هل يساعد اللايسين في مواجهة الهربس وتقوية العظام؟ العلم يجيب

إيطاليا تلغراف متابعة

يحظى اللايسين باهتمام متزايد في سوق المكملات الغذائية، ليس فقط بوصفه حمضا أمينيا أساسيا يدخل في بناء البروتينات، بل بسبب دراسات بحثت علاقته بعدد من المشكلات الصحية، من عدوى الهربس إلى القلق وصحة العظام.

لكن هذا الاهتمام لا يعني أن اللايسين أصبح علاجا معتمدا لهذه الحالات. فمع أن بعض النتائج تبدو واعدة، فإن جزءا كبيرا من الأدلة ما زال محدودا، وبعضه يستند إلى دراسات صغيرة أو تجارب على الحيوانات، ما يجعل التعامل معه مطلوبا بحذر، خصوصا لدى من يعانون أمراضا مزمنة أو يستخدمون أدوية بانتظام.

ما هي مكملات اللايسين؟

اللايسين (L-Lysine)، حمض أميني أساسي لا يستطيع الجسم تصنيعه بنفسه، لذلك يجب الحصول عليه من الطعام أو المكملات. يُوجد اللايسين بشكل طبيعي في مصادر غذائية غنية بالبروتين، مثل اللحوم، والدجاج، والأسماك، والمحاريات، والبيض، ومنتجات الألبان، وبعض البقوليات.

يدخل اللايسين في بناء البروتينات، ويساهم في عدد من الوظائف الحيوية داخل الجسم، من بينها دعم إنتاج الإنزيمات والهرمونات والأجسام المضادة. كما يرتبط بإنتاج الكارنيتين، وهو مركب يساعد على نقل الأحماض الدهنية إلى الميتوكوندريا لتحويلها إلى طاقة.

لهذا السبب، يشيع استخدامه بين بعض الرياضيين باعتباره مكملا قد يساعد في دعم نمو العضلات وتقليل تكسير البروتين، إلا أن قيمته لا تقتصر على المجال الرياضي فقط. فقد تناولت دراسات مختلفة احتمالات دوره في دعم امتصاص الكالسيوم، والمساعدة في بعض العدوى الفيروسية، والتأثير المحتمل في القلق والتوتر، إلى جانب استخدامات أخرى ما زالت قيد البحث.

اللايسين والهيربس.. هل يساعد فعلا؟

تعد عدوى الهربس البسيط من أكثر العدوى الفيروسية انتشارا حول العالم. وقد لا تظهر أعراض واضحة لدى كثير من المصابين، بينما يعاني آخرون من بثور أو تقرحات مؤلمة تتكرر على فترات، خصوصا عند التعرض للتوتر، أو ضعف المناعة، أو عوامل أخرى تنشط الفيروس الكامن في الأنسجة العصبية.

برز اللايسين منذ منتصف القرن الماضي كأحد الخيارات المساعدة التي جرى بحثها لتقليل تكرار نوبات الهربس أو تخفيف حدتها. وتقوم الفكرة الأساسية على العلاقة بين اللايسين والأرجينين، وهو حمض أميني يحتاجه فيروس الهربس البسيط في عمليات النمو والتكاثر. ويُعتقد أن اللايسين قد ينافس الأرجينين داخل الجسم، بما يحد نظريا من قدرة الفيروس على التكاثر.

راجعت دراسات منشورة العلاقة بين اللايسين والعدوى الفيروسية، وخلصت إلى أن اللايسين قد يكون مفيدا كعلاج مساعد في بعض الحالات، لا كبديل عن العلاج الطبي المعتمد. وتشير بعض النتائج إلى أن توقيت الاستخدام قد يكون عاملا مهما، إذ قد تكون الفائدة أوضح عند استخدامه في المراحل المبكرة جدا من نشاط الفيروس.

كما تناولت مراجعات أخرى بدائل طبيعية محتملة لعلاج الهربس، وذكرت أن الاستخدام اليومي للايسين قد يساعد لدى بعض الأشخاص في تقليل فرص عودة النوبات أو تخفيف شدة الأعراض عند تنشيط الفيروس. ومع ذلك، لا تزال النتائج غير حاسمة، وقد تختلف بحسب الجرعة والحالة الصحية وطبيعة تكرار العدوى.

وتشير بعض البيانات إلى أن الاستجابة قد تكون أوضح مع جرعات أعلى من غرام واحد يوميا، وقد تصل في بعض الدراسات إلى أكثر من 3 غرامات يوميا، لكن هذه الجرعات لا ينبغي استخدامها ذاتيا من دون استشارة طبية، خصوصا لمن لديهم أمراض كلوية أو يتناولون أدوية منتظمة.

هل يخفف اللايسين القلق والتوتر؟

تزايد الاهتمام بدراسة العلاقة بين بعض الأحماض الأمينية والصحة النفسية، ومن بينها اللايسين. ويأتي ذلك في وقت أصبحت فيه اضطرابات القلق مشكلة شائعة تؤثر في الحياة المهنية والاجتماعية، بينما قد يتجنب بعض المرضى الأدوية التقليدية بسبب آثارها الجانبية أو احتمال عودة الأعراض.

تشير بعض الفرضيات إلى أن اللايسين قد يؤثر في مسارات مرتبطة بالسيروتونين، وهو ناقل عصبي له دور مهم في تنظيم المزاج والسلوك والنوم والذاكرة ووظائف الجهاز الهضمي. ووفق هذه الفرضية، قد يساعد اللايسين في تعديل بعض الاستجابات المرتبطة بالقلق، خصوصا عندما يُستخدم مع الأرجينين.

في دراسة مخبرية أُجريت على حيوانات في عام 2003، بحث علماء من اليابان تأثير مزيج من اللايسين والأرجينين في الاستجابة للضغط النفسي المفاجئ لدى جرذان معرضة لبيئة مجهدة. وأظهرت النتائج انخفاضا في بعض السلوكيات المرتبطة بالقلق.

لكن أهمية هذه النتائج تبقى محدودة، لأنها أجريت على نموذج حيواني، ولا يمكن تعميمها مباشرة على البشر. لذلك لا يمكن اعتبار اللايسين علاجا للقلق، بل مادة غذائية قيد البحث تحتاج إلى تجارب سريرية بشرية أوسع قبل إصدار توصيات واضحة بشأن فعاليتها.

اللايسين وصحة العظام

يرتبط اللايسين أيضا بصحة العظام من خلال أكثر من مسار محتمل. فهو قد يساعد في تحسين امتصاص الكالسيوم، وتقليل فقدانه عبر البول، كما يدخل في دعم تكوين الكولاجين، وهو بروتين أساسي في بنية العظام والأنسجة الضامة.

بحثت تجارب مخبرية وحيوانية تأثير اللايسين، أحيانا مع الأرجينين، في نشاط الخلايا البانية للعظم وإنتاج الكولاجين وأكسيد النتريك. وأشارت بعض النتائج إلى احتمال وجود دور داعم في نمو العظام وتقويتها.

غير أن هذه النتائج لا تكفي للقول إن مكملات اللايسين تعالج هشاشة العظام أو تمنعها. فهشاشة العظام حالة معقدة تتأثر بالعمر، والهرمونات، والتغذية، ومستوى النشاط البدني، وفيتامين د، والكالسيوم، وبعض الأدوية والأمراض المزمنة. لذلك لا يجوز الاعتماد على اللايسين وحده بديلا عن التشخيص والعلاج الطبي.

الجرعات الآمنة والآثار الجانبية

تتوفر مكملات اللايسين غالبا على هيئة هيدروكلوريد اللايسين (L-lysine hydrochloride)، وتوجد في أشكال فموية، إضافة إلى استخدامات طبية وريدية أو تحت الجلد في ظروف محددة. لكن الشكل الفموي هو الأكثر شيوعا في الاستخدام اليومي.

تختلف الاحتياجات اليومية من اللايسين بحسب العمر والوزن والنظام الغذائي والحالة الصحية. وتشير تقديرات بحثية إلى أن الشخص البالغ بوزن يقارب 70 كيلوغراما قد يحتاج إلى نحو 800 إلى 3000 ملغ يوميا من اللايسين من الغذاء أو المكملات، بحسب السياق الغذائي والصحي.

وتشير بعض الأدلة إلى أن جرعات تصل إلى 3 غرامات يوميا قد تكون آمنة نسبيا لدى البالغين الأصحاء ولفترات محددة، ولا ترتبط غالبا بآثار جانبية خطيرة. ومع ذلك، قد تظهر أعراض هضمية خفيفة لدى بعض المستخدمين، مثل الغثيان، وآلام المعدة، والإسهال.

وأشارت مراجعة منهجية نُشرت في عام 2020 إلى أن الآثار الجانبية المسجلة في الدراسات كانت غالبا محدودة وهضمية الطابع، لكن ذلك لا يعني أن المكمل مناسب للجميع. فالمرضى الذين يعانون مشكلات في الكلى، أو النساء الحوامل والمرضعات، أو من يتناولون أدوية بانتظام، يحتاجون إلى استشارة الطبيب قبل استخدامه.

فوائد محتملة

تبدو مكملات اللايسين واعدة في بعض المجالات، خصوصا كعامل مساعد في تقليل تكرار نوبات الهربس لدى بعض الأشخاص، أو كمركب قد يدعم امتصاص الكالسيوم وصحة العظام، أو كمادة يجري بحث تأثيرها في الاستجابة للتوتر.

لكن الفارق كبير بين “احتمال الفائدة” و”ثبوت الفعالية”. فحتى الآن، لا تزال الأدلة غير كافية لاعتماد اللايسين علاجا مستقلا لهذه الحالات، وما زالت الحاجة قائمة إلى دراسات بشرية أكبر، وجرعات محددة، وفترات متابعة أطول، لتقييم فعاليته وسلامته على المدى البعيد.

لذلك يمكن النظر إلى اللايسين باعتباره مكملا غذائيا ذا استخدامات محتملة، لا علاجا بديلا. ويبقى الخيار الأكثر أمانا هو الحصول عليه من نظام غذائي متوازن، وعدم استخدام المكملات بجرعات عالية أو لفترات طويلة إلا بعد استشارة مختص.

المصدر: الجزيرة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...