الشاعر يوجيف أتيلا…عندما ينتصر الشعر على الموت !

إيطاليا تلغراف

 

 

 

*المهندس زيد عيسى العتوم

 

 

في بودابست ولد شاعر الصراحة والقسوة والبؤس, ومنذ نعومة أظفاره اشتبكت الحياة معه بالمحن والألم والتمرّد, لم يحمل في جعبته غير الذكريات المريرة, فكان اليُتم بداية قصته الحزينة, وكانت سرديته الكبرى عنوانها ” أمي”, أمه التي لم تجد غير غسيل الملابس طريقة للإنفاق عليه, لم ينفكّ خياله عن استحضارها وهي تصعد بسرعة بسلتها المملوءة الى السطح, مسكينة تلك التي تحمل سلة ثقيلة معلقة بذراعها المبلل, ومسكين ذلك الفتى الصغيروهو يصرخ ويضرب الأرض بقدميه, لم يكن مطلبه وقتها سوى أن تحمله أمه بدل سلّة الغسيل, أما هي فلم تمتلك حينها غير الصمت والصعود.
عاش أشهر الشعراء كواحدٍ من أفقر الفقراء, وانبرت قريحته بالحديث الغاضب عن الخبز والحرّية, عاقبه الشيوعيون حتى عندما صنع ديوانه ” اهدم الرأسمالية, لا تتباك عليها”, عاش عمره القصير بقلبٍ ثريٍّ وبجيبٍ مفلس, ثم ماذا كانت حصيلة عمره بعد الاثنين والثلاثين عاماً!, ” ليس لي أب ولا أم …ليس لي مهد ولا كفن…لليوم الثالث لم آكل شيئاً…ربما سأسرق أو سأقتل… وبعدها سيأخذونني ويشنقونني…وسأدفن تحت الثرى…وستنبت الحشائش المسمومة فوق قلبي الجميل”.

لم يكن ذلك الشاعر المجريّ الموهوب معروفاً حتى حدود لحظته الفارقة, لحظةٌ اختارت بإرادتها ديسمبرَ لتلفظ فيه أنفاسها الأخيرة, عندئذ اكتملت الحكاية ببضعة أسطر صُبغت بزيتية مروّعة, واستقرت النهاية بين سكّةٍ لا تنتهي وعجلات قطارٍ أرعن, قبل تلك اللحظة لم تكتفِ الدنيا بقصائد وحروف وأشجان, بل كانت بحاجة الى دماءٍ مراقةٍ تتناثر هنا وهناك, وبعد الواقعة انتبه الجميعُ الى الجرح المتحوّل الى نزيفٍ يسكبه صاحبه بسخاءٍ على هيئة قصائد.

قطارٌ في محطة بودابست يدهس جسداً نحيلاً لشابٍ سرعان ما ودّع الحياة على عجل, توقفت بعد ذلك حركة القطارات في المدينة, وتوقف قطار الحياة لوهلةٍ معلناً انتهاء العمر, فقد جلس ذلك الشاعر المنتحر في طريق القطار المندفع, في طفولته عمل بتلك المحطة عتالاً للفحم, ليعود اليها مسافراً لم يعد يجرؤ على حمل الذكريات, وعند الاقتراب من قبره سنسمع همساً بريئاً خافتاً يقول : ” أنا لم أكسر زجاجة المصباح…هي انكسرت لوحدها…لأن الزجاج الساخن ينكسر إذا نُثر عليه ماءٌ بارد “!

*الاردن اربد جامعة اليرموك

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...