها، وربما إجبارها على مقايضتها بالورقة الأوكرانية. لكن الحسابات الغربية الأطلسية لم تُحقق غاياتها تُجاه روسيا، خاصة أن دول الاتحاد الأوروبي، دخلت في أزمة اقتصادية واجتماعية معقدة، وتعالت الأصوات الأوروبية لوقف هذه الحرب، والكفَ عن استفزاز روسيا، إذ تعتبر الأخيرة هي المُصدر الأول لمشتقات الطاقة إلى دول الاتحاد الأوروبي، والآن تلك القارة العجوز وشعوبها، يعانون من شح في المحروقات، وارتفاع مضطرد في أسعارها، فضلاً عن ارتفاع غير مسبوق في أسعار المواد الغذائية، وبالتالي، ثمة ضغط شعبي أوروبي للتفاوض مع روسيا، بُغية وضع نهايات لتلك الحرب، وعودة الإستقرار لدول الإتحاد الأوروبي وشعوبه.

ربطاً بما سبق، ومع دخول الحرب الروسية الأوكرانية عامها الثاني، فمن الطبيعي أن تكثر التوقعات وتتعاظم السيناريوهات. وعليه فإن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لديه جُملة من الأهداف الجيو استراتيجية، والتي لا يمكن التخلي عنها، من ضمنها عدم وقف هذه الحرب الا بعد ضمان أمن روسيا، والاعتراف الدولي بأحقية روسيا في تفهم هواجسها لجهة النوايا الأطلسية على حدودها،ولتحقيق تلك الأهداف،فان بوتين وانطلاقاً من سياسته الباردة، فإنه يسير ببطء في حربه، لكنه يدرك أن النهاية ستكون في صالحه، ما يُفسر محدودية عملياته العسكرية، وتركزها في بؤر محددة، تراها واشنطن استراتيجية المضمون والأهداف، إذ لا أحد يُنكر، بأن روسيا لديها القدرة على اجتياح كييف، لكن ثمة سياسات واضحة لدى روسيا، تتعلق بماهية مسار الحرب، ومنع دخولها في متاهات لا تروق لـ روسيا، بل ومن الممكن أن تنقلب ضدها.

في المقلب الآخر، فإن واشنطن ومن الزاوية الاستراتيجية، فإن تدعم القوات الأوكرانية، لمنع بوتين من تحقيق أهدافه، والزيارة التي قام بها الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى كييف، لا تأتي إلا في إطار استفزاز روسيا ظاهرياً، وإيصال رسالة مفادها أن واشنطن تدعم كييف، لكن المفارقة أن بايدن، وقبيل زيارته إلى كييف، أخذ الموافقة الروسية لاتمام هذه الزيارة، لأنه يعلم في قرارة نفسه، أن روسيا لديها اليد الطولى في أوكرانيا، لكن لا ضير من ملفات تمرر من تحت الطاولة، تصب مباشرة في بوتقة التفاهمات الروسية الأمريكية بعيدة المدى، والتي من ضمنها، لا يمكن للأمريكيين والأطلسيين العبث مع الروس.

خطاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والذي جاء في سياق العام الثاني للحرب الروسية الأوكرانية، كان واضحاً في توصيفاته لجهة استحالة هزيمة روسيا، مع التركيز على أهداف استراتيجية لا يمكن التخلي عنها، حيث لم تخلو كلمة بوتين، من تهديدات ضمنية للولايات المتحدة وسياساتها في الفضاء الاستراتيجي لـ روسيا، وعليه فإن بوتين ماضٍ في حربه دون توقف، حتى تحقيق أهدافه، فضلاً عن إشاراته إلى توريد الأسلحة الغربية لـ كييف، والتي لن تُحقق أي هدف، بل على العكس، فقد أشار بوتين إلى الإستيلاء على أطنان من المساعدات العسكرية التي وُردت إلى كييف.

ختاماً، وبصرف النظر عن مجريات الحرب في أوكرانيا، لكن بوتين لن يستخدم النووي، وما الضرب على هذا الوتر، إلا لغايات أمريكية بشينطة موسكو، وتغطية محتملة لاستخدام النووي من قبل نظام كييف، خاصة أن العقيدة البوتينية، ترفض استخدام هذه الاسلحة، إلا في حالات خاصة يطول شرحها الآن، وربما تتم الإضاءة عليها في مقال خاص، لكن التلويح الروسي باستخدام الأسلحة النووية التكتيكية، ليس إلا إرهابياً لواشنطن والأطلسي، والكف عن استفزاز موسكو، ومع دخول الحرب الروسية الأوكرانية عامها الثاني، نقول وبكل صراحة، احذروا الغضب الروسي.

*كاتب واعلامي وخبير في شؤون الشرق الاوسط من سوريا

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...