الدكتور محمد يسري ابراهيم
الحمد لله وحده، وصلى الله وسلم على من لا نبي بعده، وبعد
فإن محبة الله تعالى وتوحيده أشرف أعمال الدين ومقامات الإيمان، وقد جعل الله مبدأ هذا العمل الشريف في أشرف أعضاء الإنسان ألا وهو القلب!
إن حب الله إذا تمكن من قلبك أثمر تعظيما، والتعظيم يثمر خوفا، والخوف يستتبع إخلاصا، والإخلاص يعقب صدقا، والصدق يحقق توكلا، والتوكل رجاء، وهكذا الرجاء إنابة، والإنابة تستلزم توبة، والتوبة استعانة، والاستعانة افتقارا، والافتقار ذلا، والذل زهدا، والزهد صبرا، والصبر يقينا، واليقين شكرا، والشكر تقى، والتقى جنة ونعيما!
والله يحب المتقين، ويحب المحسنين.
وعليه فإن القلب الذي هو لطيفة ربانية بالصدر موضع كل خير علمي، ومتنزل كل إحسان داخلي باطني!
فالإيمان والعلم والفقه والعقل أصولها في القلب،
قال تعالى:
“اولئك كتب في قلوبهم الإيمان”
وقال تعالى: “فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور”
وقال سبحانه: “أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها”
والقلب موضع الكسب ومحط نظر الرب من العبد.
قال تعالى: “ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم”
وقال سبحانه: “ولكن ما تعمدت قلوبكم”
وفي الحديث: “إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم”
وفيه أيضا: “ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب”
وأصل الإيمان والصلاح وأسه إنما يبدأ من القلب ثم يفيض على اللسان والجوارح بأعمال الطاعات، وعبادات القلوب أعظم وأهم من عبادات الجوارح، وهي سبب لقبولها.
قال تعالى:” إنما يتقبل الله من المتقين”
وفي الحديث:” التقوى هاهنا”
وأشار صلى الله عليه وسلم إلى صدره ثلاث مرات.
وكما أن طاعات القلب أعظم وأجلّ فإن معاصيه أخطر وأكبر!
قال تعالى: “قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم”
وقال عز ذكره: “وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم”
وقال سبحانه: “إن في صدورهم إلا كبرٌ ما هم ببالغيه”
وقال جل وعلا: “ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم”
وقال عز وجل: “فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه”
وكما أن القلب موضع المنح الإلهية من العلم والفقه والسكينة والرحمة والهدى، فإنه أيضا موضع العقوبات الإلهية!
قال تعالى: “فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور”
وقال سبحانه: “وقذف قي قلوبهم الرعب”
وقال تعالى:”فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم”
وقال جل وعلا:”ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون”
وقال تعالى:”ختم الله على قلوبهم”
وعبادات القلب قد تعوض عن عبادات الجوارح عند العجز !
وفي الحديث: “من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه”
وإذا صحبت أعمال القلوب أعمال الجوارح باركتها!
وفي الحديث: “بينما كلب يطيف بركية قد كاد يقتله العطش إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل،فنزعت موقها فاستقت له به فسقته إياه فغفر لها”
ويتفاضل ثواب أعمال الجوارح بتفاضل أعمال القلوب!
في الحديث:”إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر من الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم
قالوا: تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم
قال ﷺ: بلى والذي نفسي بيده
رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين.
قال ابن القيم
فالفضل عند الله ليس بصورة ال • أعمال بل بحقائق الإيمان
وتفاضل الأعمال يتبع ما يقو• م بقلب صاحبها من البرهان
حتى يكون العاملان كلاهما• في رتبة تبدو لنا بعيان
هذا وبينهما كما بين السما• والأرض في فضل وفي رجحان
ويكون بين ثواب ذا وثواب ذا•
رتب مضاعفة بلا حسبان!
لكل ما تقدم وجبت عناية العبد بعبادات القلب، واجتهاده في تخليص قلبه من الموبقات، والتوبة من باطن الإثم، مع التوبة من ظاهره.
ثم إنه لما كان القلب بتلك المنزلة والمثابة العلية؛ فقد وجب على كل مسلم أن يتعرف على أحكامه وأحواله.
وقد أخبر الله تعالى أن القلوب تتقلّب،
“وما سمي القلب إلا من تقلبه!”
وأن الله تعالى يقلّب القلوب بما كسبت!
قال تعالى:”ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة”
وقال تعالى:”واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه”
وفي الحديث:”إن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء!”
ولقد كان من دعاء نبينا ﷺ:” يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك”
وأكثر ما كان يحلف ﷺ:
“لا ومقلب القلوب”
وكان ﷺ يشبه القلب تشبيها عجيبا فيقول:
“إنما مثل القلب مثل ريشة بالفلاة تعلقت في أصل شجرة يقلبها الريح ظهرا لبطن”
فيجب العلم بأن التوحيد والإخلاص لله وحده محله القلب، فالعلم بوحدانية الله، وتفرده بالخلق والرزق، والملك والتدبير، والإحياء والإماتة، والبعث والنشور،
والعلم بأسماء الله الحسنى وصفاته العلا، وأفعاله الحميدة – إنما يكون بالقلب.
ويسمى هذا:”علم القلب”
قال تعالى:”فاعلم أنه لا إله إلا الله”
وقد يسمى:”قول القلب”وهو: علم وتصديق ويقين واعتقاد، وشهادة بوحدانية الله تعالى وربوبيته، وبأسمائه وصفاته وأفعاله، وتصديق بالخبر عنه تعالى في كتابه وسنة نبيه ﷺ.
قال تعالى:”والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون”
وقال تعالى:”شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط”
وفي الحديث:”ما من أحدٍ يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله صدقًا من قلبه إلا حرمه الله على النار”
وفي حديث آخر:”مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة”
ولما رفع بلال الأذان، قال ﷺ:”
من قال مثل ما قال هذا يقينا، دخل الجنة”
وعلم القلب وهو: الاعتقاد واليقين، حكمه: فرض عينٍ على كل قلبٍ مسلم.
وكل قلبٍ لم يعلم أنه “لا إله إلا الله” فليس بمسلمٍ ولا مؤمن ولا موحد!
ومن اعتقد هذا بقلبه، ثم زال عنه الاعتقاد فقد زال إيمانه وخرج من دينه، لأن تصديق القلب يقابله تكذيبه، ويقينه يبطله شكّه، وإقراره ينقضه إنكاره!
وإذا زال تصديق القلب لم ينتفع العبد بقولٍ أو عمل حتى يعاوده التصديق!
وكما أن للقلب علما وقولا فله عملٌ أيضا!
وعمل القلب منه: المحبة لله، والتوكل عليه، والخوف منه، والرجاء في رحمته، والصبر لأوامره، وعلى أقداره، وعن نواهيه، والرضا بالله وعنه، والخضوع لعظمته، والخشوع لجلاله، والإخبات له، والموالاة والمعاداة فيه، وغيرها مما يشمل كل إرادةٍ وحركة للقلب يحبها الله.
وكل ما تضمن محبة الخير وإرادته فهو من عمل القلب، ويدخل فيه أيضا كراهية الشر وإرادة تركه،
وعلى أساسٍ من علم القلب وعمله ومايتضمنه من توحيد الربوبية، والأسماء والصفات الإلهية يبنى توحيد العبادة والألوهية، وهو إفراد الله تعالى بالعبادة وحده لا شريك له.
قال الله تعالى:”فاعبد الله مخلصا له الدين”
وقال سبحانه:”من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب”
وقال سبحانه:”ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب”
قال الجنيد: “التوحيد: قول القلب،
والتوكل: عمل القلب، فلابد فيه من عمل القلب، مثل: حب الله ورسوله، وخشية الله، وغير ذلك من أعمال القلوب التي أوجبها الله ورسوله، وجعلها من الإيمان.”
وإذا زالت أعمال القلوب بالكلية زال الإيمان بالإجماع!
قال ابن تيمية:”ومن تأمل الشريعة في مصادرها ومواردها علم ارتباط أعمال الجوارح بأعمال القلوب، وأنها لا تنفع بدونها، وأن اعمال القلوب أفرض على العبد من أعمال الجوارح، وعبودية القلب أعظم من عبودية الجوارح، وأكثر وأدوم، فهي واجبة في كل وقت”
فاللهم وفقنا لتحقيق إيماننا واشرح له صدورنا، برحمتك يا أرحم الراحمين.





