لا أنام ! قصة قصيرة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

زيد عيسى العتوم

الاردن اربد جامعة اليرموك

 

 

أمام تلك البناية ذات الأربعة طوابق تمسمرت قدماي وارتجفتا, وأخذ قلبي يتراقص كشجرةٍ بلهاء تحاول بأغصانها النحيلة أن تصارع إعصاراً لا يرحم, وكلما حاولت عيناي التطاول لرؤية حافتها العليا كانتا تغرقان في التيه وتشعران بالرهبة, لم يستهويني حينها مراقبة المارّة أو الإنصات لضجيجهم, فلهم عالمهم ولي عالمي المثقل بالاضطراب والقلق, وفي داخلي بحر معكّر لا يبالي ببضعةٍ من قطرات المطر اليتيمة, ولا يستجيب لنعراتِ ووخزاتِ مجاديفِ سفنٍ تُسمّى أحداث يومي, ولا تهدىء من روعه همساتٌ تُسمى رُفقاء دربي, أخرجت من جيبي قصاصةً مهشّمة كُتب عليها ما يُسمى طوق نجاتي, قرأت ما فيها كما لو كنت أستميت لتهجئة حروفها وفكّ طلاسم أرقامها, تلفتّ يمنة ويسرة ثم عقدت العزم على اقتلاع أرجلي من جذورها عنوة, دخلت من ذلك الباب المفتوح على مصراعيه, تمنيتُ لو كان موصداً لأكسب مزيداً من التأخر والراحة وأنا أستأذنه بالعبور, لكنني ربما سأجد ضالتي بتلك الأدراج الطويلة والممتدة الى طابقها الأخير, وفجأة وقفت أمام قدري الذي ليس منه مفرّ, ومستقرّي الذي لن يُجاملني بفسحةٍ للهروب, أنا الآن في حضرة الطبيب النفسيّ, غير شكواي لا أملك أمامه أي استطاعة, ولن أهديه من قلبي غير ضعفي المغلّف بالسمع والطاعة.
الطبيب: أهلاً بك, لا بدّ وأنك الشاب الذي هاتفني في البارحة لأخذ موعدٍ مبكر.
تنفّست قليلاً من الصعداء واحتسيت قدحاً صغيراً من الطمأنينة, نظرت اليه مبتسماً على غير ما أشعر به: نعم حضرة الطبيب أنا هو, وهذه هي المرة الأولى التي أراجع فيها طبيباً نفسياً, لكنني لم أجد خياراً آخر, كما أنني أشعر بالثقة أن ما سأقوله لك سيبقى حبيس هذه الغرفة, أستأذنك بالجلوس.
الطبيب: تفضل بالاستلقاء على تلك الأريكة الحمراء قربك, ولكن قبل ذلك أرجو أن تخبرني عن أسمك وعمرك, وأتمنى أن تتأكد من أن الخصوصية هي المربع الأول في عملنا, كما أن مراجعة الطبيب النفسي ليست جرماً أو قبحاً نخجل به, هذا شيء طبيعيّ وليس فيه ما يدعو للقلق.
وضعت جسدي المنهك على تلك الأريكة الناعمة, أحسست أن صخرتين ثقيلتين تنتظران الموافقة على التدحرج من على أكتافي, لكن سقف الغرفة لم يروق لي لأنه لم يكن مرتفعاً, مما ألقى حفنة من الضيق على نفسي وأنا أنظر اليه.
الطبيب: والآن أنت لك كل الحرية لتخبرني عمّا يزعجك أو يتعلق بك, وسأقوم بإيجاد الحلول المناسبة لمساعدتك على التخلص من مشاعرك السلبية, تلك المشاعر التي أراها شاخصة أمامي في عينيك, لا أستطيع أن أتوقع سبب تعبك, فهيا أخبرني عن مشكلتك دون أن تنظر اليّ مباشرة, أريدك أن تنسى أنني موجود هنا, أريدك أن تشعر كما لو كنت تحدث نفسك عن نفسك بمنتهى الصراحة.

حاولت أخذَ نفسٍ عميقٍ قبل أن أتكلم: لست أدري من أين سأبدأ قصتي, أنا متعب أيها الطبيب, فأنا أعاني منذ فترة تقارب الخمسة أشهر, لا أستطيع النوم يومياً سوى سويعات قليلة, تصرعني الأحلام القاسية والكوابيس المرهقة في كل ليلة, أما الصداع الشديد وعدم التركيز فهما أنيسا صحوتي, أنا دائم العصبية ولا أطيق التحدث حتى مع نفسي, أنا مضطرب الى أبعد الحدود دون أن يعرف عني أحد, وأخاف الاستمرار بهذه الحال لأن روحي قد غدت مبعثرة الشظايا, أثناء يومي لا أستطيع التوقف عن استرجاع ما رأيت في تلك الدقائق الكريهة, قبل بضعة أيام مثلاً رأيت كهلاً يفيق من موته ويقترب مني بلباسه الأبيض اللامع, ثم يحتضنني الى حدّ كتم أنفاسي وإنهاء حياتي, كنت مشلولاً وعاجزاً ومكبّلاً لا أستطيع إبعاده, صحوت بعدها وأنا متعرّق أسمع بأذني صوت ضربات قلبي, وقبل ذلك بيومين كنت أترنّح فوق حافة عالية بقربها وادٍ سحيق, أدركت حينها أنني هالك لا محالة, حاولت الهرب لكن قدمي قد انزلقت صوب ذلك الجحيم, أما البارحة فقد قضيت غفوتي الصغيرة كألف دقيقة, كنت أركض بين بيوتٍ قديمةٍ منهارة, لا يفصل بينها سوى طرقات ضيقة ومتعرجة, لا أعلم أين وجهتي ولماذا كنت مسرعاً, وفجأة استبشرت برؤية جدتي تحاول فتح صندوق أزرق مقشّر الجوانب, بينما تضع يدها الأخرى على هامتها, اقتربت منها لأسألها عن شيء حسبته مهماً وملحّاً, نظرت اليّ بشغفٍ لتسمعني, لكن لساني قد تربّط وفمي لم يقوى على الحراك والنطق, ثم أنني قد نسيت حينها ما هو سؤالي, وما أن فتحت ذلك الصندوق حتى اسودّت الدنيا بما فيها, لأفيق بعدها منهكاً ومذعوراً, هذا هو حالي أيها الطبيب, أنا لا أستطيع النوم لأنني أعرف ما ينتظرني, وإن نمت لا أجد من النوم سوى القهر والعذاب, هل تفهمني أيها الطبيب؟!

لم أسمع إجابة الطبيب, ربما هو مشغول بكتابة ما أخبرته عني, أو ربما يريد سماع المزيد دون مقاطعتي, أو قد يكون متأثراً لحالي ومشفقاً عليّ بسبب مرضي, التفتّ اليه لأعرف السبب وأبطل العجب, كان الطبيب غارقاً في نومه وهو جالس على كرسيه, بينما قلمه ودفتره عالقان بين أصابع يديه, وسيجارته تلفظ آخر سكرات موتها قرب أوراقه, ونظارته بالكاد ترتكز على أسفل أنفه المدبب, اقتربت منه متسللاً حتى لا يشعر بي, وقلت له بصوتٍ خافتٍ: أتمنى لك نوماً هنيئاً أيها الطبيب!
غادرت العيادة كما لو كنت أغادر كابوساً الى كابوسٍ آخر من كوابيسي.

إيطاليا تلغراف

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...