الحرب الروسية الأوكرانية وفضائح الغرب.

 

 

 

بقلم الدكتور حسن مرهج

خبير الشؤون السورية والشرق أوسطية ومدير شبكة فينيقيا للأبحاث والدراسات الإستراتيجية.

 

 

لم تكن الحرب الروسية الأوكرانية وجُل عناوينها، بعيدة عن مخططات واشنطن الإستراتيجية، لجهة إلهاء روسيا أولاً، وإقصاءها عن جُزئيات النظام الدولي الجديد ثانياً، ومن ثم إخراجها بالكليّة عن سباق تعدد الأقطاب ثالثاً، وصولاً لإضعاف الاقتصاد الروسي بفعل العقوبات الأمريكية والغربية. نتيجة لذلك، يبدو واضحاً أن الحرب الروسية الأوكرانية وتحولاتها، باتت اليوم عنواناً رئيسياً في المشهد الأمريكي، فـ روسيا لم تُحييد عن المشاهد الدولية والإقليمية، وروسيا لم تخرج من سباق تعدد الأقطاب، بل على العكس، فإن المتابع يدرك جُملة حقائق، تبدأ بازدياد الحضور الروسي إقليمياً ودولياً، لا سيما على المستوى الإقتصادي، والأهم أن السياسة الروسية بقيت حاضرة، بل وتعززت في المستويات كافة، وباتت قطباً موازياً للقطب الامريكي، الأمر الذي يؤكد بأن الحرب الروسية في أوكرانيا، وطريقة إدارة يوميات الحرب، بأن روسيا تعمل وفق أسس استراتيجية بعيدة المدى، وتعتمد سياسة النفس الطويل، ويلاحظ في هذا الإطار، حجم تدفق المساعدات العسكرية الأمريكية والغربية لأوكرانيا، والذي يأتي في أطر متعددة، أهمها محاولات إرهاق روسيا واستنزافها عسكرياً، ومن ثم إعادة تدوير الأسلحة الغربية، في محاولة من واشنطن وشركاؤها الغربيين، إنعاش الاقتصاد العسكري، وإنتاج أسلحة جديدة بغية تسويقها.

الولايات المتحدة وضعت الحرب الروسية في أوكرانيا ووفق منظورها الاستراتيجي، ضمن الصراع الوجودي ضد ما أسمته قوى الشر، وربطاً بذلك، فإن الولايات المتحده كان واضحاً منذ بداية الحرب، أنها تدعم مواجهة روسيا، وأن واشنطن ستدخل هذه الحرب لكن بالوكالة، الأمر الذي ترجمته زيارة الرئيس جو بايدن لكييف في 20 شباط / فبراير 2023، ودعوته قادة العالم خلالها إلى دعم أوكرانيا وتعهده بمواصلة إمدادها بمزيد من الأسلحة، وبالتالي فإن واشنطن رسخت فكرة تقديم أشكال الدعم كافة لكييف، مع إدارة مخاطر التصعيد، والحرص على عدم توسيع ميدان الحرب، مما قد يقود في النهاية إلى قبول روسيا بالهزيمة واستعادة أوكرانيا كامل سيادتها على أراضيها بحدود عام 1991، وفقاً للتصور الأمريكي.

روسيا من جانبها، قرأت مبكراً التهديدات الجيوسياسية التي تُحيط بها، وأيضاً استقرأت مبكراً نوايا الناتو التوسعية، بغية محاصرة روسيا، ومحاولة خنق قوتها الجيوسياسية، ورغم دعم الناتو للقوات الأوكرانية عسكرياً ولوجستياً واستخباراتياً، إلا أن موسكو لا تزال واثقة من الخروج من هذه المعركة منتصرة، خاصة في ضوء الدعم الشعبي داخل روسيا للحرب، إذ أظهرت نتائج استطلاعات الرأي في روسيا، تمتع الرئيس فلاديمير بوتين بشعبية واضحة تزايدت مع تواصل الدعم العسكري الغربي لأوكرانيا، مما جعل أغلبية المواطنين والنخبة السياسية التي تحفظت على الحرب في البداية، تتماهى مع الخطاب السياسي للقيادة الروسية، خاصة مع تصاعد الخطاب العدائي الغربي ضد موسكو وفرض عقوبات شديدة عليها.

ومع يوميات الحرب الروسية في أوكرانيا، يبدو أن مخطط الغرب لجهة تنظيم الهجوم المضاد، بدأ مع استهداف محطة كاخوفكا الكهرومائية، وذلك لإبطاء تقدم القوات الروسية أولاً، وإضعاف الروح المعنوية للجيش الروسي ثانياً، وتوجيه رسائل للداخل الروسي حيال تقهقر القوات الروسية ثالثاً، والأهم توجيه أصابع الاتهام للقوات الروسية بتفجير المحطة، وإغراق مساحات زراعية وسكانية هائلة،وذلك لتأليب الرأي العام الروسي ضد القيادة الروسية، لكن تناسى الغرب بأن المنتصر لا يلجأ لمثل هذه المناورات، وبالتالي ثمة قناعات لدى الغرب وقيادة الناتو، بضرورة دعم الهجوم المضاد للقوات الأوكرانية، ومنع القوات الروسية من تقدمها، والعمل على محاصرتها في مناطق تواجدها، لإجبار موسكو على تقديم تنازلات،والجلوس على طاولة مفاوضات هندسة أوراقها الولايات المتحدة، بل وتقديم الأوراق الروسية على مائدة زيلنسكي المهزوم.

واقع الحال يؤكد، بأن الحرب الروسية في أوكرانيا، قد لا تنتهي خلال الأشهر القادمة، ليس بسبب قدرة القوات الأوكرانية على مجاراة القوات الروسية، أو وقف تقدمها، بل بسبب سياسة النفس الطويل الذي تنتهجه في سياق حربها، والأهم أن روسيا هي من تقوم باستنذاف القوات الأوكرانية، فضلاً عن إرباك منظومة الناتو، وبالتالي يتعين على صُناع السياسة الغربيين أن يُعدوا أنفسهم لذلك، وأن أدوات السياسة المتاحة لديهم مثل المساعدات العسكرية والعقوبات، لن تتغير بغض النظر عن أمد الحرب. وبالتالي فإن طول أمد الحرب الأوكرانية هو سيناريو روسي، لا سيما أن روسيا لديها ميزات كـ مساحتها الهائلة، واقتصادها المرن، وصعوبة تعرضها لضربات انتقامية من الخصم. ومن وجهة نظر الرئيس بوتين، فإن مثل هذه الاستراتيجية قابلة للتطبيق في المرحلة القادمة من الحرب، حيث لا يواجه ضغوطاً تُذكر في الداخل الروسي. وربما يراهن بوتين على أن أوكرانيا لن تكون قادرة في النهاية على تحمل حرب استنزاف حقيقية، وأن الغرب سيفقد صبره ويحد من دعمه لكييف.

ضمن ما سبق، بات واضحاً أن الولايات المتحدة وحلفاؤها، غير مستعدون للتدخل المباشر في الحرب الحالية، إذ لا خيارات أمامهم سوى إرسال المزيد من الأسلحة للقوات الأوكرانية، مع قراءات ترتكز على أن تتعدى هذه الحرب الحدود الأوكرانية، خاصة مع ازدياد التوترات في البحر الأسود، حيث تستخدم الولايات المتحدة طائرات مُسيّرة للمراقبة في هذه المنطقة. الأمر الذي يجب بموجبه أن تُعيد الولايات المتحدة قراءتها فيما يتعلق بالحرب الروسية الأوكرانية، لا سيما أن كل المعطيات تؤكد بأن روسيا تسير بهدوء بارد نحو معادلة جيو استراتيجية تتضمن حدود روسيا الجديدة، ولن تقف القوات الروسية حتى تحقيق تلك المعادلة.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...