إبراهيم عبد المجيد
روائي مصري
هذا كتاب للباحث ممدوح فرّاج النابي، صادر هذا العام عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت، وحائز جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة، التي أسسها المركز العربي للأدب الجغرافي – ارتياد الآفاق – ودارة السويدي الثقافية، التي يشرف عليها الشاعر نوري الجراح. ممدوح فرّاج النابي فاز بجوائز مهمة مثل جائزة الشارقة للإبداع العربي، وجائزة كتارا، وجائزة طه حسين عن مركز رامتان في القاهرة وغيرها، وله كتب مهمة مثل «السيرة الذاتية: سؤال الهوية والوجود.. قراءة في إبداع المرأة» و«جماليات النص الروائي» و«القارئ العادي والتيه النقدي» وغيرها، وكلها تغامر في موضوعات طليعية، فضلا عن كتابته في العديد من الصحف والدوريات.
الكتاب دراسة وبحث شيق في الخيال الرحلي (من الرحلة) من واقع دراسة كتاب «رحلة الربيع والصيف» لطه حسين وعنوانه الفرعي «بحث في الخيال الرحلي». بعد الاستهلال والمقدمة ندخل في الكتاب المكون من عشرة فصول. «رحلة الربيع والصيف» لطه حسين صدر عام 1957 وقليلا ما يُذكر بين إنجازاته العظيمة.. رحلة الربيع والصيف لطه حسين كانت إلى اليونان وباريس عامي 1928-1948. لقد قام بها مع أسرته، فكيف تكون رحلة الأعمى وقد تعودنا على رحلات المبصرين.
الكتابة العمياء هي المقابل للكتابة المبصرة السائدة في معظم الكتابات، وهي نوع من الكتابة يتم التعبير بها عن أحاسيس العميان وإدراكهم، بتفعيل الحواس اللابصرية في الكتابة، مثل السمع واللمس والشم والإدراك وما شابهها. دراسة ممدوح فراج النابي لنص طه حسين لا تنفصل عن دراسته لأدب الرحلات عند غيره، والإحاطة بالكتاب أمر صعب، فهو دقيق المعاني والكلمات لذلك سأوجز الحديث. نبدأ من كيف كان طه حسين مغرما بالسفر والرحلات، فقام بالعديد منها سواء للترفيه، أو للعلم. يستشهد بكتابات طه حسين دائما في كل ما يتحدث عنه.
لقد أتبع طه حسين رحلاته بكتابات تخترق حدود التجنيس، بعضها أشبه بيوميات، وبعضها نصوص رحلية قصصية، وبعضها متابعات لما يحدث في المجالات الأدبية والفنية كافة، يقارن ممدوح النابي بين نصوص الرحلات والسيرة الذاتية، كما يراها المفكرون. الرحلة قصة سفر أغلبها منثور، وموضوعها جزء من حياة الرحالة في البلاد التي زارها، التطابق في السيرة والرحلة واحد بين المؤلف والراوي. وبعد دراسة وإجابات عن أدب الرحلة في التاريخ، وعن لماذا جمع طه حسين بين رحلتين، رحلة الصيف إلى فرنسا، ورحلة الربيع إلى اليونان وإيطاليا وفرنسا، رغم اختلاف زمن حدوثهما، وغير ذلك من الأسئلة، ندخل في العمى والكتابة عند طه حسين فلا يمكن فصلهما. كيف كان للإعاقة البصرية عاملها المؤثر في تشكيل شخصية طه حسين من جانب، وانعكاسها على كتاباته. كان لها تأثيرها السلبي في نفسيته، والإيجابي في كتاباته التي اتكأت على الإلقاء والإملاء، فجاءت بما يمكن وصفه ببلاغة الكتابة العمياء، أو كتابة العمى. الاختلاف بين الكتابة العمياء والمبصرة والحيادية. في العمياء يمكن أن تقرأ «سمعته يدخل الغرفة» وفي المبصرة «رأيته يدخل الغرفة» وفي الحيادية «أدركت أنه دخل الغرفة» لقد وظف طه حسين كل قدراته ليتحايل على إحساسه بعاهة العمى. جاءت كتاباته بصيغتي الإلقاء والإملاء، وكثر فيها الاعتماد على الحواس غير البصرية، فكثرت لديه أفعال الحواس كالسمع واللمس والشم، ويعطي الأمثلة، وهكذا ينتقل إلى خصائص الأسلوب عند طه حسين. ما نقرأه له ليس كتابة، بل كلاما يتخفف منه بالإلقاء والإملاء، وهو نوعان. الأول إلقاء كما في المحاضرات العامة للطلاب والندوات والأحاديث، والثاني إملاء، وهو ما يستجلي خصائصه الأسلوبية أو الكلامية، وأبرزها الجانب الصوتي الذي يحدث أثرا في آذان السامع، ومن هذا يأتي التكرار الإسلوبي، وفي كل مرة ثمة معانٍ جديدة فيقول مثلا، «لقد تركنا المستقبل لمن بيده المستقبل، وتركنا الحاضر للذين ينشغلون بالحاضر، وألغينا من الماضي ثلاثة وعشرين قرنا، وأهملنا من الماضي قرونا لا تحصى إلخ». لاحظ التكرار لمواقع الفعل ألغينا وتركنا. قارئ النص الرحلي «رحلة الربيع والصيف» يلاحظ أن طه حسين لا يكتفي باستعارة عين الراوي الوسيط، الزوجة أو سكرتيره فريد شحاتة، إنما يضيف إلى ما يرويان من مخيلته الكثير من الأحداث والوقائع، ومن ثم يكسر المسافة السردية التي صنعها الراوي الوسيط، ويضفي صبغة ذاتية على السرد، فيندغم الراوي طه حسين مع الراوي الوسيط، ويصبح الصوت صوتا واحدا لا يشير إلى راوٍ وسيط، بل إلى روي ذاتي أو سرد شخصي بتعبير رولان بارت. يقترب الراوي الرحلي من الراوي في النصوص التاريخية، حيث التدوين والتسجيل.
الفارق كما يقول شعيب حليفي أن الراوي في الرحلة يعزز الحكي بالتاريخ، في حين أن الراوي في التاريخ يعضد أخباره بالحكي. كان لطه حسين القدرة على استعارة العين البصيرة، والاستغناء عن الراوي الوسيط/ الملقِّن، فهو يطمس دور الأخير ويحل محله، دون أن تشعر بتنافر في المسرود، بل توافق بينهما. حضور المروي له، القارئ الخارج عن الحكاية، يدفع الرحالة إلى الاسترسال في الوصف بالضمير المخاطب. وطه حسين يعتمد خطابا سرديا لغويا يتوسد بالضمير المتكلم في معظم أحواله، إلا أننا نراه أحيانا يعود ويضع مسافة بينه وبين ما يروي عبر الضمير الغائب تارة والمخاطب تارة. يعطي أمثلة على تعدد الضمائر، ثم ينتقل إلى ملكة التخييل عند طه حسين، ففي خطابه الرحلي إظهار لها وقدرته على تخيل ما هو غير مرئي. لا تقف قدرته التخيلية عند نقل تفاصيل المكان وحركة رفاق الرحلة، أو حتى وصف أجواء الطقس، بل ينقل بدقة تأثير العلاقة بين الطبيعة والآثار، وأثر هذا التناغم على الحاضرين. نأتي إلى الرحلة وعلاقتها بإرادة المعرفة.. الرحلات تشكل أكثر المدارس تثقيفا للإنسان، معظم كتب الرحلات تتضمن قيمتين بارزتين، هما القيمة العلمية والقيمة الأدبية، لما تحتويه من معارف جغرافية وتاريخية واجتماعية إلخ. يطبق ذلك على رحلة طه حسين الذي لم يغفل هذا الجانب، فأبرز الكثير من مظاهر الحياة المختلفة، ويأتي بنصوص تؤكد ما يقول كالعادة، من كتابه محل الدراسة «رحلة الربيع والصيف».
الرحلة ترتبط بشيئين رئيسيين. الأول هو «الحلم» والثاني «العجيب». الحلم مكون أساسي في الرحلة، بل يمكن القول إن الرحلة أصلا حلم يراود صاحبه. تتعدد صيغ حضور الحلم في النص الرحلي، ما بين حلم مرتبط بأحداث الرحلة، وحلم غير مرتبط بسياقها، فيختلط الوهم بالواقع، وحديث عن معنى الحلم كما رآه المفكرون. عناصر الحلم متحققة في رحلة طه حسين ويأتي كالعادة بنصوص طويلة من الكتاب، ثم ينتقل إلى ما سماه «العجيب» كأحد العلامات البارزة في أدب الرحلات، تتجاوز وظيفته الإخبار عن أحداث غريبة غير مألوفة، إلى إحداث تغيير جذري في معرفة المتلقي وفي تجربته داخل العالم، وهو أمر واضح في أقدم الرحلات ومستمر، فقد ارتبطت به مثلا الرحلات العربية القديمة إلى بلاد كالصين، باعتبارها أرض العجائب والغرائب. في نص طه حسين هو الذي يخترع «العجيب» فلا نرى عجبا في ما يشاهد، لكنه يسبغ عليه صفة العجيب، فيثير بوصفه للأشياء الدهشة والانبهار. في لغة تساعده الحواس فيها على التوهمات. ينتقل بنا إلى علاقة الرحلة بالتاريخ، باعتبارها بمعنى من المعاني، رحلة في وإلى التاريخ وقلبه إذا شئنا الدقة، لنصل إلى كيف أن الرحلة نص زمني بامتياز، وكيف في نص طه حسين يندغم الزمن في السرد، ويصبح الزمن عاملا من عوامل تنامي السرد أو انقطاعه، وفي النهاية كيف رغم التداخلات البينية بين الرحلة والأجناس الأخرى، أدبية وغير أدبية، لا يمنع هذا من اعتبار الرحلة جنسا أدبيا مستقلا.
الكتاب موسوعة من المعرفة يستحق كل تقدير، ومراجعه عظيمة جدا، وأفكاره رائعة، ولغته ممتعة، ويستحق جائزة ابن بطوطة التي حصل عليها، وما قدمته أنا هنا محاولة في الإيجاز.





